1 ذات مساءٍ شتائيٍّ بارد ، غرفةٌ صغيرةٌ في أحد فنادق الرياض جمعتنا نحن الجنوبيين الأربعة : محمد علوان ، أحمد الدويحي ، عبده خال ، وأنا ..تحدثنا فسالَ الدفءُ خلسةً ..تحدثنا طويلًا عن الكتابة ، عن الصحافة ، عن فقه الجهات ، عن بعض المواقف الفاتنة ، غرقنا عميقًا في الضحك ، وارتقينا عاليًا في الغِناء .. حين تذكَّرَ القاصُ الكبير علوان أغاني الرعاةِ الجميلين في جنوبِ القلب ، وحين استبدَّ به الحنينُ أطلق عقيرته للريح والمطر والأفقِ الفسيح وراحَ يغني " الطّرْق " - أو " الطارق " كما نسميه نحن في " جزيرة فرسان " - بشجنٍ آسر ، لقد تجلّى في تلك الليلة المثمرة ، كان كأجملِ راعٍ من رعاةِ الحنين. علوان هو أحد مبدعي القصة القصيرة الكبار في بلادنا ، أصدر " الخبز والصمت " ، و " الحكاية تبدأ هكذا "، و " دامسة "، و " الهاتف "، و " إحداهن " ، و " تهلل " ، و " امغريبة " ، و " طائر العشا " ..ولقد كان مشرفًا على الملحق الثقافي بصحيفة الرياض ، وكان يتبنًّى الأصوات الجديدة بفرحٍ كبير ومحبةٍ غامرة ويأخذها من أطراف أصابعها إلى أعالي الضوء. 2 محمد علوان وكيل وزارة الإعلام.. ولأنه مبدعٌ حقيقيٌّ كان متواضعًا ، ودودًا ، وكان يتعاملُ مع الناس كطفلٍ كبير. يتصل ، يسأل ، نعم بطيبةٍ كان يسألُ كما كان يفعلُ الجيرانُ في الزمنِ الجميل .. يرسلُ قصتَهُ الجديدةَ ويقترحٌ عليك قراءتها متى سمحَ لك الوقتُ وأذِنَتْ لك الظروفُ ، كما يقترحُ عليك إبداء رأيك فيها .. يفعلُ ذلك وهو من هو في مجال الصحافة الثقافية ، وهو من هو في مجال الكتابة ، إنه أحد أهم رواد القصة الحديثة في بلادنا و هو صاحب تجربة سردية طويلة ( سبع مجموعات قصصية إنْ لم تراوغني الذاكرةُ المثقوبة ). يفتقدك حين تغيب ، ويقف إلى جوارك حين يأكلك الحزن ..وإذا دَهَنَ الصمتُ جدرانَ لغتِك ، استعادَ الغناءَ الجنوبيَّ الذي تكنزُهُ ذاكرتُهُ المثقلةُ بالجمالِ والعذوبة ، وراح يشدو بشجنٍ آسر تمامًا كما يفعلُ راعٍ بسيطٌ في جبال الجنوب. إنه القاص المبدع محمد علوان الذي لم يذكرْ أحدًا بسوءٍ أبدًا ، والذي أُحِبُّ أنْ أصفه دائمًا بأنه مدرسةٌ عاليةٌ في الجمال الإنساني الرفيع ؛ كونه من سلالةِ الضوءِ والحبِّ والأمل. 3 في كتاباته السردية يصدرُ عن وعيٍ عميقٍ بالواقع ، فهو في الحقيقةِ قريبٌ من أنفاسِ الناس ، ومن حكاياتهم..قريبٌ من أساطير المجتمع ، ومن التفاصيل اليومية للإنسان البسيط. في قصصه تتجلى القرى ، ومكابدات القروي ومعاناته وأحلامه وبراءته وأشواقه وآماله الجميلة..وهو في جميع تجلياته يكتبُ بلغةٍ لا تعقيد فيها ، لغة بسيطة من دون تكلف. يسردُ عالمه القصصي بأسلوبٍ سهل كما لو أنه يتحدث ، بيد أنه يعتني بالمضامين العميقةِ التي ترسخُ في الوجدان ، كما يعتني بجماليات القيم المضيئةِ التي تبقى مقمرةً في الأعماق. محمد علوان يكتبُ قصصًا مستوحاةً من عالمٍ بكرٍ لا يزال ساطعًا في ذاكرته وممعنًا في ذكرياته. أما شخصيات إبداعه السرديِّ فإنه يختارها بعنايةٍ من فضاءٍ شعبيٍّ بسيطٍ وأليفٍ ، فضاءٍ حميمٍ ، وقريبٍ من أوديةِ الروح وشِعَابِ الفؤاد .مجموعته الأولى " الخبز والصمت " كانت علامةً مهمّةً في السياق القصصي المحلي ، وبإصداره مجموعته الثانية "الحكاية تبدأ هكذا " كمن أضافَ إلى النهر القصصيِّ المحليِّ ماءً جميلًا ، وكمن أضاف إلى حديقة الإبداع وردًا شديدَ النضارةِ وعميقَ الجمال. 