الموسيقى بين العنصرية والعنف والحب ...!
لا تعرف الموسيقى لونًا للوجه، ولا تسأل الإنسان عن اسمه أو أصله قبل أن تمنحه نغمة، إنها واحدة من الأشياء القليلة التي تستطيع أن تعبر الحدود دون جواز سفر، وأن تدخل قلب الغريب قبل أن تعرف لغته، ومع ذلك، حتى الموسيقى لم تنجُ من العنصرية، فالإنسان الذي اخترع الألحان ليهزم المسافات، اخترع أيضاً أبواباً تمنع بعض الناس من الوصول إليها. ليست العنصرية في الموسيقى مجرد أن يُمنع فنان بسبب لون بشرته أو أصله، إنها أعمق من ذلك، تبدأ أحياناً من سؤال يبدو بريئاً: من يملك الحق في أن يصنع الموسيقى؟ ومن يحق له أن يتعلمها؟ ومن يستطيع أن يقف على المسرح؟ ومن يملك المال ليحوّل موهبته إلى مهنة؟ قد يولد طفل في حي فقير، يحمل في أصابعه موهبة موسيقية لا تقل عن موهبة أعظم العازفين، لكنه لا يجد آلة يتعلم عليها، ولا مدرسة موسيقية تفتح له باباً، ولا أسرة تستطيع تحمل تكلفة الدروس، وفي مكان آخر، يولد طفل آخر في بيت ميسور، فتكون الموسيقى جزءاً من طفولته مثل الطعام والكتب، كلاهما يملك الموهبة، لكن الحياة لا تمنحهما الفرصة نفسها، وهنا تصبح الموسيقى مرآة للمجتمع، فهي تكشف لنا أن المساواة ليست أن نقول للناس: «لديكم جميعاً الحق في الحلم»، ثم نترك بعضهم بلا طريق إلى الحلم، حتى الأذواق الموسيقية قد تتحول إلى طبقات اجتماعية غير معلنة، فنحن لا نستمع إلى الموسيقى فقط، إنما نحمل معها أحكاماً عن صاحبها، نرفع نوعاً من الموسيقى إلى مرتبة «الفن الراقي»، وننظر إلى نوع آخر بوصفه أقل قيمة، وربما نربط موسيقى معينة بفئة أو عرق أو طبقة اجتماعية، وهكذا تتحول الأذن، التي كان يفترض أن تكون مساحة للحرية، إلى مكان آخر تمارس فيه الأحكام المسبقة سلطتها، والأغرب أن التاريخ نفسه كثيراً ما يعيد توزيع الفضل بطريقة غير عادلة، قد يولد اللحن في مكان، ثم ينتقل إلى مكان آخر، فيصبح صاحبه الجديد أكثر شهرة وثراءً من صاحبه الأول، وقد تُسرق أصوات المهمشين، ثم تُعاد صياغتها في مؤسسات أكثر قوة، فيصبح من يملك المنصة هو من يملك الرواية أيضاً، لكن الموسيقى، رغم كل ذلك، تظل أكثر إنصافاً من البشر. فحين يبدأ العازف بالعزف، لا تسأل النغمة عن لون يده، وحين تغني امرأة من بلد بعيد، لا تحتاج الأغنية إلى مترجم كي تصل إلى قلب شخص في الجهة الأخرى من العالم، وحين يجلس أشخاص مختلفون حول لحن واحد، يحدث شيء يشبه المعجزة: تسقط للحظات الحدود التي أقامها البشر بينهم، ربما لهذا تخاف الأنظمة المغلقة من الموسيقى أحياناً لأنها تمنح الإنسان لغة لا تستطيع السلطة احتكارها بسهولة، الأغنية يمكن أن تصبح ذاكرة، واللحن يمكن أن يتحول إلى احتجاج، والصوت الذي يحاولون إسكاته قد يجد طريقه إلى آلاف الحناجر،فالموسيقى في جوهرها تقول لنا شيئاً بسيطاً وعميقاً: نحن مختلفون في أصواتنا، لكننا قادرون على أن نصنع منها لحناً واحداً، ولهذا فإن محاربة العنصرية في الموسيقى لا تعني فقط حماية الفنان من التمييز، إنما تعني أن نعيد النظر في الطريق كله: في التعليم، والفرص، والمنصات، والتمويل، والاعتراف، وفيمن نسمح له بأن يُسمع صوته، فالعدالة الموسيقية ليست أن نجعل الجميع يغنون الأغنية نفسها، وإنما أن نمنح الجميع فرصة عادلة ليغنوا أغنيتهم، فالإنسان حين عجز عن تفسير خوفه، غنّى، وحين ضاق بالحزن، صنع لحناً، وحين أراد أن يتذكر، ترك صوته في أغنية، لكن المفارقة أن الشيء