عبدالله شباط و «الخليج العربي»

لا يكتمل الحديث عن المشهد الثقافي في المنطقة الشرقية خلال السبعينيات الهجرية دون الحديث بقدر من التفصيل عن صحيفة «الخليج العربي»، التي لم توف حقها من قبل من أرخوا للصحافة السعودية وكتبوا عنها. وما يميزها هو أنها كانت الصحيفة الأهلية الوحيدة التي كانت تصدر في المنطقة بين 11 صفر 1378 هـ، الموافق 26/8/1958 م، تاريخ صدور عددها الأول بعد تحولها إلى صحيفة أسبوعية، إلى 28 شوال 1380 هـ، الموافق 14 أبريل 1961 م، وهو التاريخ الذي استأنفت فيه صحيفة «أخبار الظهران» الصدور، بعد توقفها في 29 رمضان 1376 هـ، الموافق 29 أبريل 1957 م؛ أي إنها كانت الصحيفة الوحيدة التي كانت تصدر في المنطقة مدة سنتين وثمانية أشهر. من جانب آخر تميزت تلك الصحيفة بأن معظم مضمونها في سنة صدورها الأولى كان يحرر في الرياض، واعتمد تحرير جزء كبيراً من ذلك المضمون على الصحفي السوداني عثمان شوقي، وأن عدداً كبيراً ممن أسهموا في تحريرها في سنتها الثانية- بالإضافة إلى رئيس تحريرها عبدالله شباط (1353-1438) كانوا من المنطقة الغربية. وهي بلا شك سجل مهم لذاكرة المنطقة خلال سنوات صدورها التي دامت قرابة أربع سنوات. البداية مع المعهد العلمي بالأحساء و»هَجر» كان الملك سعود- رحمه الله- قد أمر في مطلع عهده بافتتاح أربعة معاهد علمية- تدرس علوم الدين واللغة العربية وتؤهل لتخريج عاملين في سلك القضاء والتعليم- في كل من الأحساء وعنيزة وشقراء والمجمعة- حسبما نشرت مجلة «اليمامة» في ربيع الأول 1373 هـ، الموافق نوفمبر 1973 م. وبعد تأسيس المعهد وإنشاء مبنى حديث ومتكامل له عين الشيخ عبدالله بن خميس- المتخرج حديثاً من كلية الشريعة في مكة المكرمة- مديراً له، بعد بضعة أشهر من تأسيسه وتعيين المدرسين اللازمين له (مجلة «اليمامة»، عدد محرم 1374 هـ، الموافق لسبتمبر 1954 م). وبحكم اهتمام ابن خميس بالجانب الثقافي وإدراكه لأهمية الصحافة وتمرسه في الكتابة في الصحف السعودية آنذاك أسس نادياً أدبياً بالمعهد كان عبدالله شباط من بين أبرز الناشطين فيه، إذ درس المرحلة الثانوية في المعهد. وأصدر طلاب المعهد صحيفة حائطية بعنوان «الضياء»، ثم قفز المعهد قفزة متقدمة في مطلع سنته الثالثة بإصدار مجلة شهرية باسم «هجر»- أحد الأسماء التاريخية للأحساء-، في محرم 1376 هـ، الموافق لشهر أغسطس 1956 م. وطبعت تلك المجلة في «مطابع المصري» في بيروت، رغم وجود مطبعتين في المنطقة آنذاك، وهما «المطبعة السعودية» و»مطابع شركة الخط». وكان دارجاً آنذاك أن تطبع مجلات في المنطقة في بيروت، مثل «صوت البحرين» و»قافلة الزيت»، بحكم سهولة ارسال المواد إلى بيروت وسرعة التنفيذ وجودته عبر رحلات خطوط طيران الشرق الأوسط الأسبوعية العديدة من مطاري المنامة والظهران. رأس تحرير المجلة عبدالله بن خميس، وعمل شباط سكرتيراً