محمد فهد الحارثي..

هندسة التحوّل. !

ربما لم يغادر محمد فهد الحارثي الهندسة تماماً حين غادرها إلى الصحافة. بقي منها شيء في طريقته في النظر إلى الأشياء: البناء قبل التفاصيل، ورؤية الصورة كاملة قبل الانشغال بجزئياتها، والإيمان بأن المشروع الجيد يحتاج إلى أساس واضح بقدر حاجته إلى الفكرة الجريئة. وحين امتدت رحلته في الصحافة والإدارة والمنصات والمنتديات، بدا ذلك التكوين المبكر حاضراً في تجربة رجل تعامل مع الإعلام بوصفه فضاءً يُبنى، لا وظيفة تُمارس فحسب. ينتمي الحارثي إلى جيل من الإعلاميين السعوديين، عاش أكثر من انقلاب في المهنة. عرف الصحيفة الورقية في زمن سطوتها، وعرف إيقاع العمل الصحفي حين كانت المعلومة تسافر ببطء أكبر، ثم شهد صعود الإنترنت والمنصات الاجتماعية والهواتف الذكية، وصولاً إلى زمن الخوارزميات والذكاء الاصطناعي. وبين هذه الأزمنة المتلاحقة، حافظ على قدرة لافتة على الانتقال من مرحلة إلى أخرى من دون أن يصبح أسيراً للأداة التي صنعت نجاحه في المرحلة السابقة. يحمل بكالوريوس في الهندسة المعمارية وماجستير في الصحافة الدولية من جامعة سيتي في لندن. وبين التخصصين مسافة تبدو بعيدة للوهلة الأولى، لكنها تختصر جانباً من شخصيته المهنية، فهو عقل يميل إلى التنظيم والتخطيط، وشغف وجد طريقه إلى الخبر والكلمة وصالة التحرير. وقد منحه وجوده في لندن مبكراً فرصة للاحتكاك ببيئة صحفية دولية، قبل أن تتسع التجربة وتتشعب داخل المملكة وخارجها. بدأ رحلته الصحفية في «الشرق الأوسط»، ثم عمل مراسلاً في «عرب نيوز»، وخاض تجربة صحفي زائر في «فايننشال تايمز» البريطانية، قبل انتقاله إلى «الاقتصادية»، حيث تنقل بين العمل الميداني والصفحة الأولى حتى وصل إلى إدارة التحرير. ولم تكن تلك السنوات مجرد درجات في سلم وظيفي، كانت مختبراً مهنياً تعرّف فيه إلى مدارس مختلفة في صناعة الخبر، وإيقاع المؤسسات، وعلاقة الصحافة بالجمهور، والفارق بين أن تدير مادة صحفية وأن تدير مؤسسة تصنعها. في عام 1997 جاءت محطة «الرجل»، ثم اتسعت المسؤولية في 2004 مع «سيدتي» و «الجميلة». وهناك ظهرت مبكرًا نزعة الحارثي إلى توسيع حدود المنتج الإعلامي. تحولت «سيدتي» إلى عائلة من الإصدارات والمواقع المتخصصة، شملت مجالات الديكور والأمومة والطفولة والأزياء، وأُطلقت لها نسخة شهرية باللغة الإنجليزية. كان ذلك يحدث في وقت بدأت فيه الصحافة المطبوعة تستشعر اقتراب عالم مختلف، عالم لن تكفي فيه المجلة وحدها مهما بلغ انتشارها، لأن الجمهور نفسه بدأ يتغير في عاداته ووسائله وانتظاراته. هذه الحساسية تجاه القادم تبدو مفتاحاً مناسباً لقراءة مسيرته. فالحارثي كان من الأصوات التي رأت مبكرًا أن الإعلام الجديد فرصة للمؤسسات التقليدية أكثر من كونه تهديداً لها. وهذه الفكرة لم تبق لديه عنواناً نظرياً، لأنها ظهرت في توسيع المنتجات، والذهاب إلى المنصات الرقمية، ومحاولة الوصول إلى جمهور جديد بلغة ووسائط تناسبه. فالمؤسسة