شاهر يا ظاهر !
لا يختلف اثنان على أهمية توطين الوظائف وإتاحة فرص العمل للمواطنين، ولا سيما في قطاع حيوي كالعقار، لكن نجاح التوطين لا ينبغي أن يقاس بالنسبة المكتوبة في القرار وحدها، وإنما بقدرته على تحقيق أهدافه ومواكبة المتغيرات التي تطرأ على السوق. ومن المهن التي أرى أنها تستحق إعادة النظر في حدود توطينها بعض المهن العقارية؛ فقد مضت سنوات على قصر عدد منها على السعوديين بنسبة 100%، ومن بينها الوساطة والتسويق العقاري، في وقت شهد فيه القطاع العقاري تحولات كبيرة، كان آخرها دخول نظام تملك غير السعوديين للعقار حيز التنفيذ، وما يعنيه ذلك من انفتاح السوق على شريحة أوسع من المشترين والمستثمرين من جنسيات ولغات مختلفة. ولا أعني بإعادة النظر فتح مهنة الوساطة العقارية على مصراعيها للعمالة الوافدة أو الانتقاص من حق المواطن في فرصها، وإنما إعادة تعريف حدود المهنة والتمييز بين الوسيط العقاري الذي يتولى التفاوض وإبرام الصفقات ويتحمل مسؤوليتها النظامية، وبين أعمال مساندة يحتاج إليها المكتب ولا تمثل في حقيقتها وساطة مستقلة. فمرافقة العميل لمعاينة عقار، أو التنسيق معه وترتيب المواعيد، أو خدمته بلغته، أو متابعة بعض الأعمال الميدانية، لا أرى أنها تستوجب بالضرورة أن تعامل معاملة الوساطة وإبرام الصفقات. ومع دخول مستثمرين ومشترين أجانب إلى السوق، ستزداد الحاجة إلى موظفين قادرين على التواصل معهم بلغاتهم وفهم احتياجاتهم. ثم إن واقع السوق يستحق أن يُقرأ كما هو، فالتوطين الكامل لبعض المهن لم يمنع بصورة نهائية ممارسة بعض الوافدين لها بعيداً عن الواجهة النظامية للمكاتب. وما زالت الجهات المختصة تنفذ الحملات والجولات الرقابية المشتركة لضبط المخالفات، بينما لجأت بعض المكاتب - بحسب ما يُلاحظ في السوق - إلى إبعاد العامل الوافد عن مقرها الظاهر وممارسة بعض الأعمال من مواقع أخرى. وهنا يصبح السؤال: أيهما أجدى؟ أن تبقى بعض هذه الأعمال ممنوعة فتُمارس في الخفاء ويصعب ضبطها، أم أن تُعرّف الأعمال المساندة تعريفاً واضحاً، ويسمح بممارستها وفق تراخيص ومسميات وضوابط محددة تجعل العامل والمنشأة تحت عين الرقابة؟ إن إعادة النظر لا تعني التراجع عن التوطين، بل قد تكون حماية له، بأن يبقى جوهر الوساطة العقارية وممارسة المهن الأساسية فيها للسعوديين، بينما تُنظم الأعمال المساندة التي يحتاج إليها السوق، بدلاً من ترك مساحة رمادية بين ما تقوله اللوائح وما يجري في الواقع. السوق العقارية اليوم ليست السوق ذاتها قبل سنوات، والأنظمة نفسها تتطور لمواكبة المتغيرات الاقتصادية والاستثمارية. وإذا كنا قد فتحنا سوق التملك العقاري بصورة منظمة أمام غير السعوديين، فمن المناسب أن نعيد النظر أيضاً في تنظيم المهن التي تخدم هذه السوق، بما يحفظ فرص المواطن، ويلبي احتياجات المستثمر، ويجعل الممارسة كلها في النور بدلاً من أن يذهب بعضها إلى الظل.