للتحرير ونشرت له فيها قصة مسلسلة، بعنوان «جنون الوفاء»، وذكر في نهايتها أن بقيتها في العدد القادم؛ ولكن العدد القادم لم يصدر، إذ أوقفت المجلة بسبب عدم حصول المعهد على ترخيص مسبق لإصدارها، وهذا- كما ذكر لي شباط في مقابلة معه في الدمام في نوفمبر 1991 م- لأنهم كانوا لا يعلمون بوجوب الحصول على ترخيص مسبق. وورد في العدد نفسه إشارة إلى صدور عدد جديد من الصحيفة الطلابية «الضياء»، التي ورد ذكرها آنفاً. ولن أتوقف هنا عن المحتوى الثري لذلك العدد اليتيم من المجلة، والذي بقدر ما كان إيقافه مفاجأة غير سارة للمعهد، بقدر ما كان حافزاً لشباط للعمل على انجاز مشروعه الصحفي قبيل تخرجه في المعهد بأشهر قليلة. وقبل صدور تلك المجلة، ببضعة أشهر، كان عبدالله شباط قد بدأ تجربته الأولى في الكتابة في مجلة «اليمامة» في عامها الثاني ثم صحيفة «اليمامة» في عاميها الأولين 1375 و1376هـ، في أبواب رسائل القراء، ثم في مجلة «الإشعاع» التي أصدرها سعد البواردي في الخبر في محرم 1375 هـ، أي قبل عام من صدور مجلة «هجر»، حيث نشرت له في العدد الخامس- في جمادى الأولى 1375 هـ، الموافق ديسمبر 1955 م- مقالاً من سبع صفحات يستعرض فيه ديوان «أشواق» للشاعر الكويتي محمود شوقي الأيوبي، ثم اتبع شباط ذلك المقال بمقال من حلقتين نشرتا في العددين العاشر والحادي عشر من عام المجلة الأول، يستعرض فيه ديوان الشاعر خليفة الخطي «أرض الشهداء» حول «مأساة فلسطين». وأعقب تلك المقالات الأدبية مقال سياسي حاد النبرة عن «إمارات الساحل»، نشر في العدد الثاني عشر من السنة الأولى، في الشهر الذي صدرت فيه مجلة «هجر». مجلة «الخليج العربي» الشهرية قبيل تخرجه في معهد الأحساء العلمي كان عبدالله شباط قد أعد العدة- وبإمكانات مادية متواضعة جداً- لإصدار مجلة شهرية باسم «الخليج العربي»، ذكر في ترويستها أنها «مجلة شهرية للثقافة العامة». صدر عددها الأول في 25 محرم 1376 هـ، الموافق 1 سبتمبر 1956 م. وذكر شباط في مقابلة أجريتها معه في نوفمبر 1991 م أنه اختار هذا الاسم الذي كان اسما لصحيفة كانت تصدر في البصرة وتوقفت عن الصدور. وبعيد إصداره للمجلة ثم الصحيفة بهذا الاسم، نغص عليه استخدام إدارة بريطانية في البحرين الاسم نفسه لصحيفة أصدرتها في المنامة في أواخر عام 1956 م، وسيأتي ذكر ذلك لاحقاً. وعن سبب إصداره لهذه المجلة يقول شباط في محاضرة ألقاها في النادي الأدبي بالدمام عن الصحافة في المنطقة الشرقية: «لو سألني سائل آنذاك لماذا أصدرت (الخليج العربي)؟ سأقول له بكل فخر واعتزاز لأنني أريد أن أصلح الكون.. فقد دخلت ميدان الصحافة وأنا خُلوٌ من أبسط أدواتها ولا أعرف أقل أبجدياتها وليست لي خبرة ولا تجربة في الميدان. وإنما ظننت أن الإنسان متى ما نشرت (بعض الصحف) شيئاً من انتاجه يكون صحفياً... هكذا صوَّرَ لي عقلي الشاب الطموح الذي لم يتعد آنذاك السابعة عشرة، فبعثت برقية إلى جلالة الملك سعود يرحمه الله أطلب السماح لي بإصدار مجلة ...» وبعد بضعة أيام طَلَبَتْ منه شرطة الأحساء مراجعة إمارة منطقة الدمام. ويتابع: «فلما ذهبت إلى ديوان الإمارة وقابلت الشيخ محمد التريكي رئيس ديوان البرقيات أفادني بأنه صدر الأمر السامي بالسماح لي بإصدار (الخليج العربي) وأن عليّ أن أوقع تعهداً بعدم مخالفة نظام المطبوعات الذي لا أعرف عنه أي شيء. وفي نشوة الفرح وقعت التعهد دون أن أعلم ما فيه... وخرجت من ديوان الإمارة صحفياً صاحب مجلة». وعلى ذلك صدرت المجلة في الأحساء بعد أن جمع لها مواداً من عدد من أصدقائه ومعارفه ذكر منهم عبدالرحمن العبيد وسعود مرشد العقيلي وعدد من علماء ومثقفي الأحساء، بالإضافة إلى ردود مشجعة من بعض أدباء ومثقفي القطيف والمنطقة الوسطى على دعوته لهم للكتابة فيها. طبعت المجلة في «المطبعة السعودية» في الدمام، التي كانت تطبع النسخة مقابل ريال واحد. وعن تلك الكلفة الباهظة يقول شباط: «ولم تكن الكمية تزيد على ألف نسخة بألف ريال اقتطعتها من مبلغ كنت احتفظ به للزواج، فصدر العدد الأول فالثاني وهكذا إلى العدد السادس حيث نفذت مدخرات الزواج، ولم تحقق المبيعات أي مردود، وذهبت مدخرات الزواج أدراج الرياح». صدر من المجلة ستة أعداد، في 32 صفحة من القطع الصغير؛ وساهم بالكتابة فيها عدد من الكتاب والمثقفين السعوديين ومنهم عبدالرحمن العبيَِّد، وعباس مهدي خزام وموسى الشيخ علي- وكانا مقيمين في البحرين- وإبراهيم عبدالمحسن العبدالقادر، بالإضافة إلى صحاب المجلة، وأحمد محمد فقي، رئيس شرطة المرور بالظهران آنذاك، والذي سيصبح لاحقاً أول رئيس لتحرير صحيفة «الخليج العربي» التي سيصدرها شباط بعد توقف المجلة لأسباب مادية صحيفة «الخليج العربي» الأسبوعية خلال الثمانية أشهر بعد توقف مجلته بشكل نهائي، انتقل شباط من الأحساء إلى الدمام للعمل مدرساً فيها. وخلال تلك الفترة كان الشغف بالعمل الصحفي لا يزال مستحوذاً عليه، رغم تعثر التجربتين السابقتين اللتين خاضهما في مجلتي «هجر» و»الخليج العربي. لذلك كان موضوع اصدار صحيفة أسبوعية الحديث الدائم مع رفيقه محمد أحمد الفقي، وهو كاتب- وشاعر وأديب حسب قول شباط- ويعمل آنذاك رئيساً لشرطة المرور في الظهران. وأبدى فقي استعداده- حسب قول شباط في المقابلة التي أجريتها معه- لأن يساعده في تحويلها إلى صحيفة أسبوعية ونقلها لمدينة الخُبَر، على أن يكون- أي فقي- رئيساً لتحريرها. وهذا ما تم بالفعل، ولا يعرف إذا ما كان لفقي مساهمة مالية أيضاً في تمويل اصدار الجريدة أم لا!! وبالفعل صدرت الصحيفة في يوم الثلاثاء 11 صفر 1378 هـ، الموافق 26/8/1958 م، بصفتها «جريدة أسبوعية ثقافية جامعة»، من ثماني صفحات. صدرت وفي ترويستها اسمي عبدالله أحمد شباط- صاحب الامتياز والمدير العام- ومحمد أحمد فقي رئيساً للتحرير. وكان فقي قبل إصدار الصحيفة قد أخذ إجازة مدة عام لكي يتمكن من التفرغ للعمل في الصحيفة. واستأجر الاثنان مقراً للصحيفة في عمارة بشارع الأمير خالد وسط الخبر، تحمل لوحة كتب عليها «دار الخليج العربي». صدرت الصحيفة في قطع أصغر قليلاً من التابلويد وهي تتضمن أخباراً وتعليقات سياسية: «وحدة الصفوف العربية»، «نداء إلى شعب عُمان»...