الإعلامية، في رؤيته العملية، لا تستطيع أن تطلب من الجمهور أن يبقى حيث كان، عليها هي أن تعرف إلى أين ذهب. وحين عاد إلى «عرب نيوز» رئيساً للتحرير بين عامي 2013 و 2016، عاد إلى صحيفة عرفها في بداياته مراسلاً، لكن من موقع مختلف تماماً. الصحيفة الإنجليزية السعودية كانت تحمل بطبيعتها مسؤولية مزدوجة، حيث تقديم الخبر، وتقديم المملكة إلى قارئ يتابعها من خارج لغتها وثقافتها. وفي تلك المرحلة أطلق «منتدى عرب نيوز» الحواري، مستضيفاً مسؤولين ودبلوماسيين وشخصيات عامة لمناقشة قضايا الساعة. وفي هذه التجربة ملمح سيظهر لاحقاً بصورة أكبر، حين الانتقال بالإعلام من منصة تنشر ما يقوله الآخرون إلى منصة تستدعيهم وتصنع بينهم الحوار. كما عبر إلى الشاشة من خلال برنامج «بدون شك» على قناة MBC، وواصل حضوره كاتباً في عدد من المطبوعات. أضاف التلفزيون إلى تجربته معرفة أخرى بطبيعة الجمهور، فالكاميرا تختلف عن الصفحة، والحوار المباشر يفرض شروطاً غير تلك التي يفرضها المقال. ومع تعدد هذه المساحات، تراكمت لديه خبرة تجمع التحرير والإدارة والكتابة والتقديم، وتمنحه رؤية للمشهد من أكثر من نافذة. وفي عام 2020 دخل مرحلة مختلفة بتوليه الرئاسة التنفيذية لهيئة الإذاعة والتلفزيون. هنا انتقلت المسؤولية من إدارة مطبوعة أو مجموعة منتجات إعلامية إلى مؤسسة وطنية كبرى تعمل في فضاء شديد التحول، بالتزامن مع ما تشهده المملكة في ظل رؤية السعودية 2030 من تغيير اقتصادي واجتماعي وثقافي واسع. وأصبح السؤال أكبر من تحسين برنامج أو تطوير نشرة، كيف يمكن للإعلام العام أن يحافظ على ثقله في زمن تتوزع فيه انتباهات الجمهور بين مئات الشاشات والمنصات؟ خلال تلك المرحلة برز الاهتمام بالمحتوى المحلي، والتخصص، وتعدد قنوات الوصول إلى الجمهور، ومن علاماتها إطلاق أول إذاعة إخبارية في المملكة بوصفها امتداداً إذاعياً لقناة «الإخبارية». وكانت الفكرة جزءاً من توجه أوسع نحو توزيع الخطاب الإعلامي على منصات متعددة، بدل حصر الجمهور في وسيلة واحدة. وفي جوهر هذا التحول إدراك لحقيقة أصبحت تحكم الصناعة كلها، لأنّ المحتوى لم يعد مرتبطاً بالشاشة التي وُلد عليها. وتتصل بهذه التجربة قناعة أخرى رافقت الحارثي في محطاته المختلفة، وهي أن تحديث الأجهزة والمنصات يفقد كثيراً من قيمته إذا لم يتزامن مع تطوير من يعملون عليها. لذلك ظل التدريب وبناء الكفاءات الوطنية وتأهيل الأجيال الجديدة جزءاً من اهتماماته. فالتقنية تستطيع أن تغير شكل غرفة الأخبار، لكنها لا تصنع وحدها صحفياً يعرف ماذا يسأل، ولا محرراً يميز المهم من العابر، ولا إعلامياً يدرك مسؤوليته تجاه الحقيقة والمجتمع. أما منتدى الإعلام السعودي، الذي يرأسه الحارثي منذ انطلاقته، فيمثل على نحو أوضح انتقال تجربته من إدارة المؤسسات إلى بناء المساحات التي تلتقي فيها الصناعة بنفسها. فقد تطور المنتدى إلى موعد يجمع إعلاميين وقيادات وخبراء وأكاديميين وشركات وتقنيات وتجارب من