إمبراطورية “دنيا زاد” المنسية.
تثير المقارنة بين شهرزاد وأختها دنيا زاد الاهتمام من زاويتين هما الشهرة والتاريخ الأدبي. فقد أصبحت شهرزاد واحدة من أشهر شخصيات ألف ليلة وليلة، بل تجاوز اسمها حدود الكتاب نفسه ليغدو رمزا للحكاية والسرد والقدرة على النجاة بالكلام. أما دنيا زاد، التي تشارك أختها في المشهد التأسيسي للحكي، فقد بقيت شخصية أقل شهرة، وحضورها في الذاكرة الثقافية والأدبية محدودا إذا ما قورن بحضور شهرزاد. تكسف هذه المفارقة عن اختلاف مصير الشخصيتين في التاريخ الأدبي. فقد خرجت شهرزاد من حدود الكتاب لتصبح شخصية يعاد استدعاؤها وتأويلها في الأدب والفنون، بينما ظلت دنيا زاد، في معظم الأحيان، مرتبطة بوظيفتها داخل الكتاب، بوصفها الأخت التي تستمع وتطلب استمرار السرد. ومن هنا يمكن أن تطرح المقارنة سؤالًا عن الكيفية التي استأثرت بها شهرزاد بالشهرة والمكانة في التاريخ الأدبي، في حين بقيت دنيا زاد في ظلها، على الرغم من مشاركتها في تأسيس الوضع السردي الذي تنبني عليه الليالي. تكتمل هذه المفارقة إذا توقفنا عند السؤال المتعلق بمكان دنيا زاد. هي موجودة منذ اللحظة الأولى من حكي شهرزاد، لكنها موجودة في موضع لا يلفت النظر: تحت السرير، أي في أسفل المشهد، في الهامش المكاني الذي لا يحتل مركز الصورة. ومع ذلك فهي في قلب التدبير. لم تكن بعيدة عن الحكاية، بل مختبئة في المكان الذي منه ستولد الحكاية. وبهذه المفارقة يمكن أن نبدأ بإنصاف دنيا زاد الحاضرة حيث ينبغي للحكاية أن تبدأ، والغائبة حين بدأت الذاكرة الأدبية في رسم بطولتها. فإذا كانت شهرزاد تقف في مواجهة شهريار، فإن دنيا زاد تقف بين حكاية شهرزاد وشهريار. فهي التي تطلب من أختها أن تحدثها، وهي التي تستمع، وهي التي تعلن أثر ما سمعت، ثم تفتح الطريق إلى الحكاية التالية بتعجبها. لم يكن وجود دنيا زاد وجود شخصية إضافية أو ثانوية إلى جانب شهرزاد، بل وجود الطرف الذي يجعل فعل الحكي علاقة. فشهرزاد تستطيع أن تحكي وحدها، لكنها لا تستطيع أن تجعل الحكي حدثا إلا إذا كان هناك من يطلبه ويصغي إليه ويتأثر به. ظهرت في لحظة فاصلة، في الليلة الأولى ثم انسحبت عندما بدأت الحكايات كما لو أن وظيفتها هي فتح الباب ثم الوقوف عند عتبته. غير أن هذه الوظيفة، على هامشيتها شديدة الأهمية؛ فهي تحفظ الإطار من الانقطاع. فكلما خرجت شهرزاد إلى عالم من العجائب والغرائب، بقيت دنيا زاد في الخلفية بوصفها الشاهد على أن ما نسمعه حكاية تُروى. لعل أحد أسباب نسيان دنيا زاد أن الأدب يميل إلى تذكر من يصنع الأحداث، بينما ينسى من يصنع شروط ظهورها. فشهرزاد مثلا شخصية قابلة لأن تُروى عنها حكاية؛ فهي امرأة تواجه ملكا، وتستعمل الذكاء والخيال لتنجو. أما دنيا زاد فعملها أكثر خفاء؛ فهي لا تقتل ولا تهرب ولا تخدع، وإنما تطلب وتسمع وتتعجب. وهذه تبدو أفعالا صغيرة إذا ما قورنت بأفعال البطولة، لكنها في الحكي الشفهي ليست صغيرة على الإطلاق. فالراوي يحتاج إلى مستمع لكي يختبر أثر صوته، ويحتاج إلى استجابة لكي يستمر. هنا سأفتح قوسا سنعرف فائدته بعد إغلاقه، والعودة إلى شهرزاد ودنيا