البحث عن الدهشة.

في زمن متسارع جدًا، استهلكت الدهشة وأصبح كل شيء حولنا يدعو للضجر! حيث ازدحام المنصات الرقمية، وبناء محتوى مُكرر وتدوير المعنى في كل اتجاه واستنزاف (الترند) في تصدّر مشاهد مترهلة وعبارات مستهلكة، فأصبح كل شيء يصل بسرعة وينتهي بسرعة، وضاق علينا الانتظار فصرنا لا نحتمل مقطعًا مرئيًّا أو مسموعًا يتجاوز الدقيقة، ونضيق حين يتأخر توصيل طلباتنا لدقائق إضافية معدودة! ظهرفي الآونة الأخيرة مصطلح (تعفن الدماغ) أو (تلف الدماغ)، وأتخيّله كمنطقة سوداء بها قيح مؤذٍ شديد الالتهاب ويلتهم أدمغتنا! بيد أن (تعفن الدماغ) هو مصطلح وصفي يستخدم في السياق النفسي إشارة إلى تدهور في القدرات الذهنية والعقلية، وذكرت الدكتورة (ويندي روس) في صحيفة الجارديان- كبيرة محاضري علم النفس بجامعة لندن ميتروبوليتان- ( إن التفاعل المستمر مع هذا النوع من المحتوى لا يبدو مرهقًا للدماغ في اللحظة نفسها، لأن المعلومات بسيطة وسهلة، ولكنها في الحقيقة ترهقه بسبب كثافتها وتسارعها)، ومع ذلك فإن الأسباب واضحة والعلاج موجود بثمن بخس، لكنه يحتاج إلى إرادة حقيقية! ولذلك تقلّصت الدهشة في حياتنا، فأصبح كل ما يطربنا لا يتجاوز اللحظات ثم يختفي الشعور، وصار كل شيء معجون بالتقنية، فحتى مشاهد الطبيعة صارت من خلال شاشة مصوّرة بأجمل التقاطة مما أفسد علينا الخروج والاكتشاف والاستمتاع، وبدلًا من المشي في الطرقات وركوب الدراجات والقيام بأنشطة حركية وذهنية وتحدي مواطن الإبداع والقيام بالعمليات الحسابية ولعب الشطرنج ومهارات الإلقاء وحفظ القصائد والتفكّر في آيات الله والتفقه في أمور الدين والدنيا، صرنا أسرى لهذا السيل الجارف الذي يغرق ما يصادفه مع متصفحين ويجعلهم في دوّامة المحتوى الكثيف، ودون شعور صرنا ندعم المحتوى التافه بجعله يتصدر المشهد! إن الدماغ يتأثر بالنمو والتعلّم والتجارب التي يمر بها الفرد، وإذا تقلصت هذه التجارب تبدأ الأجزاء غير المستخدمة في الدماغ بالتقلّص، ما يؤدي إلى تراجع في النواقل العصبية، وهذا مؤشر خطر، لأن زيادة مساحة الرفاهية والترفيه الدائم مؤشر هلاك للعقول وإتلافها و...تعفّنها! نحن نحتاج إلى إعادة تعريف الدهشة من جديد، تلك الدهشة المختبئة بين الكتب، وعبر الألوان، وفي تفاصيل اللوحات، ومن خلال النباتات، والتأمل في ملكوت السماوات والأرض، والتماعة النجوم واكتمال القمر وشروق الشمس والبحث عن خلايا النحل وطوابير النمل وأعشاش الطيور وزرقة البحر و رحلة الحيتان وسدود القنادس وصهيل الخيول وصياح الديك وابتسامات الأطفال وحوار الشيوخ ولغة الحكمة المتأصلة في خبرات السنين والتجارب عبر من عاش قبل الترند واستمتع باكتشاف الدهشة التي غابت، وعاش في أوكارها زمنًا قبل ظهور الترند. نحتاج إلى العودة لمسار العقل الإنساني والإدراك الواعي، ولرسالة البشر في بناء الأرض وإعمارها إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، وإلى ذلك الحين... لنعد إلى ذلك الدماغ الذي أنهكناه، ولنتأنّى في انتقاء ما نريد من مواكبة ومتابعة، وليكن لنا أثرًا وتأثيرًا يُعيد للإنسان رشده وللدهشة بريقها.