أين هي (الإثنينيّةُ) اليوم؟
أجمل مرحلة يعيشُها الأديب الصاعد، والشاعر الواعد هي خروجُهُ عن ذاته، وتلويحُهُ للغيمات المارّة دون انتهاكٍ لسرائرِ الماء، وانبثاقُهُ من الضوء الخارج من عتمةِ الأشياء، ومحاولته لترويض الريح التي في داخله، وتشظيه العاطفيّ الدؤوب، وارتكابه لبوح الخطيئة الـمُفضي إلى روحِ العزلة، وانشطار النواة التي تسكنُ فيه لتُصبِحَ طاقةً هائلة تضجُّ بالعنفوان والاضطراب. لا يُدرك هذه التفاصيل إلا الموهوبون الذين يُطيّرون حماماتِهم صوب السماء، ويمنحون طفولة تجاربِهم حُراسًا حتى لا تتيه في ذاكرةِ الأيام. كلما ألجُ بوابة نادي جازان الأدبي عند أي مناسبة أو محفل، ثم أنظر عن يميني أتذكر على الفور تلك الأيقونة الفريدة التي كان تُوسَمُ بـ(الإثنينية)، تلك الخارطة التي يتوزع في تضاريسِها المصطلون بشظايا الصراع الشعري. كان أول حضورٍ لهذا العَشاءِ المفعمِ برفاهيّة الكلمة قبل خمسة وعشرين عاما، فقد كان موئلًا للمثقفين والأدباء، ومهيعًا للواعدين والطامحين، وملاذًا للمتطلعين إلى الحدسِ والجرس والمجاز، وحصّةً فنيًّة ينتظرها أربابُ الحرفِ، وأصحابُ الفوضى المتزنة. كانت تلك (الإثنينية) تحمل على عاتقها مبادئ التحريك الثقافي والأدبي، ومُنطلقًا جادًّا للواعد الحقيقي، ورؤية تنقل الأديب بمختلف أطيافه وأصنافه، وتعدد مآربه، وتنوع مشاربه من سلطةِ الوِحدةِ إلى عالم الانفتاح، ومنتجعًا ينزل فيه الهواةُ ليمارسوا طقوسَهم الخاصة، وشرفةً يطلُّ من خلالها رواد المؤسسةِ إلى فضاء الشعر والفن والأدب. من البَدهي أن تكونَ بداية الأديبِ مشتعلةً حدّ الارتباك، منتفضةً مقدارَ الهمِّ الذي يعيشهُ في داخله، كنتُ حينها جدعًا لم أشب عن الطوق، أعني في ميلاد الموهبة وبداية نشوئها، كنتُ أتحسسُ الفنَّ، وأتلمسُ الشعرَ، وأحاول أن أتسلق الأشجار الجميلة؛ لأقطف القصائد التي كنت أظنها من فرائد الشعر آنذاك، ومن ثَمّ أنثرها على تلك المنضدة التي تنتظر الواعدين بكل شغف؛ لأجد من يقول لي لو قلت كذا لكان كذا، ولو حذفت هذا ثم أبدلته بهذا لكان السياق أجمل، والنظام أكمل، والبناء أنضج. كان التركيز في تلك (الإثنينة) في المقام الأول على القصيدة وتحليلها ونقدها والغور في مضامينها، والغوص في مكنوناتها، والتأمل في مدلولاتها؛ والنظر في رَمزيتها ومجازاتها، إذ إنّ الشعر سيدُ الأدب، وأمير الفن، وصاحب الجلالة. العجيب أن تلك الحلقةَ الثرية التي كان ينتظرها الصغار آنذاك بكل لهف، كان يأرز إليها كبار الأدباء والمثقفين من أبناء جازان، فلا يمنعهم تباعدُ المسافة في التجربة، ولا التباين في الفكر، ولا التفاوت في النضج، ولا التباعد في الوعي، بل كانوا أشدَّ حرصًا حتى من الذين انبثقت موهبتُهمْ للتو، إنه القاص الكبير عمر طاهر زيلع، والشعراء أحمد البهكلي، وأحمد الحربي، وإبراهيم الصعابي، كذلك الجيل الذي بعدهم أمثال: حسن حجاب، والحسن آل خيرات، وإبراهيم زولي، ومهدي حكمي، وعيسى جرابا، وحسن الصلهبي، ومحمد يعقوب، وأيمن عبد الحق، وغيرهم. لم تكن تلك الطاولة مجردَ حضور وانصراف، بل كانت محطّةً لقراءة النصوص الطريّة، كان النقد مهيمنًا بكل قواه، فهو المرآة التي تعكسُ البياض، والذاكرة التي تحمل القناديل، والفضاء الذي يحمل كل الفراشات، ناهيك عن المشاغبات المستفزة لجدرانِ الإثنينية، والمثيرة لبابها المفتوح. ذلك المشهد الثقافيّ - الذي عزَّ اليوم - أخرج ظواهرَ شعريةٍ سامقة، وروّض جيادًا جامحة، وأبرز نجومًا صار لها قصب السبق في مضمار الشعر والشاعرية والإبداع. إنْ كان من سؤال فهو: أين هي (الإثنينية) اليوم؟ سؤال ربما تأخر كثيرًا، والإجابة عليه صارت أقربَ إلى الخيال والمحال. ليس مرادي أن تُفتح تلك النافذة المشرعة على الجمال بشكلها وحراكها وتحولاتها، وإنما أعني شيئًا يماثلها في الهدف، ويضارعها في الرؤية، ويشابهها في الرسالة، أي: أن تكون ثمة نوافذ أخرى يخرج الضوء من خلالها ليُلامس المعنى، ويُلاطف الحب، ويستقر على الرخام. يجب أن يكون للأديب الواعد والشاعر الصاعد ظلًّا يتفيأ من خلاله، ومجالًا يحلِّقُ فيه، ورئة يتنفس بها، فهو أهمُّ مَن يُلتَفتُ إليه، وأولى مَن يُنتَبهُ له. إنّ الفجوة الآن، والهُوةَ التي لم تستطع ردمها كثيرٌ من التراجيديا والكوميديا يلزم إعادة النظر فيها. لستُ مناكفًا لما يُقدّمُ اليوم من ثُريّات مضيئة، وفضاءات متنوعة، ولستُ جاحدًا للسلالم التي يصعدها الخاصة من الطيور، ولكنني أزعم كل الزعم أن ثمةَ طيورًا لم تجد ــ بعدُ ــ فضاءَها الذي تحلق فيه، وأن هناك مرايا تختبئ خلف الكلام، وصمتًا لم تفك أزرارَه أصابعُ الوقت. أزعمُ أن البوحَ الذي نحن فيه ليس كافيًا لِأن يُصبَّ في كل الضلوع، أو يَكشفَ الغشاوةَ عن الجرارِ المرميةِ في الطريق. وأخيرًا.. وما لم أقله مرةً أو مرتين، فالأديب ذو الموهبة ــ صغيرًا كان أو كبيرًا ــ مُحتاجٌ إلى رافدَينِ اثنين لا يستغني عنهما البتة: القراءة، فهي الزيت الذي يشعلُ فيه مصابيح الجمال، والمخالطة، فهي العرجون الذي يحمل عناقيد الخيال. وامتلاء الذات بهاتينِ الظاهرتينِ ينعكسُ على الثورة الشعرية، والصورة الحية، ولن تكبرَ الموهبة إلا بهما، وإلا ستبدأ، ثم تضمحلّ، ثم تنطفئ. * جامعة نجران