، وأخباراً من مدينة الرياض والمنطقة الشرقية وتتضمن عدداً من المقالات وردوداً على رسائل لقراء كانوا قد بعثوا بها إلى المجلة التي توقفت قبل ثمانية أشهر «احتراماً وتمجيداً لأصحابها». وحظيت الصحيفة بعدد لا بأس به من الإعلانات: صفحة كاملة من شركة عبدالله علي رضا، وثلث صفحة إعلان من أرامكو وثلث صفحة من شركة حمد بن أحمد القصيبي، وآخر من «مؤسسة الحقيل الوطنية» للمقاولات بالرياض، وإعلانات من مدينة الرياض. ولكن لماذا طغت المواد من الرياض على مضمون الصحيفة، منذ العدد الأول، وطوال أكثر من عام من صدورها؟ يعود ذلك إلى عدم قدرة صاحب الصحيفة- وربما صاحبيها- على تحمل تكاليف طباعتها في الدمام أو حتى في البحرين، وإلى ترحيب الشيخ حمد الجاسر- صاحب مجلة «اليمامة» ومؤسس مطابع الرياض ومديرها العام بتسهيل طباعتها في الرياض. والأهم من ذلك هو دور الصحفي السوداني النشط عثمان شوقي الذي اتفق معه شباط على تمثيل الصحيفة في الرياض، حسبما نشر في العدد الأول- وتحرير بعض موادها والإشراف على طباعتها وتوزيعها على المكتبات والمشتركين في الرياض وإرسال ما يخص الدمام والمنطقة الغربية من نسخ. وكان عثمان شوقي حينذاك يتعاون مع عدد من الصحف السعودية ويساهم بالكتابة في معظمها، ومن ضمنها صحيفة «اليمامة» في الرياض»، وصحيفتي «عرفات» و»الأضواء» في جدة. انظر الموضوع المنشور عن شوقي في العدد 2025 من هذه المجلة. والواقع أن عثمان شوقي كان شعلة نشاط، إذ لم يكتف بالإشراف على تحرير الصحيفة في مقر «اليمامة» بشارع المرقب ومتابعة طباعتها في مطابع الرياض الواقعة في المقر نفسه، بل استأجر مكتباً لنشاطه الصحفي في شارع البطحاء ليتسنى له العمل ساعات طويلة كل يوم. وحتى العدد 38، الصادر في 6/11/1378 هـ، الموافق 13/5/1959 م، كان عثمان شوقي أهم رافد يمد الصحيفة بما يستجد من أخبار وتغطية مناسبات وحوادث- بما في ذلك أخبار الجرائم- في العاصمة الرياض، ويحرر باب بريد القراء وباب الرياضة، الذي كان يحتل صفحة وأحياناً صفحتين في كل عدد، ويكتب فيها زاوية أسبوعية بعنوان «هذا منبري»، ويوافيها بالمقالات التي كان يسهم بها كتاب يقيمون في الرياض، وبتحقيقات ميدانية، ومن ضمنها تحقيق ثري وغزير بالمعلومات من عدة حلقات عن زيارته لمدينة بريدة وعدد من مدن منطقة القصيم نشر في أعداد متتالية في الصحيفة. ويلفت الانتباه كذلك كثرة الأخبار عن نشاطات كليتي الشريعة واللغة العربية والمعهد العلمي