نفسه الذي يستطيع أن يهدّئ القلب، يمكن أن يُستخدم لإشعاله، فالموسيقى ليست بريئة دائماً من العنف، لكنها أيضاً ليست مسؤولة عنه وحدها، هي أداة، وقد تكون الأداة مرآةً للعنف، أو وسيلةً للتحريض عليه، أو حتى طريقةً لمقاومته،فمنذ القدم، عرف البشر قيمة الموسيقى في تحريك الجماعات، كانت الطبول تُقرع قبل المعارك، وفي الحروب الحديثة، لم تختفِ هذه الفكرة، ولكن تغير شكلها، أصبحت الأغنية الوطنية وسيلة لبناء الانتماء، وهذا في ذاته ليس أمراً سلبياً، لكن الخطر يبدأ حين تتحول إلى خطاب يقسم العالم إلى «نحن» و»هم»، ويجعل الآخر أقل إنسانية، عندها لا تعود الأغنية مجرد لحن، تصبح جزءاً من آلة التعبئة النفسية، وفي بعض المجتمعات، ظهرت أغانٍ مرتبطة بالعصابات والجريمة، تصف القوة بالسلاح، وتمنح العنف صورة من صور الهيبة والنجاح، هنا أصبحت الأغنية مرآة لواقع اجتماعي مضطرب، لكنها قد تتحول أيضاً إلى وسيلة لتطبيع هذا الواقع، خصوصاً حين يصل الخطاب إلى الأطفال والمراهقين الذين يبحثون عن نموذج للقوة والانتماء، ومن الأمثلة المعاصرة ما يظهر في بعض أنماط موسيقى العصابات والراب، فبعض الأغاني تروي حياة الشارع والعنف والمخدرات والجريمة بوصفها تجربة عاشها صاحبها، بينما تذهب أغنيات أخرى إلى تمجيد هذه الأشياء، والفرق بين الاثنين مهم جداً: أن تحكي عن العنف ليس هو أن تدعو إليه، وفي عام 2022، حظرت جامايكا الموسيقى التي تشير إلى الجريمة والعنف والمخدرات، وهذا ادى الى تقييد الغالبية العظمى من الموسيقى الشعبية في البلاد ، هذا تقييد للابداع ، الحظر له وجه سلبي وايجابي بنفس الوقت ودون وضع حلول قبل التقييد لا يمكن أن يكون التقييد عادل ، وهنا ينبغي أن نكون أكثر عدلاً مع الموسيقى، فليس كل لحن صاخب دعوة إلى العنف، وليس كل كلمات عن الجريمة تحريضاً عليها، أحياناً تكون الموسيقى مجرد اعتراف اجتماعي بما يحدث في الشوارع، وربما تكون طريقة لشاب كي يقول: «هذا هو العالم الذي عشت فيه». وفي المقابل، استخدمت الموسيقى في الاتجاه المعاكس تماماً، فقد كانت أغاني الاحتجاج في كثير من المجتمعات صوتاً لمن لا يملكون منبراً، الأغنية يمكن أن تكون مقاومة للظلم، وأن تمنح المقهورين لغة يتحدثون بها حين تعجز الخطب والبيانات، وهنا يتحول الصوت من أداة للتحريض على العنف إلى أداة لمقاومته، حتى في السجون والحروب، يمكن للموسيقى أن تكون وسيلة للبقاء النفسي، ولعل أكثر ما يدعو إلى التأمل أن العنف لا يبدأ دائماً بالرصاصة، أحياناً يبدأ بالكلمة، ثم بالصورة، ثم بالأغنية التي تكرر الفكرة حتى تصبح مألوفة، وحين يصبح العنف مألوفاً في الخيال، يصبح انتقاله إلى الواقع أقل صعوبة. لكن الموسيقى تملك الوجه الآخر أيضاً: أن تجعل الإنسان يرى في الآخر نفسه، أن يسمع حزن شعب لا يعرفه، وفرح إنسان لا يشبهه، وأن يكتشف أن القلب، مهما اختلفت اللغات والألوان والأوطان، له إيقاع واحد. لذلك ربما لا يكون السؤال: هل الموسيقى عنيفة؟ لكن السؤال الأعمق: ماذا يفعل الإنسان بالموسيقى حين يريد أن يغيّر الإنسان الآخر؟ فهناك من يستخدمها ليحرض، وهناك من يستخدمها ليقاوم، وهناك من يستخدمها فقط كي ينجو من قسوة العالم، وفي النهاية، تظل الموسيقى واحدة من أكثر الأشياء التي تكشف طبيعتنا البشرية، فهي تستطيع أن ترافق الحرب، لكنها تستطيع أيضاً أن تجعلنا نحلم بعالم لا نحتاج فيه إلى الحرب. * أديبة وروائية ومستشار ثقافي