الكتابة ببلاغة الريشة.

ليس بالحروف والكلمات وحدها نكتب؛ بل وبغيرها كذلك؛ فَريشة الفنان مثلًا يمكنه أن يستنطقها حتى تعبّر كما يفعل القلم وربما أفضل. وحينما تكون الريشة هي ريشة فنان كاريكاتير فإن بلاغتها تبز القلم؛ لأنها برسمة تبدو بسيطة يمكنها أن توصل فكرة لا تكفيها صفحة أو اثنتان وربما أكثر من هذا بكثير. هي بلاغة لكن من نوع خاص حين تكون البلاغة هي إجاعة اللفظ وإشباع المعنى، وهو ما تقوم به رسمة كاريكاتير واحدة، هدفها إيصال رسالة إلى المجتمع مع مراعاة قصرها وكونها مباشِرة. وقد يتصور البعض أن الجهد اللازم لتنفيذ الرسمة بسيط جدًّا، وأنها من أسهل الأعمال الإبداعية، لكن من يسأل عنها يعلم بأنها أصعب الفنون البصرية، وأن تنفيذها يمر بمراحل عديدة؛ من تحديد الموضوع، واستيعاب جميع جوانبه، وهو شبيه بما يقوم به كاتب المقال حين يحضِّر لمقاله حيث يجب أن يقرأ كثيرًا قبل أن يكتب. لكنْ هناك جهد إضافي على راسم الكاريكاتير؛ وهو البحث عن فكرة ساخرة أو معبرة أو صادمة لرسمته تستطيع أن تختزل وتكثف الفكرة التي قرأ عنها، وهو ما يجعل الموضوع أصعب؛ إذا علمنا أن الاختصار مع القدرة على إيصال الفكرة أصعب من الإطناب في الحديث والكتابة، تمامًا كما قال القائد العسكري نابليون بونابرت حين كتب لصديقه رسالة من ثمان صفحات ثم قال له: “اعذرني يا صديقي ليس لدي وقت لأختصر”، فكيف إذا وصل الاختصار إلى مجرد رسمة يجب أن تعبر عن أفكار راسمها وتصل فكرتها إلى مُطالعها مع تجنب أي تعقيد فيها حتى تفهمها أكبر شريحة من الناس، ما يمكن اختصاره في فكرة (السهل الممتنع)؟ يأتي بعدها إيجاد فكرة الرسمة، ثم رسمها على الورق أو على الأجهزة الرقمية، بعد أن تتبلور الفكرة، ثم تنفيذها وتلوينها، مع إضافة جانب تضخيمي أو هزلي أو لاذع في الرسمة (وربما تشويه للصورة بشكل يدفع للضحك دون تغيير ملامح الشخصية المقصودة) يحولها إلى كاريكاتير ويخرج بها من كونها مجرد رسمة عادية، مع المحافظة على حدود الاحترام للمجتمع الذي ينطلق منه. وتضاف إلى صعوبات الرسم الكاريكاتيري صعوبة أخرى حين تكون الرسمة دون أي نص مكتوب، فيما يسمى (الكاريكاتير الصامت)، الذي يمكن أن يفهمه الجميع مهما كانت لغته. لكن ينبغي أحيانًا للرسام أن يضيف نصًّا قصيرًا قد يكون ضروريًّا، وربما عنوانًا توضيحيًّا أسفل الرسمة أو فوقها، كل هذا مع مراعاة أن الشرح الطويل لها يعني أن الرسام لم يستطع إيصال فكرته عبر ومضة رسومية.