المملكة والعالم، وينقل النقاش من أسئلة المهنة التقليدية إلى مستقبل المحتوى والذكاء الاصطناعي والاقتصاد الإبداعي والتحولات التقنية التي تعيد اليوم تعريف معنى الإعلامي نفسه. وبموازاة المنتدى، جاءت جائزة الإعلام السعودي لتضيف بعداً تنافسياً إلى المشهد، عبر الاحتفاء بالأعمال والتجارب المتميزة. فالجوائز، حين تُبنى على معايير مهنية، لا تكرّم الفائز وحده، إنها تقترح على القطاع نموذجاً للجودة، وترفع سقف الطموح، وتمنح التجارب الجديدة فرصة لأن تُرى. ومن هنا يمكن النظر إلى المنتدى والجائزة باعتبارهما وجهين لمشروع واحد، مساحة لتبادل المعرفة، ومساحة للاعتراف بالتميز. وامتدت تجربة الحارثي إلى دوائر عربية ودولية، فرأس اتحاد إذاعات الدول العربية، وانتُخب لعضوية مجلس إدارة الرابطة العالمية للصحف وناشري الأنباء، إلى جانب عضويات ومشاركات مهنية أخرى. وهذه المواقع تكتسب معناها الأوسع حين توضع في سياق التحول الذي شهده الحضور السعودي خلال السنوات الأخيرة، حيث أصبحت المملكة طرفاً فاعلاً في النقاش العالمي حول مستقبل الصناعة، وسوقاً مهمة للتقنية والمحتوى والاستثمار الإعلامي. وفي سيرته جانب يستحق ألا يضيع بين أسماء المناصب، إنه في قدرته على عبور الوسائط. بدأ من الصحيفة، وأدار المجلة، وكتب المقال، وظهر على الشاشة، وقاد مؤسسة للبث، وصنع منتدى، ورأس اتحاداً عربياً، وتعامل مع الإعلام الرقمي في أكثر من طور. وقد يكون هذا التنوع هو ما يفسر مرونته في التعامل مع التحولات، فمن يعرف المهنة من نافذة واحدة قد يخشى إغلاقها، أما من جرّب نوافذ كثيرة فيدرك أن الضوء يمكن أن يأتي من مكان آخر. ولذلك فإن قراءة تجربة محمد فهد الحارثي بالألقاب وحدها تظلمها. الأهم هو الخيط الذي يصل بينها حيث الرغبة المستمرة في الانتقال إلى المساحة التالية. من الورق إلى الرقمي، ومن التحرير إلى الإدارة، ومن المؤسسة إلى القطاع، ومن متابعة التحول إلى المشاركة في صناعته. وفي مهنة تستهلك نجومها سريعاً، يصبح البقاء في قلب الأسئلة الجديدة إنجازاً في ذاته. اليوم يقف الإعلام أمام تحوّل ربما يكون أشد جذرية من كل ما سبقه. الذكاء الاصطناعي يعيد صياغة الإنتاج والتحرير والتوزيع، والمنصات تغير علاقتها بالمحتوى، والجمهور نفسه يتحول من متلّقي إلى منتج ومشارك وناقد في اللحظة ذاتها. هنا تبدو الخبرة الطويلة مفيدة بقدر ما تبقى مفتوحة على التعلم، لأن أخطر ما يمكن أن يصيب الإعلامي أن ينجح في زمن، ثم يصر على أن يعمل الزمن التالي بقواعد نجاحه القديم. محمد فهد الحارثي واحد من الأسماء التي عبرت مراحل متعددة من الإعلام السعودي وهي تحمل معها هذا السؤال عن المستقبل. ومن مراسل شاب بين صحف عربية ودولية إلى قائد لمؤسسات ومبادرات ومنصات مهنية، تشكلت تجربة لا تختصرها بطاقة تعريف ولا منصب أخير. إنها رحلة في مهنة تغير جلدها باستمرار، وكان صاحبها حريصاً، في كل مرة، على أن يكون قريباً من لحظة التغيير. (*) كاتب وصحافي سعودي