فيلم The Good Nurse ..

حين يصبح الصمت شريكاً.

نحب أن نتخيل الشر واضحًا. له وجه نستطيع أن نكرهه، ونظرة تجعلنا نحذر منه، وموسيقى مخيفة تسبقه كما يحدث في الأفلام. لكن ماذا لو كان الشر مهذبًا؟ ماذا لو جاءك يحمل الطعام، وساعدك حين مرضت، واهتم بطفلتيك، وغطّى نوبة عملك حين عجزت عن إكمالها؟ ماذا لو شعرت بالأمان إلى جواره؟ هذا تقريبًا ما فعله بي فيلم The Good Nurse. دخلته وأنا أعرف أنه مبني على قصة حقيقية عن ممرض قتل عددًا من مرضاه، وخرجت منه أقل انشغالًا بالقاتل نفسه، وأكثر انشغالًا بسؤال آخر: كم شخصًا يحتاج الشر كي يستمر؟ الفيلم، الذي أخرجه توبياس ليندهولم عام 2022، يستند إلى قصة الممرض الأمريكي تشارلز كولن، الذي تنقل بين عدد من المستشفيات، وقتل مرضى كان يفترض أن يكون واحدًا ممن يحرسون حياتهم. المريض في سرير المستشفى كائن أعزل تقريبًا، يسلم جسده للآخرين، ويأخذ الدواء الذي يقدم إليه مطمئنًا إلى أن اليد التي تقترب منه جاءت لتخفف ألمه. فماذا يحدث حين تتحول يد الرعاية نفسها إلى مصدر للخطر؟ كان يمكن أن يُصنع من هذه الحكاية فيلم صاخب: قاتل متسلسل، ضحايا، مطاردات، وموسيقى تخبرنا متى نخاف. لكنه لم يفعل، وهذا مما أحببته فيه. فتشارلي في معظم الوقت رجل هادئ، لطيف، متعاون. يدخل حياة زميلته الممرضة إيمي، التي تعاني مرضًا في القلب، فيصبح سندًا لها، ويقترب من أسرتها وطفلتيها. الفيلم يجعلنا نطمئن إليه قبل أن يطلب منا أن نخاف منه. وإيمي ليست بطلة بالمعنى الذي تحبه السينما عادة. هي نفسها مريضة، وتعمل رغم حاجتها إلى العلاج لأنها تنتظر استحقاق التأمين الصحي. ثم تكتشف بالتدريج أن الرجل الذي أحسن إليها هو نفسه المشتبه في قتله المرضى. وتخيلت قسوة هذا الاكتشاف: أن تكتشف الشر في عدو شيء، وأن تكتشفه في إنسان أحسن إليك شيء آخر تمامًا. هل كان لطفه كذبًا؟ هل كانت عنايته تمثيلًا؟ ماذا عن طفلتيّ؟ والفيلم لا يقدم إجابة مريحة؛ فربما كان تشارلي قادرًا فعلًا على الرحمة بإيمي، وقادرًا في الوقت نفسه على فعل ما فعله بالمرضى. نحن نحب تقسيم البشر إلى أخيار وأشرار لأن ذلك يريحنا، لكن الإنسان لا يأتي دائمًا بهذه البساطة. وهذا لا يبرر الشر، بل يجعله أصعب في الاكتشاف. ومع تقدم الفيلم، بدأت أشعر أن تشارلي ليس المتهم الوحيد الذي يريدني الفيلم أن أنظر إليه. هناك المستشفى أيضًا. وهناك مستشفيات سبقته. تظهر إشارات، وتتحرك شكوك، وتصبح المعلومات نفسها موضع حذر وتردد، بما يكفي لأن يظل السؤال حاضرًا: ماذا يحدث هنا؟ لكن المؤسسات، مثل البشر، تخاف الفضيحة والمسؤولية القانونية، وتخشى الاعتراف بأن شيئًا رهيبًا وقع تحت سقفها. وأحيانًا يبدو نقل المشكلة إلى مكان آخر ــ بدل مواجهتها ــ الحل الأسهل. وهنا لا يعود الصمت غيابًا للفعل، بل يصبح هو الفعل نفسه: قرارًا مؤسسيًا متكررًا بأن السمعة أهم من التحقيق. ويبقى السؤال الذي ننتظره في أفلام كهذه: لماذا كان تشارلي يقتل هؤلاء الناس؟ واللافت أن الفيلم لا يمنحنا جوابًا شافيًا؛ لا طفولة تعيسة، ولا عقدة نفسية جاهزة، ولا خطابًا طويلًا يجعلنا نقول: الآن فهمنا. وربما كان ذلك أكثر إخافة؛ فنحن نحب الأسباب لأنها تطمئننا، فإذا عرفنا لماذا أصبح الوحش وحشًا وضعناه في صندوق وأغلقناه. أما أن يبقى أمامك إنسان يستطيع أن يكون لطيفًا مع زميلته وطفلتيها، ثم يسلب مرضى لا يعرفهم حياتهم من غير أن يمنحك سببًا تتكئ عليه، فذلك أصعب بكثير. وحين تسأله إيمي لماذا فعل ذلك، تأتي إجابته ببساطة مرعبة: «لأنهم لم يمنعوني». لكنني لا أعتقد أن هذه إجابة عن السؤال الأول؛ هي لا تخبرنا لماذا بدأ، بل تخبرنا بشيء ربما كان أخطر: كيف استطاع أن يستمر؟ نحن نتصور أن الشر يحتاج إلى أشرار كثيرين. ليس دائمًا. أحيانًا يحتاج إلى شرير واحد، وإلى عدد كافٍ من الناس الذين يقولون: ليس شأني، دع غيري يتصرف، لا أريد مشكلة. وقد لا يكون هؤلاء أشرارًا أصلًا، لكن النتيجة لا تسأل كثيرًا عن النيات. والغريب أن هذه الفكرة قيلت في ثقافتنا قبل قرون بعبارة أشد حسمًا. يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه، أوشك أن يعمهم الله بعقاب منه». توقفت عند عبارة «يأخذوا على يديه»؛ فليس المطلوب فقط ألا تكون ظالمًا، ثمة لحظة يصبح فيها منع الظلم مسؤولية أيضًا. وهذا يضيء معنى الحديث الآخر: «انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا»، فنصر الظالم ــ كما بيّن النبي صلى الله عليه وسلم ــ يكون بمنعه من الظلم. وهنا عادت إليّ جملة تشارلي: «لأنهم لم يمنعوني». على اختلاف السياق والزمن، الفعل نفسه: أن تمنع. فبعض الشرور لا تكبر لأنها خفية، بل لأنها لم تجد في الوقت المناسب يدًا توقفها. ثم يأتي مشهد أراه قلب الفيلم. تفشل القسوة في انتزاع اعتراف تشارلي، فتدخل إيمي، تجلس إلى جواره، وتغطيه، وتحدثه من المنطقة التي عرفته منها قبل أن تعرف جرائمه: منطقة الإنسان. وعندها يبدأ في الكلام. ليس لأن الفيلم يقول إن الرحمة تمحو الشر ــ سيكون ذلك تبسيطًا سخيفًا لحكاية مرعبة ــ لكن إيمي فعلت شيئًا مختلفًا: المحققون كانوا يتحدثون إلى القاتل، وهي تحدثت إلى تشارلي. فالفهم ليس تبريرًا، والرحمة ليست براءة. وهذه مسافة دقيقة جدًا، أعجبني أن الفيلم استطاع الوقوف عليها. ولعل هذا يعيدنا إلى عنوانه: The Good Nurse. من هو «الممرض الصالح»؟ في البداية قد نظن أنه تشارلي، الرجل الذي يساند زميلته المريضة. ثم وجدتني، شيئًا فشيئًا، أقرأ العنوان على أنه يشير إلى إيمي. فالاثنان يرتديان الزي نفسه، ويقتربان من البشر في أشد لحظاتهم ضعفًا، لكن أحدهما استغل ذلك الضعف، والأخرى حمته. وقبل أن يتركنا الفيلم، يكشف حجم المأساة الحقيقي: أقر تشارلز كولن بقتل 29 مريضًا، لكن الفيلم يخبرنا أن العدد الحقيقي لضحاياه ربما يصل إلى 400 إنسان. وعند هذا الرقم يصبح سؤال «كيف استمر؟» أكثر رعبًا من سؤال «لماذا بدأ؟». ثم يضع أمامنا رقمًا آخر جعلني أعيد قراءته: لن يكون كولن مؤهلًا للإفراج المشروط قبل عام 2403. نعم، 2403! ابتسمت لغرابة الرقم، لكن الفيلم لم يترك لي الابتسامة طويلًا؛ فهو يخبرنا أنه عمل ممرضًا ستة عشر عامًا، وأن معظم المستشفيات التي عمل فيها كانت لديها شكوك حوله لكنها لم توقفه. ثم تأتي العبارة الأثقل: لم تُتخذ إجراءات جنائية ضد أي من تلك المستشفيات. وهنا اختفت طرافة الرقم. فرجل امتدت عقوبته على الورق حتى القرن الخامس والعشرين، مقابل مؤسسات مرّ بينها طوال ستة عشر عامًا من دون أن تُساءل جنائيًا. ولا يعني ذلك أنها ارتكبت جرائمه، ولا ينتقص شيئًا من مسؤوليته الكاملة، لكنه يترك السؤال مفتوحًا: متى يصبح عدم منع الشر جزءًا من الحكاية؟ وعادت مرة أخرى جملته: «لأنهم لم يمنعوني». أما إيمي، فلم يمنحها الفيلم منصة تقف عليها بوصفها بطلة؛ عادت إلى بيتها وابنتها وحياتها العادية. امرأة مريضة ومتعبة وجدت نفسها أمام لحظة كان يمكن أن تنظر فيها إلى الناحية الأخرى، ولم تفعل. خرجت من The Good Nurse أقل خوفًا من تشارلز كولن نفسه، وأكثر خوفًا من تلك المسافة الصغيرة التي تفصل أحيانًا بين أن نرى شيئًا خاطئًا وأن نقول: ليس شأني. فالشر لا ينتصر دائمًا لأنه أقوى؛ أحيانًا ينتصر لأن الخير متردد، وأحيانًا لا يحتاج إلى من يساعده أصلًا. يكفيه أن يجد من يعرف... ويصمت.