والمدارس في الرياض، وخصوصاً المدرسة الأهلية التي كانت تقع في مكان قريب من المكتب الصحفي لعثمان شوقي بشارع البطحاء. وحتى خلال سفر صاحب الصحيفة ورئيس تحريرها، كان شوقي يشرف على تحرير الصحيفة بالكامل، مثلما ذكر في العدد 14، الصادر في 14/5/1378 هـ، الموافق 26/11/1958 م. وبعد مضي قرابة عام- ابتداءً من العدد المزدوج 34-35، في 15/10/1378 هـ، الموافق 22/4/1959 م- ترك فقي رئاسة التحرير وعاد إلى عمله مديراً لمرور الظهران، ثم تبعه عثمان شوقي بعد قرابة شهر، حيث نشرت الصحيفة في العدد 39، في 13/11/1378 هـ، الموافق 20/5/1959 م، إطاراً بارزاً تضمن شكر الجريدة وتقديرها لعثمان الشوقي المشرف على طباعتها وتمثيلها في الرياض، ولعبدالعزيز الربيعي، ماسك حساباتها، وتحيط الجميع علماً بأنه لم تعد لهما صلة بالجريدة. تحول في حياة الصحيفة: من الرياض إلى جدة كانت صحيفة «الأضواء» الأسبوعية التي تصدر في جدة لصاحبيها عبدالفتاح أبو مدين ومحمد سعيد باعشن قد أوقفت نهائياً في 3 رجب 1378 هـ، الموافق 13 يناير 1959 م، وكان يتعاون معها مجموعة من الشباب الموظفين المتحمسين للعمل الصحفي، وهم عبدالعزيز فرشوطي وعبدالعزيز الهزاعي وعبدالعزيز عطية أبو خيال وأمين سالم رويحي... وسبب إيقافها للمرة الثانية ونهائياً كان نقدها اللاذع لبعض الشخصيات الاقتصادية في المملكة، ثم شنها حملة ضد شركة أرامكو، الذي ابتدأته في 25 صفر 1378 هـ، الموافق 9 سبتمبر 1958 م، بنقد مطول لأرامكو بسبب دفعها مليون دولار سنوياً للجامعة الأمريكية في بيروت، وتجاهلها- حسب قول الصحيفة- دعم مدارس قائمة في المملكة مثل مدارس الفلاح وغيرها، بالإضافة إلى البذخ في الإعلان في الصحف والمجلات اللبنانية.. ثم تعاظمت الحملة في الصحيفة على أرامكو في الأعداد التالية حتى إيقاف الجريدة. ولم تكن تلك الحملة سبباً لإيقافها، بل يعود ذلك إلى أسباب أخرى في مقدمتها السخرية اللاذعة من شخصيات اقتصادية سعودية مثل الشربتلي وبن لادن. وقد تحدث عبدالفتاح أبو مدين بإفاضة عن ذلك في كتابه «تلك الأيام». ومصدر جذب أولئك الشباب لصحيفة «الخليج العربي» كان عبدالعزيز مؤمنة، وهو شخصية محورية أصبح لها حضور قوي في الصحيفة. التحق مؤمنة المولود في مكة المكرمة عام 1351 هـ فور تخرجه في تخصص الاقتصاد في جامعة القاهرة بالعمل في أرامكو بالظهران عام 1374 هـ، وبحكم مستوى ثقافته الملحوظ ومهاراته الكتابية عين بعد بضعة أشهر من عمله في الشركة مديراً لتحرير مجلة «قافلة الزيت»، في ذي القعدة 1375 هـ، الموافق لشهر يونيو 1956 م.