ماذا قدم المسرح المحلي للمرأة السعودية؟
تعد تجربة المرأة السعودية في المسرح مثالًا على الفارق بين الحضور والقدرة على التعبير والتجسيد على خشبة المسرح، فقد سبقت الكتابة المسرحية النسائية ظهور المرأة السعودية بصورة منتظمة على الخشبة؛ فتاريخ المسرح السعودي أثبت أسماء عدد من الكاتبات اللاتي أسهمن في المجال المسرحي منذ بدايات الحركة المسرحية و الأدبية في المملكة من بينهن هند باغفار، ورجاء عالم، ووفاء طيب، وكوثر الميمان وغيرهن الكثير فقد قدمن نموذجًا لافتًا في الإنتاج المسرحي رغم الظروف الاجتماعية التي رافقت المسرح و ممارسة المرأة لحقها الثقافي، هذه الفترات مثبته تاريخياً فقد كانت المرأة قريبة من خشبة المسرح السعودي بجميع فتراته التاريخية. ثم جاءت الرؤية المباركة ٢٠٣٠م التي أسهمت في صناعة التحولات الثقافية والمؤسسية التي مكنت المرأة السعودية من حقها الثقافي، من خلال السماح لها بالمشاركة في العروض المسرحية العامة، كذلك من خلال البرامج التدريبية واستقطاب المواهب والمبادرات التي تهدف إلى تمكن المرأة السعودية من خوض غمار التجربة الفنية. وهنا يتحول السؤال النقدي من هل يسمح لها أو لا؟ إلى هل أُتيح لها أن تقول ما تريد على خشبة المسرح السعودي؟ إن الفرق بين السؤالين جوهري ومهم جداً، فتواجد المرأة السعودية على الخشبة المسرحية بكل تأكيد يمثل تحولًاً تاريخيًا ومؤسسيًا مهمًا، ولكن التحول الفني الأعمق يبدأ عندما تصبح المرأة السعودية طرفًا فاعلًاً في بناء السؤال المسرحي، لا مجرد حضور جديد لا يشكل أثراً في العرض المسرحي، فالمطلوب ليس فقط اشتراط تواجدها في العروض المسرحية ثم إقحام دورها لاحقاً، وإنما إعادة النظر في موقعها داخل بنية النص والعرض والتلقي. وعليه يمكن مساءلة تجربة المرأة السعودية على خشبة المسرح من خلال طرح الأسئلة: هل كتبت المرأة السعودية عن أسئلتها الخاصة، أم ظلت أسئلتها مصاغة من منظور ذكوري؟ وهل مُنحت شخصيات مركبة، لها رغباتها وتناقضاتها وقدرتها على الفعل؟ وهل كانت المرأة السعودية بطلة للصراع المسرحي، أو مجرد عنصر وظيفي في حبكته؟ أو أقل من ذلك؟ وهل أدت شخصية تتعارض مع الصورة الاجتماعية المألوفة للمرأة السعودية؟ ثم كيف أستقبل الجمهور هذه الشخصية: هل كشخصية درامية مستقلة، أم بوصفها أولًاً وقبل كل شيء امرأة سعودية على المسرح؟ و نؤكد أن هذه الأسئلة أكثر أهمية من الاحتفال فقط بمجرد الصعود إلى الخشبة؛ فالتمكين المسرحي الحقيقي المؤثر لا يتحقق حين تُفتح الخشبة أمام المرأة السعودية فقط، بل حين تُفتح كذلك أمام رؤيتها الخاصة، ولغتها صمتاً وإيقاعاً وفي لهجتها وحركة جسدها، وذاكرتها التي تتخذ صوراً متعددة في المكان والتحولات الاجتماعية والمنع والانتظار، وأسئلتها التي تسوغها بنفسها وبكامل توجهاتها، وقدرتها على مقاومة الصور الجاهزة التي هي قوالب تختزل المرأة في صفات محدد لا تحقق تعقيدات إنسانية وتناقضات وفي حقها في الخطأ والتردد والتفاوض. فقد ظهرت نماذج مسرحية تجسد صورة المرأة السعودية بشكل مختزل في أدوار سطحية، مثل الزوجة التي لا تعي مسؤولياتها الأسرية، أو المرأة التي تنساق وراء الثقافات دخيلة من دون وعي أو قدرة على التمييز بين ما يناسبها أو لا يناسبها. ولا يعني ذلك أن هذه الصور لا وجود لها في الواقع الاجتماعي، فالانفتاح الثقافي قد وضع المرأة فعلًاً أمام صراعات معقدة بين الرغبة في تحقيق ذاتها، والالتزامات الأسرية التي تربت على تقديمها، والتفاعل الثقافي المتعدد، ولكن المشكلة تكمن في أن هذه الأعمال لا تحول هذه الظواهر الاجتماعية الواقعية إلى شخصيات درامية مركبة، إنما تقدمها في صورة أحكام جاهزة أو نماذج سلوكية مختزلة. فالشخصية النسائية التي تُقدَّم بوصفها زوجة مهملة أو امرأة منبهرة بكل ما يأتي من الخارج من ثقافات متعددة دون وعي، تحتاج إلى بناء درامي يفسر دوافعها وتناقضاتها النفسية والاجتماعية ومسار تحولها، فتبنى أسئلة حول الشخصية مثل: هل ترفض المرأة الدور الأسري المفروض عليها؟ هل تدرك خطأها وبالتالي تسعى إلى تغييره؟ ما الأسباب التي تدفعها لذلك وتفهم مباشرة من التجسيد الحي على الخشبة أو من خلال ما يفهمه المتلقي؟ ما سبب عدم الوعي بثقافة التلقي للثقافات الأخرى لدى الشخصية؟، أما أن تجسد لتأكيد حكم أخلاقي مسبق، فإنها تفقد استقلالها الفني وتتحول إلى أداة خطابية في مرافعة اجتماعية، فيصبح حينها المسرح أقرب إلى إعادة إنتاج الصورة النمطية للمرأة منه إلى مساءلتها درامياً. أخيراً، يجب أن يعاد النظر فيما يقدمه المسرح السعودي عن المرأة السعودي، بما يضمن انتقالها من موقع يُتحدث عنه إلى موقع الذات التي تتكلم وتفكر وتختار مسارها، فإتاحة الخشبة لها لا تكتمل إلا بإتاحة الصوت والصوت لا يكتمل إلا حينما تصبح المرأة السعودية شريكاً حقيقياً في إنتاج السؤال المسرحي، وليس حضور جسدي ضعيف على خشبة المسرح. *ماجستير في الأدب المسرحي.