خلطة الكتابة

الكتابة تشبه خلطات الطعام؛ بعضها لذيذ وخفيف وسهل الهضم، وودك ما تفارقه عينك، وبعضها شديد الدسم ويحتاج أن تشرب معه عصيرًا أو مشروبًا غازيًا، وبينها ما تحوم منه كبدك! بصمة الكتابة يكتسبها الواحد فينا، وعليه أن يجتهد في ذلك. وحين تملك شغفًا بأن تكتب، يكفي أن تسرح وتمرح في هذه الدنيا الواسعة وتلتقط أفكارك. ليس بالضرورة أن تعثر عليها في مكتبة، ولا أن تذهب إلى البحر، ولا أن توقد نارك في البر، وإن كانت تلك الأشياء من صميم سالفة “نسرح ونمرح” التي أشرت إليها. لكن أقصد أنه ليس بالضرورة أن تلزم نفسك بطقوس وعادات كتابية؛ يعني: أكتب بالليل، ولا مع شقّة النور! أمام أشجار يصدح طيرها، أو في غرفة صامتة. يكفي أن تفتح عينيك أكثر، وتتخيل نفسك مثل صقر يحلّق في الفضاء من بعيد، والفكرة طائر صغير تستطيع التقاطه. وإذا كنت تملك قليلًا من الدربة، قدّم فكرتك البسيطة المهملة، واعكسها على الورق في لحظة تجلٍّ مع النفس. وصلى الله وبارك. أكثر ما قتل الكتابة لدينا هو التعامل معها بشياكة زائدة عن اللازم. يذكرني ذلك بصورنا زمان؛ كان الواحد فينا إذا دخل استديو التصوير لازم يمسك قلمًا ويكتب، وإلا ما تطلع الصورة تمام! ويأتيك من يقول لك: الذكاء الاصطناعي كفيل بأن يكتب عنا. طيب، وهل الذكاء راح يتذوق طعم الملوخية مثل التي كانت تسويها أمي، خاصة إذا عصرت معها الليمون؟ أو يشم رائحة برادها المنعنع؟ هذاك أول؛ الحين أمي رحلت عن دنيانا الفانية، لكن طعم فطيرتها الصباحية، وغداها، وشاهيها، لا يزال في فمي. الذكاء الاصطناعي حلو، مثله مثل أشياء كثيرة، وله فوائد أبدًا ما ننكرها، ونحن من فضل الله نقطع فيه أشواطًا كبيرة، ونحسن استخدامه لترقية مجتمعنا في حقول متعددة. لكن في سياق الكتابة الإبداعية على وجه الخصوص، راح تكتشف أن الأمر مختلف إذا كنت كاتبًا حقيقيًا، وستلاحظ أنك أجمل من بصمته الأسلوبية بمراحل حين تنطلق من خلطتك، وهمّك، وزاويتك، وصوتك الذي يلح عليك من الداخل أن تكتب، وتحاول مرة ومرتين وثلاثًا وعشرًا، ولا تملّ المحاولة. وخلطتك هذه ستكون بصمتك ونكهتك، وتعبّر عن “براندك” بلغة السوق اليوم. حتى لو اسمك مش على المقال، راح يعرفون سماتك، أقلها من يقرأون لك بشكل مستمر.