، إلى جانب رئيس تحرير المجلة شكيب الأموي، وهو كاتب سعودي معروف من أصل فلسطيني. وخلال عمله مديراً لتحرير المجلة كان مؤمنة يساهم بالكتابة في عدة صحف سعودية، ومنها صحيفة «الأضواء» في جدة، ويتطرق أحياناً إلى مواضيع ذات علاقة بالشركة، وابتدأ مساهمته في «الأضواء» بقصة من خمس حلقات بعنوان «مشكلات هذا الجيل»، نشرت أول حلقة منها في العدد 46، في 3 شوال 1377 هـ، الموافق 22 أبريل 1958 م. ووقعت الواقعة عندما ابتدأت «الأضواء» في نشر تعليقات متتالية تنتقد أرامكو بطريقة حادة ابتداءً من العدد 67، الصادر في 25 صفر 1378 هـ، الموافق 9 سبتمبر1958 م. وأدى استمرار مؤمنة بالكتابة في صحيفة تنتقد الشركة بقسوة وتشهر بها إلى استياء مرؤوسيه، والاعتقاد بأنه هو من يغذي الحملة على أرامكو. وفي الوقت نفسه كان مؤمنة قناة تواصل قبل صدور «الخليج العربي» بين عبدالله شباط ومحمد أحمد فقي وبين «الأضواء» وشجعهما على الكتابة فيها. ووصل الحد بصحيفة «الأضواء» في عدد لاحق إلى نشر عموده الأسبوعي «قافلة الحياة» إلى جانب تعليق في الصفحة الأخيرة عنوانه: «أرامكو لا ولن تثق في السعوديين». وبالرغم من الانتقادات المتكررة لأرامكو استمرت الشركة في نشر إعلانات في الصحيفة ثم أوقفت نشرها في الأعداد الستة الأخيرة. وبعد إيقاف «الأضواء» في جدة في 3 رجب 1378 هـ، الموافق 13 يناير 1959 م، انتقل مقال عبدالعزيز مؤمنة الذي كان سينشر في العدد التالي بسرعة البرق لينشر في صحيفة «الخليج العربي» في الخبر، في 4 رجب 1378 هـ، الموافق 14/1/1959 م، في عمود أسبوعي عنوانه «مشعل الخليج»، وكانت الصحيفة حينذاك تطبع في مطابع الرياض. وقد يكون السر في نشر المقال بتلك السرعة أنه إما أملي بالهاتف على عثمان شوقي في الرياض، أو أرسل مع مسافر إلى الرياض بالطائرة وصُف وطُبع على عجل لينشر في الصفحة الأخيرة من العدد. وبإيقاف «الأضواء» انتقلت الحملة الصحفية على أرامكو إلى «الخليج العربي»، وشجع ما يكتبه مؤمنة في عموده الأسبوعي «مشعل الخليج» كُتَّاَباًُ آخرين وقراء إلى تناول مختلف جوانب أداء أرامكو بالنقد، الأمر الذي أدى بالشركة إلى فصل مؤمنة من عمله بالشركة ومن إدارة تحرير مجلة «قافلة الزيت»، إذ حذف اسمه من ترويسة المجلة ابتداءً من العدد العاشر من السنة السادسة، في ذي الحجة 1378 هـ، الموافق لشهر يونيو 1959 م. وعن فصل مؤمنة من عمله كتبت «الخليج العربي في 18 ذو الحجة 1378 هـ خبراً قالت فيه: «انهالت على الجريدة رسائل الاحتجاج من المواطنين على الاجراء التعسفي الذي اتخذته أرامكو بفصل الأستاذ عبدالعزيز مؤمنة، والذي رضخت لإعادته إلى عمله أخيراً»، وذكرت الصحيفة في العدد نفسه أن الشركة أوقفت نشر إعلاناتها فيها. وأضيفُ إلى ذلك ما ذكره لي عبدالله شباط في مقابلة معه في 14 نوفمبر 1991 م من أنه كلما نشر عدد من الصحيفة يتضمن نقداً لأرامكو كانت الشركة تبعث بمندوبين من قبلها لشراء كامل الكمية التي كانت تطرح للبيع، ولم يكن ما يطبع من الصحيفة آنذاك يزيد على خمسة آلف نسخة، بما في ذلك النسخ المخصصة للمشتركين. وفي عدد لاحق صدر بعد ثلاثة أشهر- في 20 ربيع الأول 1379 هـ-، نشرت