تحالف مكة والحضارة.

بينما تضجّ وسائل الاعلام والدوائر الاستخباراتية والمنصات التحليلية بالحديث عن تحالف مكة، وتتسابق التحليلات لفهمه وتفسيره عبر أطر ضيقة؛ تارة بوصفه مجرد بديل إقليمي لملء الفراغ الناتج عن تراجع النفوذ الأمريكي، وتارة أخرى كترتيب تكتيكي لموازنة النفوذ الإيراني أو إدارة أزمات المنطقة الصاعدة، يبقى هذا الذهول التحليلي نتاج عجز واضح عن تحديد مستوى التحليل المناسب؛ فحصر الظاهرة داخل هذه العدسات الجيوسياسية الضيقة يغفل حقيقة استراتيجية كبرى، وهي أن نشأة هذا التحالف لم تكن مجرد رد فعل طارئ، بل كانت حتمية متوقعة بمجرد الانتقال إلى مستوى التحليل الحضاري والمنافسة الحضارية. هذا العجز التحليلي ناتج عن الارتهان لمنطق الواقعية السياسية والمادية اللتين تختزلان العلاقات الدولية في التوازنات العسكرية، والمصالح الاقتصادية الضيقة، وتتجاهلان ما أثبته التطور المنهجي في أدبيات السياسة الدولية من أن العوامل غير المادية كالهوية والذاكرة التاريخية والرموز هي المحدد الأساسي لسلوكيات الفاعلين الاستراتيجية. فعندما تُقرأ الظاهرة من المستوى الحضاري بوصفه مستوى تحليل وسيط يربط بين الدولة وبنية النظام الدولي، يتكشف أن أطراف تحالف مكة لا تتصرف كدول محكومة بمنطق الأمن التقليدي، بل كـدول حضارية تعي أن الصراع الراهن صراع حضاري مفتوح، ولذلك تعتبر مواجهة مهددات الحضارة الإسلامية جزءًا من أمنها الوطني. وفي هذا المستوى الحضاري، تتبدّى المقاربة البنائية الهوياتية التي ترى أن الهوية والرموز ليست خلفية ثقافية هامشية، بل هي التي تصوغ الذات وتحدّد المصالح وتعرّف طبيعة التهديد الوجودي لدى الفاعلين. وهي مقاربة أرى أنها مناسبة لفهم تحالف مكة؛ إذ إن التحولات التي شهدها الشرق الأوسط منذ عام 2020، ومسارات اتفاقيات أبراهام وما يُسوَّق تحت عنوان الديانة الإبراهيمية، تمثّل مشروعًا منظّمًا لإعادة تشكيل المجال السياسي والديني للعالم الإسلامي، مشروعًا لا يستهدف دول العالم الاسلامي كوحدات مستقلة، بل يتجاوزها إلى تفكيك الحضارة الإسلامية، ولا يتحقق ذلك إلا عبر استهداف مركز هذه الحضارة: المملكة العربية السعودية، بوصفها الدولة التي تحمي المقدسات وتمثّل مركز الثقل الروحي للإسلام. ولا يمكن تفكيك أي حضارة دون تحييد أو إضعاف المركز الذي يمنحها شرعيتها التاريخية والروحية، ولا يتم ذلك إلا عبر إعادة صياغة رموزها الكبرى. ولذلك جرى اختيار نبي الله إبراهيم عليه السلام في المشروع الإبراهيمي ليكون جسرًا لإنتاج ديانة موحّدة تجمع اليهودية والمسيحية والإسلام، في محاولة ظاهرها التقريب وباطنها إعادة تفكيك الهوية. وهو تفسير أُتيَ به من خارج المجال الحضاري الإسلامي، ويتصادم كليًا مع تعريف القرآن الكريم للحنيفية: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا﴾؛ وهي آية ترسّخ تعريفًا هوياتيًا صارمًا يربط الحنيفية بالإسلام حصريًا، ما يجعل فكرة تقديم إبراهيم عليه السلام كجسر لإنتاج ديانة موحّدة تحت غطاء التعايش طرحًا خارجيًا لا ينتمي إلى تعريف الإسلام لنبي الله إبراهيم عليه السلام. ومن المفارقات اللافتة أن المملكة سبقت هذا الطرح بإطلاق مبادرة الحوار بين الأديان والحضارات من داخل المجال الحضاري الإسلامي نفسه، لكونها مركز العالم الإسلامي وقبلته الحضارية، ولا تزال هذه المبادرة تحقق نتائج إيجابية؛ وهو ما يجعل طبيعة المشروع الإبراهيمي