دائمًا هناك ما هو أبعد.
نتحدث كثيرًا عن الأحلام، عن الأشياء التي نريد أن نصل إليها، وعن الحياة التي نتخيلها لأنفسنا. لكن خلف كل ذلك، دائمًا هناك ما هو أبعد. منذ أدرك الإنسان أنه يستطيع أن يتخيّل حياةً لم يعشها، وهو ينظر إلى ما وراء اللحظة. ويتكرر في داخله ذلك الميل القديم إلى التساؤل عمّا يمكن أن تكون عليه الأيام المقبلة. كان الإنسان الأول يرفع عينيه إلى السماء ويتساءل عمّا وراءها. واليوم، بعد أن امتلكنا من المعرفة والوسائل، ما زلنا نرفع أعيننا إلى السماء ونسأل: ماذا بعد؟ وأجمل ما في هذه الفكرة أنها تبدأ في الداخل، قبل أن يراها أحد. تأتي أولًا كإحساس غامض بأن شيئًا ما يمكن أن يكون، ثم تكبر حتى تصبح فكرة، ثم طريقًا نحاول أن نمضي فيه. وربما لا يكون المهم فقط ما نصل إليه، بل تلك الرغبة التي تجعلنا نواصل النظر إلى ما بعده. وقد لا يكون ما نصل إليه هو المكان الذي تخيلناه. لكن ما نمر به في الطريق قد يكشف لنا شيئًا لم نكن ننتبه إليه في أنفسنا؛ ما الذي نريده، وما الذي نستطيع احتماله، وما الأشياء التي تستحق أن نمنحها من أعمارنا. ولعل هذا الميل يبدأ من المكان نفسه الذي تبدأ منه أسئلة الطفولة الأولى: من الرغبة في أن نعرف. فالطفل يسأل عن الأشياء التي يراها ولا يفهمها، وعن الأشياء التي لا يراها ويريد أن يتخيلها. ثم يكبر، فتصبح أشياء كثيرة كانت تثير دهشته جزءًا عاديًا من يومه. ومع ذلك، يبقى فيه شيء لا يعتاد تمامًا؛ شيء يقاوم الاعتياد، ويدفعه إلى أن يسأل من جديد، وأن يعيد النظر في الأشياء التي ظن أنه أحاط بها. ولهذا نحتاج إلى أن يبقى في داخلنا ما يوقظ خيالنا، وما يمنح أيامنا معنى يتجاوز ما نؤديه فيها؛ أن نستيقظ وفي أذهاننا سؤال، أو فكرة نريد أن نتبعها، أو تجربة لم نعشها. فالإنسان بطبيعته يريد أن تحمل أيامه شيئًا يتجاوز تكرار ما سبقها؛ شيئًا يمكن اكتشافه، أو مكانًا يمكن الوصول إليه، أو معنى يستحق أن يبحث عنه. نحن نعيش في زمن تحققت فيه أشياء كثيرة كانت تبدو مستحيلة. ومع ذلك، لا يبدو أننا قد فقدنا رغبتنا القديمة في المعرفة. فكلما اتسعت أمامنا حدود ما نعرف، ظهرت لنا مساحات أخرى لا نعرفها. وليس علينا دائمًا أن نعرف إلى أين سنصل، بقدر ما نحتاج إلى أن يبقى في داخلنا ما يدفعنا إلى مواصلة سيرنا. فالذين عاشوا قبل آلاف السنين، والذين يعيشون اليوم، يشتركون في شيء بسيط وعميق: أنهم لا يكتفون بما هو حاضر أمامهم. وفي كل زمن، يعود الإنسان إلى النظر في الأفق، وكأن وراء ما وصل إليه شيئًا آخر ينتظره. فكلما ظننا أننا بلغنا أبعد ما يمكن، ظهر أمامنا أفق جديد، وعاد ذلك السؤال القديم، البسيط والعميق، ليوقظ فينا شغفًا جديدًا: ماذا يوجد بعد؟