نيابة عن الوجوه كلها.

 لم أقبض على وجهٍ كامل لتلك المشاعر العظيمة لأشير إليه قائلة: هذا هو الشوق، أو هو يشبه الحنان، أو تلك ملامح العطف... حتى الغضب الذي نظن أننا نعرفه؛ قد يكون مكتومًا بلا وجهٍ أحمر، أو ملامح نافرة لم نرَ مثلها في غيرهِ. يصعب تحديد الوجه هنا مهما رأيناه! الوجه لا الأقنعة! وقليلة هي النظرات التي حملت في مداها من الثواني عوالمَ كاملة لا مشاعر وحسب. محظوظٌ من رآها في وجه من يبادله المحبة، بل ومن تعلَّمَ وتربَّى بتلك الوجوه والنظرات، فاللِّين أجدى لترسيخ الإنسان في الإنسان، والقسوة هنا ندبة مستحيلة، والوجه هنا يثبت بما لا يتخيله أحد… يثبت بلا أدنى داعي للقبض…  الحب نفسه لا يُحاط ولا يُحاصر وإنْ رُصدت علاماته مرضًا طارئا، ودليل ابن حزم أو رسائله أول ما قد يطرق البال. وقد بحثتُ فيه عن شوقك، عن وجه وحشتك دون ما تحب، ولم أجد لها وجهًا. لعلك خبأتها جيدا في سريرها طفلةً، وتنصَّلت منها بحكايات ما قبل النوم، ثمَّ خرجت للناس مدَّعيا أنك أشد صلابة من قحاف رؤوسهم المتفاخرة منذ عقود بأنها ساحة عصية على الشعور. هكذا يُوأَدُ كل ما يُظنُّ به ضعفًا يتقاطع مع وجهِ فكرةٍ بغيضة عن القوة. فهل ارتديتَ الصلابة شعورًا أم كنتَ وجهها الحقيقي؟  حتى القوة ليست بعيدة عن عصيان الوجه. كل شيء يتجدد في هذا الإنسان؛ فأقوى الجبابرة خانهم الوجه الذي ظنُّوا أنهم قبضوا عليه أخيرا… ولو فكرتَ قليلا لصرخت مثلي قائلا: بل لم أعرف أحدًا! اكتشفتُ أنني قد أكتب شعورا، أو أرسم وردة أو طريقا، لكنَّ الوجه الذي أحاول تذكُّرَهُ فيك يهرب كخاتمة القصة… كالشخصيات الخرافية التي لا أعرف أين تذهب بعد انتهاء القصص والروايات، ومثلك أنت إنْ اقتربتُ وظننتُ أنني أمسكتُ بكَ أخيرا. وكم ينسى الحيّ وجوه موتاه الذين غادروه لأشهر أو عام أو اثنين، ويظلون يلاحقونه بالصور وبالسؤال عنه، فلا تلمني والذاكرة مكعب ثلج، وللشعور فينا قَدَرٌ كصحرائنا هذه… وقد مشيتُ طويلا في هذا الممر الضيق الذي ارتطمتُ فيه بنفسي مرارا، ثم أنهكني أملي بك. خانتني المعرفة، وموهبتي، وثقتي بكل شيء، وركنتُهم جميعا لأحصي شوقك بما يتيح لي تفصيله في ملامحِ وجهٍ قد لا تخونني الذاكرة أمامه، أعرف أن الذاكرة ستكون فخي الأخير، ومحكمتك! ثم أدركتُ أنَّ الشوق أيضا كبقية المشاعر التي لا تحدها فراسة ولم يتهيَّأ لها وجهٌ بعد؛ فقد يكون مضطربًا كشوقك، أو ضعيفا وجبانا كشوقك أيضا، أو متناقضا يورثني الغصة مثل شوقك أيضا!، وقد يكون محدودًا جدا، كجرح غائر، كذاكرة عجوز يضحك وهو يتذكر أكثر آلامه إيغالا في دمه، في الوقت الذي هربت منه ملامح موتاه الذين عاشرهم عقودا، بل وفقَدَها في الصور… وما زال يضحك! وعلى عتبة داره التي شهدت على جُلِّ القصص! فهل حاصرتُ الشوقَ أخيرا في وجهٍ ما باقتفائك أنت؟! أو أحبطتني المحاولة؟ ربما كان الشوق أيضا حمّال أوجه، ويعوزه السياق دومًا لينتصر في المحكمة الأخيرة… والذاكرة يشوِّشُها الكلام، ونظلُّ نملأ الفراغات عنَّا وعن الآخر لنختم القصة، ونرسم الوجه الذي تجلَّى لنا يوما، ثم ضاع وبقيت ذاكرةُ المحاولة والألم. لا شيء هنا يفلت من القبض تماما، والعكس صحيح أيضا.