ميراث.
في طفولتي، في سنوات الدراسة الأولى، أو قبلها بقليل كان ربُّ العائلة التي تسكن البيت المقابل لبيتنا رجلًا أصلع، تظهر صلعته صباح يوم الجمعة، حين يتولَّى دفع الماء من ساحة البيت إلى خارجه وهو متخفِّفٌ من اللباس الرسميِّ. في هذا الوقت، والماء يسَّاقط من فوق عتبتي بابهم القصيرتين كانت صلعته تتبدَّى لي بوضوح حين ينحني: دائرة لامعة حولها شعرٌ قصيرٌ شبه كثيف. بسلاسة كانت كتل رغوة الصابون تنفصل وهي تعبر حدَّ العتبة وتهبط خيوطًا من فقَّاعات صغيرة هشَّة، مدَّة قصيرةٌ للتأمُّل، مدَّة نبتتْ فيها، ثمَّ تأكَّدتْ مرَّة بعد مرَّة فكرتي الطيِّبة الهشَّة. الأمر هو ظنِّي – في ذلك الوقت – أنَّ هيئة الشعر تلك كانت هيئة مُختَارة؛ فلم يساورني شكٌّ في أنَّها كانت نوعًا من أنواع الحلاقة، وأنَّ الرجال كانوا يذهبون إلى محلِّ الحلاقة – قصدًا – لصنع تلك الدائرة، أو لصنع دائرة غير مكتملة يحيط بها الشعر مثل حدوة حصان، وأنَّه ربما كانت هناك مقاسات وأشكال أخرى لتلك الدوائر اللامعة المرغوبة حدَّ التفنُّن، وأنَّ مشورةً سريَّة صغيرة كانت تجري بشأن ذلك قبل الاختيار، وقبل الاستسلام للشفرة التي ستلمِّع ذلك الرأس وتميِّزه! كبرتُ وأيقظتني حقيقة الأمر، مثل حقائق كثيرة؛ الحقائق التي كانت تنزع منِّي – شيئًا فشيئًا – بهجة ذلك الظَّنِّ المحلَّى بالبراءة الذي كان عقلي يُنعِم به على كلِّ نقصٍ وفقدٍ وزوال! ولربما كانت تلك النفس الطفلة قد ورثت عن أسلافها سنَّتهم الطيِّبة التي عاكسوا بها سوء الأحوال ما استطاعوا إلى ذلك لسانًا؛ فقعدوا من أحوال الضَّرر مقاعد الفأل، وجعلوا – باللغة – المفقودَ عيانًا حاضرًا بيانًا، وكسَوا ما لا يُختار كسوة النُّضار، وزيَّنوا خوفهم بالرجاء، وبوَّأوا المضرَّةَ الحاضرة مسرَّةً مرجوَّة لا بدَّ زائرة. ممَّا جاء في (محاضرات الأدباء ومحاورات الشُّعراء والبلغاء) للراغب الأصفهانيِّ: «قال الخليلُ: كان الشَّريف إذا لم يصلَّع نتفوا شعره تشبُّهًا بذلك» (1). ههنا مقعدٌ لـ(النتف) يشبه مقعد (الحلاقة) الذي تصوَّرته ذاتي الطفلة: المقعد المُختار الذي ما كان أمره كذلك، وإنَّما النتف المرويُّ هنا هو الهيئة المصنوعة رغبةً وقصدًا وتحليًّا من نوع آخر؛ فالشرف له قالب مُقرَّر – كما يبدو –: أكان مداره هو أنَّ جولان عظائم الأفكار في الرأس، والقلق المقيم سيورثان – لا بُدَّ – حرائق ستأتي على تلك الجمَّة؟ وأنَّ الشعر الكثيف يحيلُ إلى الدَّعة، والعيش الناعم اللذين لا يليقان بالفرسان والأشراف وذوي الشأن؟ الصَّلع فقدٌ طارئٌ غير مختار، وذلك (النتف) الآنف المقصود فقدٌ أيضًا وهما – للنظر العابر – ليسا أكثر من فراغ لامع. جاء في (ديوان المعاني): «ألحَّ رجلٌ النظرَ إلى أمير المؤمنين عليٍّ – عليه السلام – فقال له: إلى أيِّ شيء تنظر؟ قال: إلى بطن مُنْدَح وهامةٍ صلعاء، فقال عليه السلام: أمَّا البطن فأسفله طُعم وأعلاه عِلم، وأمَّا الهامةُ فكما قال الشاعر: بنى لنا المجدَ آباءٌ لهم شرفٌ ... صُلعُ الرُّؤوسِ وسيما السُّؤددِ الصَّلعُ» (2). تبدو هذه مناظرة بين (رؤية) الجسد و(رؤيا) الروح؛ الجسد الذي تتقشَّر عنه مِيزاته يعرى في عين ذلك الناظر السطحيِّ العابر، وجسدٌ لا تفصح جوارحه عن مقالة روحه الكثيفة الملأى لن تُسكِّن ذلك النظر العابر ليبلغ عمقها؛ فكان هذا الإقران إفهامًا بأنَّ قبضًا في محلٍّ هو علامة بسط في محلٍّ آخر، وممَّا نقله الجاحظ: «أمَا إنَّ قريشًا تزعم أنَّ كرامَها صُلعانُها» (3). فخر العربيُّ بأنَّ له أسلافًا من (الصُّلع) (قد) لا يتكرَّر في هذا العصر: ذلك ميراث لا يريد أحدٌ أن يتلقَّاه رأسه، لكنَّه زمان غير الزمان. ينقل ابن عساكر في (تاريخ دمشق) حوارًا جرى بين عثمان بن عفَّان رضي الله عنه وزوجه (نائلة بنت الفَرَافِصة)، حوار التعرُّف والانكشاف: للهيئة وللعقل معًا: «فلما دخلتْ على عثمان وضع القلنسوة عن رأسه، وبدا الصَّلع، فقال: لا يغمَّنَّك ما ترين، فإنَّ من ورائه ما تحبين، قالت له: أمَّا ما ذكرتَ من صلعك فإنِّي من نسوة أحبُّ أزواجهنَّ إليهنَّ السَّادة الصُّلع» (4). حديث عثمان –أرضاه الله – هو حديث الاحتراس والتوقِّي والدَّفع بأنَّ ما لا يُرى من أحوال النفس أغمرُ حُسنًا، وأوفى إرضاءً موازنةً بما ظهر وبان، وحديث (نائلة) مجيبة احتراسه بقولها: (ما ذكرتَ من صلعك) متجنِّبة أن تقولَ: (ما رأيتُ من صلعك) غاية تأدُّب، ومهادٌ نبيهٌ لقول الذات، والإفصاح عن الميل، والإقرار بالقبول. تلك مسافة زمنٍ بين نفسٍ غِرَّة ظنَّت أنَّ الجار الأصلع هو فاعل (أمر) هيئته، وبين أسلاف جعلت تلك الهيئةَ سمةَ من كان (أمره) بيِّن الفعل، بليغ الأثر. هي (الفكرة) إذن تقلب عين العقل حين تتمكَّن منه، فينعكس كلُّ مرئيٍّ وعليه منها (عينٌ ثرَّة الرِّضا)! هوامش: (1) محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء، الراغب الأصفهانيُّ، تح: عمر الطبَّاع، دار الأرقم، بيروت، 1999. 2/365. (2) ديوان المعاني، أبو هلال العسكريُّ، تح: أحمد غانم، دار الغرب الإسلامي، بيروت، 2003. 3/949. (3) البرصان والعرجان، الجاحظ، تح: عبد السلام هارون، دار الجيل، بيروت، 1990. ص514. (4) تاريخ مدينة دمشق، ابن عساكر، تح: عمر بن غرامة العَمْروي، دار الفكر، بيروت، 1998. 70/137.