4 واقعيٌّ هو ، لكنّ واقعيته ليست واقعيةَ العدسة ، فهو لا يلتقطُ مشاهده القصصية بحرفية المصور الفوتوغرافي ، وإنما بعين المبدع الذي يرى ما لا يراه الإنسان العادي. في مجموعته القصصية الثالثة " امغريبة " نَهَلَ علوان كثيرًا من فضائه القرويِّ في الجنوبِ الجميلِ الساحر ، مؤكدًا على أن الإبداع الجميل هو ابنُ بيئته ؛ وهو الذي يصلُ إلى أقاصي القلب ، وهو الذي يكترث عميقًا بقضايا الناس وتفاصيلهم ولهاثهم اليومي ويومياتهم المغسولة بمطر الجبين. في سرده لا يتكلّفُ ولا يدّعي تجريبًا ولا ريادةً من أيِّ نوع، وفي الواقع - يتأكدُ هذا حين تلتقي به في مناسبةٍ ثقافيةٍ ما - فتزدادُ قناعةً بأنه واحدٌ من الكُتّاب الذين يتمتعون بالرصانةِ والبساطةِ والهدوء ، وهو دائمًا حاضرٌ في غيابه وممتلىءٌ وهو في صمته ، لا يثرثرُ كثيرًا ، ويكرهُ التنظيرَ والمنظرين ، و يكرهُ إدّعاء المعرفة هذا الداء الذي يعاني منه بعضُ المثقفين في ساحتنا المحلية وفي ساحةِ الكتابةِ العربية للأسف ، ويكرهُ " الكلام الكبير ". وفي هذا السياق أقول : جمعتني به سهرةٌ رائعةٌ أخرى ، وفيما غرقَ بعضُ الحضور في التنظير والكلام الكبير كعادتهم دائمًا انزوى علوان ، و راحَ يغني بصوتٍ قرويٍّ خافتٍ " طارقًا " جنوبيًا شفيفًا يأسرُ الروح. 5 علوان فضلًا عن كونه مبدعًا بارعًا في الحقل القصصي هو أيضًا قلمٌ من تلك الأقلام المضيئة التي تكتب المقال الصحفيَّ ببراعةٍ و بوعيٍ شاهقٍ وحِسّ عالٍ ومرحٍ نادرٍ وروحٍ لطيفة. في زاويته " كلمات للوطن " تبنّى قضايا تحمل همًّا ورؤيةً وموقفًا كتبها بأسلوبٍ أخاذٍ ، وبسخريةٍ هادئة. قضايا الناس في أبجديته ليست شعارًا عاليَ النبرة ومرتفع الرايات ، وإنما هي هَمٌّ حقيقيٌّ ، ولهذا تتوقد كلماتُهُ وتضيء. الأجمل إنه جمع تلك المقالات ووضعها بين دفتي كتابٍ حمل العنوان نفسه " كلمات للوطن " ، لم يستنكفْ عن جمعها وطباعتها لأنها أولًا وأخيرًا تعبّرُ عن موقفه وقناعاته ووعيه مهما تغيرت الأحوال أو تبدلت الظروف. في هذا النوع من الكتابة تعرفُ أصابعُهُ كيف تلمسُ الجرحَ وكيف تضغطُ عليه ، وتعرفُ عيناه كيف تلتقطان المشهدَ بكلماتٍ قليلة ، وعلى يديه تصبح المقالةُ مصباحًا دالًّا على عتمةٍ ما ، لا تتحدثُ عن بطولاتٍ شخصيةٍ ولكنها تحاول أن تضيفَ شمعةً إلى الشموع الأخرى ، وأن تضيفَ قطرةً نبيلةً إلى نهر الوعي الاجتماعي العام . 6 في مديحِ محمد علوان وإبداعه القصصي ، كتب السارد المصري الكبير يحيى حقي مقدمةً طويلةً عن مجموعته القصصية الأولى " الخبز والصمت " ، جاء فيها : " اليوم ها أنذا وهذه التجربة الجديدة أكتب عن مؤلف لا أعرفه، لم أقابله من سابق، لا أعرف أي شيء عن حياته وإنتاجه. لم أصافحه فأعرف من لمسة يده قدرته على الإفصاح ليس لليد قناع كالوجه، لم أنظر إلى عينيه لأرى مدى استقراره ونوع حياته، لم أرَ ابتسامته لأعرف حلوة أم ممرورة أم مجرد قالب ثابت، ولكني بعد أن قرأت مجموعته مرتين أصبحت أعرف الإنسان وإن جهلت شخصه وشكله برزت لي صورته بأتم وضوح وجلاء، لم أعهدهما فيمن كتبت لهم وكنت أعرفهم، أبعدَ هذا دليلٌ على أن الاتصال إنما يتم في عالم الفن عالم الرؤى والإيهام كما قلت كيف حدث هذا؟ لأن نغمة الصدق في هذه القصص بينة لا مراء فيها، الصدق من أجل الصدق وحده، لم يصل إلى الصدق عن طريق الصنعة احتذاء بقواعد الشكل المقررة، بل وصل إلى الصنعة عن طريق الصدق فالصنعة لا بد منها في الفن ولكن لا يزال الصدق هو السبيل الوحيد إليها، إنه لا يؤلف قصة تصيدًا لموضوع أو زهوًا ببراعة سرد حكاية مسلية، أو تلذذًا بالقدرة على الخيال، ويظل مهمومًا بالترتيب الزمني أو التشريحي لأعضاء القصة، وإنما لتنفيث هموم تمتلئ بها نفسه وتنهشه حتى تكاد تمضي روحه، ومع الإفضاء برء مخادع لأن الداء مزمن غلاب، لم يقصد الترتيب فكوفئ في النهاية بدلًا من التشريب بأن واتته طواعية حبكة تقيم قصته في بنيان متكامل منسق ينبع ويصب بعضه في بعض - حبكة لا بد منها لكل عمل فني ". وأضاف حقي : " قرأت هذه المجموعة بشعور مزيج من الاستعبار والغبطة، الاستعبار لأنها ذكرتني بالقصة القصيرة عندنا أيام (المدرسة الحديثة) وكنت من تلاميذها، نشأت بعد هبة مصر في أعقاب الحرب العالمية الأولى، قالبها مستورد، لإثراء الأدب العربي ومجاراة أوروبا، كانت قصصاً واقعية اجتماعية مبعثها البحث عن التراث واستقلالها ".ويبوح الأستاذ يحي حقي بإعجابه بمجموعة علوان من دون تردد قائلًا :" عجبت حين رأيت أغلب اعتراضاتي عن القصة الحديثة قد خفت وتحققت معظم آمالي لها في هذه المجموعة التي أقدمها إليك، فهي عندي خير مثل ننشده لمحاولاتها الوصول إلى النضج. حجم صغير، بل في أغلبها قصير جدًا ، تركيز شديد، لم يمنعها تتابع التقطع بسبب الجمل القصيرة المستقلة من تملك قدر لا بأس به من السيولة والتدفق ، لحنها شمولي، بعدها عن الافتعال فهي صادقة كل الصدق، نبعت كما قلت من هموم تنهش المؤلف ، الألفاظ غير مستمدة من المعاجم بل تحمل بصمات المؤلف وشحنة تعجب، كيف احتواها قالبها، تجاورت كلمات لم تتجاور من قبل، وتجمعت في اليد في نسق يبهرك ، أشتات لم تتجمع من سابق، ملك المؤلف أسلوبه الذاتي الذي يدل عليه ويميزه عن غيره، وهذا هو أعز مطامح، الفنان، ليس هدفها التسلية بل تناول قضايا يبدو أنها تلح على المؤلف إلحاحًا شديدًا سنراها فيما بعد النظرة في الأعم إلى الداخل، (اللون والصوت والحركة في الخارج ليست جميعها سوى صدى حقيقي لما نحس هنا في أعماقنا رقصة الخبز والصمت). اهتمامها بالمشاعر إذن مثل أحداث العالم الخارجي. إنما لا تريد إخبارك وإعلامك بل رج شعورك إلى حد الإيلام، الجموع لديها تتناوب والفرد دور البطل، وأغلب الأفراد ليس لهم أسماء ". ويختم السارد الكبير يحيى حقي مقدمته لمجموعة محمد علوان المتألقة هذه بهذا التقريظ الصريح الواضح :" لا أدري كيف أشكر صديق الطرفين البعيدين على تعريفي بهذه المجموعة التي رجتني رجًّا عنيفًا أخرجني من ركودٍ واعتكاف ، إنني أستخسر حقًّا أن تمر هذه المجموعة دون أن تحظى بما هي جديرةٌ به من اهتمام ". 7 أخيرًا أقول : بعد رأي الأستاذ يحيى حقي وهي شهادةٌ كبيرةٌ من ساردٍ كبير .. يكفي محمد علوان فخرًا الرأي الذي أطلقه الروائي العربي الكبير نجيب محفوظ بحقه وبحق قاصين اثنين في بلادنا..في مقال له في أحد كتبه ثَمَّنَ النجيبُ تجربة علوان ، كما صدعَ بالرأي نفسه في حوارٍ طويلٍ نشرته " عكاظ الأسبوعية " قبل أعوامٍ مضت. * في ذكرى رحيل ساردنا القدير محمد علوان التي توافق الحادي والثلاثين من أغسطس الجاري. ا