أكثر وضوحًا اليوم، إذ يتبيّن أنه مشروع جاء من خارج الحضارة الإسلامية ويحمل ملامح تفكيكية لا تقريبية، ويستهدف إعادة تشكيل الهوية وضرب استقلاليتها لصالح ترتيبات سياسية ودينية بديلة. غير أن خطورة هذا المشروع لا تقف عند حدود التفكيك الحضاري، بل تتجلى في البعد الميداني في الخطاب الصهيوني والبحوث وأوراق السياسات ومراكز الفكر الإسرائيلية التي تكشف عن طبيعة التهديد الشامل للحضارة الاسلامية؛ حيث صرّح بنيامين نتنياهو بوضوح: “المحور الشيعي يجب القضاء عليه أولًا ثم السني”، كما يكشف الخطاب الإسرائيلي تجاه تركيا ومصر، وتصريحات المسؤولين الصهاينة التي تصنّف تركيا العدو التالي بعد إيران ثم مصر، أن المشروع لا يتعامل مع العالم الإسلامي كطوائف مختلفة، بل ككتلة حضارية واحدة يجب تفكيكها وإعادة هندستها على مراحل. هذا التهديد صار واقعًا هدفه ممارسة الضغط السياسي والعسكري على الأرض، في محاولة لإعادة تشكيل البيئة الإقليمية بما ينسجم مع المشروع الإبراهيمي. ويظهر هذا الضغط في إشعال الحروب داخل المنطقة، ورفض أي مسار للوساطة أو الحلول الدبلوماسية للحرب القائمة، إضافة إلى الدعم المباشر للمشاريع الانفصالية داخل أراضي دول العالم الإسلامي، وفي تغذية النزاعات العرقية والمذهبية بهدف صناعة محيط أمني هشّ ومضطرب يحيط بالقوى الحضارية الإسلامية: المملكة العربية السعودية، وتركيا، وباكستان؛ وهو محيط يُراد له أن يكون قابلًا للانهيار عند الضغط، بما يسمح بإغراق هذه القوى لإدخالها في أزمات داخلية وإقليمية استنزافية تمسّ عمقها الاستراتيجي، وتفكيك البنية الحضارية الإسلامية وضربها. وتحت ضغط هذا التهديد البنيوي الشامل، برز تحالف مكة بين السعودية وباكستان وتركيا، كاستجابة لهذه اللحظة الاستراتيجية الفارقة، وكإطار حضاري صلب للدفاع عن الحضارة الإسلامية. وهو تطور حتمي نابع من مفهوم العمق الحضاري، الذي يحدث عندما تتحول الثقافة والدين والذاكرة التاريخية إلى أدوات صلبة في السياسة الخارجية وصياغة التحالفات الشاملة. ومما يمثّل دليلًا واضحًا على أن التحالف نابع من العمق الحضاري تصريحات وزير الخارجية التركي هاكان فيدان ذات الطابع الحضاري التي سبقت اتفاقية مكة بفترة بسيطة؛ فحديثه عن وجود “نمط واحد للتدخلات الخارجية في اليمن والسودان وسوريا والصومال”، وأن “العالم الإسلامي استيقظ أخيرًا”، إضافة إلى قوله إن العمل على تحالف مكة استمر ثلاث سنوات قبل الإعلان عنه، كلها إشارات تؤكد أن التكتل يُبنى وفق رؤية حضارية واسعة تهدف إلى الدفاع عن الحضارة الاسلامية ومواجهة نمط الاستهداف الخارجي. في الختام، تبدو قابلية انضمام دول إسلامية للتحالف، مثل إندونيسيا ومصر وماليزيا امتدادًا طبيعيًا لبنيته الحضارية؛ فهذه الدول تشترك في الوعي نفسه بطبيعة التهديد الذي تواجهه الحضارة الإسلامية. ولا يمكن إغفال الإشارات التي صدرت عن مسؤولين باكستانيين بشأن احتمال انضمام إيران؛ فهذه الإشارات تفتح الباب أمام تحول نوعي في طبيعة التكتل، إذ إن دخول دولة ذات خلافات مذهبية وتاريخية عميقة — إن حدث — سيشكّل لحظة مفصلية تؤكد أن تحالف مكة ليس تحالفًا سياسيًا ظرفيًا، بل إطارًا حضاريًا واسعًا للدفاع عن الكتلة الإسلامية بأكملها، قادرًا على تجاوز الانقسامات التقليدية وإعادة تعريف الاصطفاف الإسلامي في مواجهة مشاريع تفكيك الحضارة. *باحث في العلوم السياسية Salanazias@gmail.com