زاد. فقد أصدرت كتابا (ألف ليلة وليلة، الحياة الأخرى للإمبراطورية العربية) فكرته هي أن حكايات الليالي واكبت تقلبات الزمن العربي. فقد نشأت في القرن التاسع الميلادي الذي شهد تصدّع الإمبراطورية العربية. ثم نضجت في القرن الثاني عشر الذي ارتبط بانهيارها، وربما ألقي التتار الذين اجتاحوا عاصمتها بغداد بعضا من نسخها في نهر دجلة إن حدث ذلك فعلا. ثم جُمعت وطُبعت وهُذّبت وعُدّلت وصُحّحت وتوقف نموها في القرن التاسع عشر الذي تلاشت فيه مملكة الإسلام وامبراطوريته العربية؛ بعد أن رزحت أرضها تحت الاستعمار. وفق هذا السيناريو بنيت في ذلك الكتاب تصورا للتاريخ عند نهاية التاريخ العربي. وكوّنت تصورا تاريخيا وثقافيا فكرته الأساسية هي العلاقة بين أفول الإمبراطورية العربية وبين حكايات ألف ليلة وليلة؛ ففي كل حكاية تقريبا نجد إشارات إلى الإمبراطورية العربية. فقد شكلت هذه الإمبراطورية إطار الحكايات المكاني، واستحضرت خلفاءها العظام كهارون الرشيد وأبي جعفر المنصور والمأمون الذين يفتحون البلاد، ويهدون العباد الذهب والفضة، ويكاتبون الملوك ويستقبلونهم. هناك أقاليم كالعراق والشام ومصر وخراسان، ومدن كدمشق وبغداد والبصرة والقدس والقاهرة، ونصوص مؤسسة كالقرآن والحديث، وشخصيات رمزية، وعلماء دين كالشافعي وأبي حنيفة وأطباء كابن سينا. كذلك ارتبطت حكايات الليالي بحقول الإمبراطورية العلمية كالجغرافيا الإمبراطورية وبالجغرافيين الذين ألفوها، وبالموظفين والعمال والتجار والمسافرين. لم يكن هذا السيناريو بلا فائدة؛ فبمعونته أعدنا قراءة حكايات ألف ليلة وليلة في ذلك الكتاب على أنها إمبراطورية الخيال التي عوضت إمبراطورية الواقع، وأنها التاريخ الشعبي عند نهاية التاريخ النخبوي. فهناك ممر بين اليأس العربي وبين فقدان الأمل في أن يعود التاريخ ممرا تعبره حكايات الليالي. لذلك مزجت تاريخ الإمبراطورية بخيال الحكاية. وفككت مكوّناتها كألوان شعاع لتصبغ حكايات ألف ليلة وليلة. لكن شهرزاد وأختها دنيا زاد تسمحان ببناء مجاز إمبراطوري تمثل فيه شهرزاد القدرة على إنتاج إمبراطورية الخيال، بينما تمثل دنيا زاد المتلقي الذي يعترف بهذه الإمبراطورية ويمنحها شرعيتها، أما شهريار فيمثل السلطة الواقعية التي تجد نفسها مضطرة إلى الدخول فيها. ويمكن تشبيه دنيا زاد، من هذه الزاوية، بالإمبراطورية العربية المنسية. فهي حاضرة في التكوين، ومؤثرة في قيام البنية، لكنها غائبة نسبيا عن الذاكرة التي حفظت مركزها وفاعليتها. فكما طغت فيما بعد صورٌ على حضور الإمبراطورية العربية في التاريخ المتداول، طغت شهرزاد على أختها في الذاكرة الأدبية؛ إذ احتفظت بالرمز والشهرة، بينما تراجعت أختها إلى موقع منسى، رغم أن وجودها جزء من الشرط الذي جعل الحكاية ممكنة واستمرارها ممكنا. يبدأ الشبه بين دنيا زاد وبين الإمبراطورية العربية هنا فكلاهما يعاني من مشكلة النسيان على مستوى القراءة والذاكرة. فالإمبراطورية العربية التي ملأت جغرافيا نصف العالم تقريبا بالسلطة والمدن والجيوش انحسرت في الواقع، ثم لم يبق منها إلا الأثر أو الاسم أو الحكايات. وعلى النظير حضرت دنيا