الصحيفة خبراً عن عودة مؤمنة إلى عمله بعد أن سُويَّ «سوء التفاهم» بينه وبين مرؤوسيه. الرغبة في التطوير ثم الإيقاف مدى سبعة أشهر ذكر سابقاً أن مجموعة من المثقفين الشباب في جدة والذين كانوا يكتبون في صحيفة «الأضواء» قد انضموا إلى أسرة تحرير «الخليج العربي»، بعد انتهاء علاقة عثمان شوقي في الرياض بالصحيفة، وإسهامهم بالكتابة فيها وكان دون مقابل مادي مثلما كان شائعاً آنذاك. وقد كان أولئك الشباب المقيمين في جدة من أصدقاء عبدالعزيز مؤمنة وعلى قدر كبير من الحماس، وهم عبدالعزيز الهزاعي؛ وعبدالعزيز فرشوطي وعبدالعزيز عطية أبو خيال، والكاتب والقاص الساخر أمين سالم رويحي المشهور بلقب «أبو حياة»، ويمكن أن يضاف إليهم الكاتب المعروف عبدالفتاح أبو مدين، أحد صاحبي صحيفة «الأضواء» والذي كان يسهم بالكتابة في الصحيفة بشكل غير منتظم. وانضم إلى هؤلاء الشباب شاب من الأحساء، وهو علي أحمد أبو خمسين، الذي أصبح سكرتيراً لتحرير الصحيفة ابتداءً من العدد 52، في 22/2/1379 هـ، الموافق 26/1959 م، وبقي سكرتيراً لتحريرها ثم أصبح مالكاً لامتيازها ورئيساً لتحريرها، بعد قرار المديرية العامة للإذاعة والصحافة والنشر سحب امتياز الصحيفة من عبدالله شباط في شهر شوال 1381 هـ، الموافق لشهر مارس 1962 م. والذي سهل مشاركة أولئك الشباب في جدة في صحيفة تصدر في الخبر هو أن طباعة الصحيفة كانت قد انتقلت من مطابع الرياض إلى مطابع الأصفهاني في جدة، ابتداءً من العدد المزدوج 67/68، الصادر في 16/6/1379 هـن الموافق 16/12/1959 م، وذلك رغبة في تحسين مستوى طباعتها بشكل أفضل وإدخال الألوان عليها.... بعد أن واجه عبدالله شباط عقبات في الموافقة على طباعتها في البحرين، إذ اشترط موظف بريطاني على شباط أن تلتزم الصحيفة بقانون المطبوعات في البحرين، وهو أمر كان من المستحيل قبوله، إذ كانت الصحيفة تنشر تعليقات شديدة اللهجة ضد الوجود البريطاني في البحرين. ويبدو أن أحد انتقادات الصحفية للهيمنة البريطانية على شئون البحرين وتعاطفها مع زعماء بحرينيين نفتهم بريطانيا إلى جزيرة سانت هيلانه، بالإضافة إلى مقال لعبدالعزيز مؤمنة ينتقد فيه سعودياً بالتجنيس- ويقصد به مسؤولاً في العلاقات العامة في أرامكو- كانت السبب وراء إيقاف الصحيفة مدة سبعة أشهر، عادت بعدها للصدور في 1 رمضان 1380 هـ، الموافق 16 فبراير 1961 م. ونشرت في هذا العدد- 99- افتتاحية تقول فيها: «عدنا والعود أحمد. نعم يا عزيزي القارئ عدنا بعد أن غبنا عنك مدة لا نظنها بالقصيرة عليك وعلينا فإن انقطاع الصلة بيننا وبين قراءنا حجب عنا ما خفي من أحوال قرائنا وحجز ما كنا أعددناه في سبيله ولخدمة الوطن والمواطن. وإن كان في احتجاب هذه الجريدة خسارة فإنها لا توازي المكاسب التي حققناها خلال هذه المدة الوجيزة، فقد تعلمنا دروساً كان يجب أن نعرفها منذ زمن... وما كانت