عن الفيديو الترويجي للشاعرة حوراء الهميلي..

ولادة جديدة للشعر..

أعجبتني قصيدة مصورة للشاعرة حوراء الهميلي نشرتها على حسابها وكانت عبارة عن فيديو ترويجي لديوانها: وصحوت للأحلام رائحة. لم نعتد على القصيدة الفصحى أن تخرج بهذا القالب تعودناها على المنابر فقط. أعجبتني في هذه الممارسة الرائعة عدة أمور منها أنها فتحت بابا جديدا لجمهور جديد لا يحب أن يسمع الشعر ولكن يحب أن يشاهده. الأمر الثاني أن الشاعرة كانت نفسها من ضمن الكادر الذي أدى القصيدة أداء حيا وهذا يحسب لها حيث أنها أنزلت الشاعر من برجه العاجي وجعلته يتماهى مع القصيدة. الأمر الثالث أن هذا تجريب وتجديد وكسر للأنماط القديمة للقصيدة الفصحى وهذا ليس بجديد لأن فيه من روح الشعر الغربي الذين يسمونه (slam poetry). وأول ما عرفت هذا الفن حينما كنت محكما في مسابقة (SCHOOLS SLAM COMPETITION) التي كانت في مهرجان الشعر الإفريقي في جنوب إفريقيا العام الماضي ورأيت قصائد عظيمة من طلاب المدارس الذين كانوا يؤدون القصائد على المسرح مستعينين بأدوات مثل الكراسي والدمى والأصدقاء من أجل أن القصائد عندهم تكون أشبه بالمسرحية فهي أداء وتمثيل أكثر من كونها إلقاء فحسب. نحتاج أمثلة أكثر وتجريب أكثر مثلما فعلت الأستاذة حوراء حتى نستطيع نقل الشعر العربي إلى فضاءات أوسع. ومن الأمور الجميلة أيضا التي رأيتها هي ما فعلته الأستاذة/ مريم وهي متخصصة في لغة الإشارة أنها تشرح قصيدة نبطية بلغة الإشارة في حسابها في التيك توك. فعل الأستاذة مريم هو فعل جليل لنشر الشعر عن طريق لغة الإشارة ولا أراني أبعدت النجعة إن قلت أن هذا الفعل هو نوع من أنواع الترجمة الأدبية والذي تشكر عليه الأستاذة مريم لأنها بهذه الترجمة وسعت رقعة الجمهور الخاص بالشعر عموما وأوصلته إلى شريحة جديدة وهذا هو المطلوب دائما: أن يصل الشعر بكل أبعاده وجمالياته إلى أوسع فضاء ممكن وأعتقد أن هذه هي الغاية من النشر؛ لأن النشر=الانتشار. ولعل ما يبهج في كل هذه المحاولات هو اتساع الفهم الحقيقي لأهمية الشعر في حياتنا وأنه يجب أن يصل إلى الجميع بكل أشكاله وأنواعه ووسائطه؛ لأنه لطالما شكونا من غربة الشعر وعزلته في بطون الكتب وأروقة الندوات التي لا يرتداها إلا النخبة وكأنما كتب على القصيدة أن تكون محنطة على أفواه الميكرفونات أو مخفية في ممرات المكتبات. حينما تتحول القصيدة إلى مشهد حي وإلى لغة الإشارة فإننا نبث في القصيدة الحياة مرة أخرى. كل محاولة تخرج القصيدة من قوالبها الجامدة نحو فضاءات جديدة تفتح بابا للأمل بأن الشعر لم يمت وأنه قادر على التنفس والتكيف في بيئات جديدة سواء عبر فيديو بصري أو مشهد تمثيلي أو حتى بلغة الإشارة. إن ما رأيناه من تجارب حوراء ومريم وغيرهما يجب أن يُحتفى به كمؤشر على تحوّل أكبر في المشهد الشعري العربي، تحولا يعيد القصيدة إلى مكانها الطبيعي: بين الناس لا في الأمسيات فقط. والجميل في كل ذلك أن هذا التحول يمنح القصيدة فرصة للبقاء والاستمرار.