عنز، ولو طارت

يُعتبر العنادُ نمطاً سلوكياً يمارسهً بعض البشر وربما بعض الحيوانات كالحمار حينما يحْرِنَ لسبب غير معروف حتى لصاحبه. دعوني إذاً أتحدث عن البشر إذ يمكن سبر أغوار النفس البشرية وتحليل انماطها السلوكية حيث يبدو لي بأنها أسهل وإن صعُبَتْ. لهذا سيتمحور حديثي حول الشخص العنيد المعاند، ولماذا يرفض الاعتراف بالواقع ويُصر على رأيه حتى وهو يعرف بأنه على خطأ؟ سأستبعد الشخص الجاهل ليس تحيزاً، بل لأنه غير قادرٍ على رؤية كافة أبعاد الحقيقة نتيجةً لجهلة. لكن ما بال غير الجاهل وهو يرى الحقائق ماثلة أمامه ومع هذا يُصر على رأيه المخالف؟ حين يتمسك المُعاند برأيه حتى ولو ثبت له العكس، يكون ذلك (حسب علم النفس) حمايةً لاستقلاليته من الذوبان في آراء الآخرين كما يظن وأن التنازل عن رأيهِ يُقلل من قيمته فيلجأ للعناد ليشعر بالأمان النفسي، وفي تراجعه عن رأيه يعتبرها هزيمة شخصية وليس تصحيحا للمعلومة. حسناً.. يبدو بأنني دخلت (عرض) كما يُقال في المحكي المحلي دون أن أوضّح لمن لا يعرف أصل مقولة “ عنز، ولو طارت” فأقول وبالله التوفيق بأن وراء تلك المقولة قصّة قد أجمع كل من كتب عنها على النحو التالي: يُحكى أن صديقين كانا في رحلة صيد، فشاهدا من بعيد جسداً أسودا فوق شجرة. قال الأول : أنظر الى ذلك الشيء أظن بأنه غراب. رد عليه الآخر معارضاً : لا، بل هي عنز. احتدّ الجدل بينهما وأصر كل طرف على رأيه، وفجأة تحرّك ذلك الشيء الأسود وطار في الهواء أمام أعينهما. ومع أن الحقيقة حينذاك أضحت ساطعة كالشمس في رابعة النهار، إلا أن الشخص المُعاند لم يتراجع عن رأيه، فقال بإصرار وعناد: هي عنز حتى ولو طارت. صفوة القول: لا ريب بأن العناد قد أحدث الكثير من الشروخ في جدار علاقات الناس بعضها مع بعض وحتى داخل الأسرة الواحدة. ثم أختم بالقول أن العناد محاولة لفرض رأي شخصي ليحل محل العقل، وحسب رأي القصيمي عبدالله “ أيها العقل من رآك “. •لندن