هذه الصحيفة لترى النور مرة أخرى لولا مساندة حضرة صاحب الجلالة الملك المعظم سعود الأول الذي عودنا السبق دائماً إلى كل عمل فيه مصلحة للوطن والمواطن...». وبعودة الصحيفة إلى الصدور توقف مؤمنة عن الكتابة فيها وانتقل للكتابة في صحيفة «القصيم» في الرياض، في عمود عنوانه «مشعل القصيم». وإضافة إلى أولئك الشباب الذين ضخوا في الصحيفة قدراً كبيراً من الحيوية، كان في إسهام شخصيات أخرى إثراء للصحيفة، ومنهم- حسب عدد المقالات- كتاب وأدباء مثل يوسف الشيخ يعقوب (فتى الخليج العربي) وإبراهيم الناصر وعباس مهدي خزام وموسى الشيخ علي وسعد البواردي وسيف الدين عاشور والكاتب الاقتصادي أحمد محمد عيسى طاشكندي الذي كان يسهم بمقالات تحليلية متخصصة وكذلك الاشراف على صفحة «المال والاقتصاد»- ابتداءً من العدد 59- بالإضافة إلى زوجته سميحة أحمد التي تولت الاشراف على صفحة المرأة «نسائيات»، ابتداءً من العدد 62. ويضاف إليهم كتاب عرب مقيمين في المنطقة الشرقية مثل الكاتب الأردني أحمد عابدين وعوض خليل. وتبقى صفحة «الرياضة» التي استحدثها عثمان شوقي وغطى من خلالها مختلف المباريات والأحداث الرياضية في الرياض طوال عامل كامل- منذ العدد الخامس وحتى العدد 37- الأطول عمراً في الصحيفة، وقد خلفه في الاشراف عليها عبدالحميد مشخص- حتى العدد 48- ثم تولى الإشراف عليها محمد جمعة الحربي منذ 1 صفر 1379 هـ، الموافق 5 أغسطس 1959 م، وحتى العدد 140 في 13 رجب 1381 هـ، حينما خلفه فيها عبدالعزيز عبدالرحمن النعيم. ويبقى أن حدثاً طريفاً أشرت إليه في المقدمة أثار استياء صاحب الصحيفة عبدالله شباط بعد إصدار صحيفته. فقد صدرت في البحرين بعد إيقاف كل الصحف الوطنية صحيفة باسم «الخليج»، منحت الإدارة البريطانية رخصة إصدارها لشركة بريطانية تعمل في البصرة في أكتوبر 1956 م. وسرعان ما تحولت إلى صحيفة يومية تطبع على الآلة الكاتبة، ثم تحولت في عام 1959 م إلى صحيفة يومية متميزة في الإخراج، وغير اسمها ليصبح «الخليج العربي»، الأمر الذي أثار حنق شباط. وفي أبريل 1961 م توقفت الصحيفة المنتحلة لاسم «الخليج العربي» عن الصدور، الأمر الذي كان مبعث سرور شباط، إذ نشر في العدد 108، الصادر في 12/11/1380 هـ، الموافق 27/4/1961 م تعليقاً مطولاً على إيقاف الصحيفة الصادرة في البحرين، عنوانه: «إغلاق صحيفة استعمارية في الخليج»، تطرق إلى فشلها في الرواج وإعراض الجمهور عنها في البحرين، واختتم التعليق بعبارة: «وما هذا إلا دليل جديد على صلابة الوعي العربي في الخليج الذي يجابه ضغط الاستعمار بثبات وبطولة». وبعد، فتلك بضع صفحات- صفحات ناقصة بلا شك- من حياة تلك الصحيفة الفريدة في مسيرتها والتي سدت فراغاً في الحياة الثقافية في المنطقة الشرقية فترة من الزمن، لعلها تسهم بالتعريف بدورها وبإسهامات صاحبها الكاتب الراحل عبدالله شباط، رحمه الله.