زاد في أول الحكايات ثم انحسرت من الذاكرة الأدبية، حتى كادت تصبح مجرد اسم تابع لشهرزاد. نُسيت الإمبراطورية العربية حين فقدت حضورها الواقعي، ونُسيت دنيا زاد حين اُختزل حضورها في وظيفة هامشية. وفي الحالتين يحدث شيء واحد: يُمحى الحاضر من الذاكرة لصالح صورة أوضح وأكثر اكتساحا. لكن المفارقة أن ألف ليلة وليلة، في الوقت الذي تنسى فيه دنيا زاد، عوضتها. فالإمبراطورية العربية التي لم تعد قادرة على أن تكون إمبراطورية في الواقع تستطيع أن تصبح إمبراطورية في الخيال؛ والشخصية التي لم تعد قادرة على أن تكون في مركز الذاكرة تبقى في الليالي بوصفها أصلا من أصول حكاياتها. كأن الليالي تعوض فقدان الإمبراطورية الواقعية بإنتاج إمبراطورية سردية لا تنتهي حدودها. وفي هذه الإمبراطورية الجديدة لا تكون الأرض هي مقياس الاتساع، بل عدد الحكايات والعوالم التي يستطيع الراوي أن يفتحها أمام المستمع. يمكن أن تُقرأ كثرة الملوك والمدن والأقاليم والرحلات والثروات في الليالي في مستوى من مستوياتها، باعتبارها إعادة امتلاك للعالم بواسطة الخيال. أي ما لم يستطع الواقع أن يحتفظ به، فما ضاق به التاريخ تستعيده الحكايات. ومن هنا تصبح شهرزاد أشبه بمن يعيد بناء العالم بعد فقدان السيطرة عليه. فالإمبراطورية غير مبنية من الحجر، وإنما هي إمبراطورية حكايات. أما دنيا زاد، فدورها في هذا بناء ألف ليلة وليلة فهو أنها الجمهور الذي يعترف بالعالم الجديد. فالإمبراطورية التي انهارت تحتاج إلى من يعترف بماضيها. وكذلك الحكاية لا تصبح عالما بمجرد أن تحكي شهرزاد؛ تحتاج إلى أحد يقول لها (ما أحلى حديثك). لم يكن تعجب دنيا زاد مجرد مجاملة أخت لأختها، بل يمكن أن يُقرأ، مجازا، بوصفه أول فعل اعتراف بإمبراطورية الخيال. ثم يأتي شهريار صاحب الإمبراطورية الواقعية، لكنه يجد نفسه مضطرا إلى الدخول في الإمبراطورية التي صنعتها شهرزاد. فهو يملك السلطة على جسدها وحياتها، لكنه لا يملك السيطرة على حكاياتها بعد أن بدأت. بل إن الأمر انقلب تدريجيا؛ فالملك الذي كان يحدد متى تنتهي حياة المرأة يصبح هو الذي ينتظر متى تنتهي الحكاية. في الصباح هو صاحب القرار، وفي الليل يصبح مستمعا ينتظر الوعد بالحكاية المقبلة. فتنتقل السلطة من السيف إلى الحكي، ومن الأمر إلى الانتظار. وهنا تتضح أهمية دنيا زاد مرة أخرى؛ فهي التي تشهد على هذا التحول قبل أن يستوعبه شهريار. المستمعة التي تقول إن حديث شهرزاد لذيذ، فيجد الملك نفسه أمام أثر لا يستطيع تجاهله. وإذا ما صنعت شهرزاد الإمبراطورية من الخيال، فإن دنيا زاد منحتها الاعتراف الأول، وشهريار منحها الاعتراف الأقوى حين أجل القتل ليستمع. وهكذا تتحول الإمبراطورية الواقعية نفسها إلى مواطن داخل إمبراطورية الحكاية. من هنا يمكن أن نعيد النظر في موقع دنيا زاد في حكايات ألف ليلة وليلة. فهي لا تحتاج إلى أن تظهر في كل حكاية داخل الليالي لكي تكون حاضرة فيها؛ يكفي أنها مثلت المستمع الأول الذي ظل خلف جميع الحكايات. فكل حكاية من حكايات الليالي تفترض مستمعا يقول: حدثني، وراويا يقول: سأحدثك، ويطلب المستمع المزيد. ودنيا زاد هي التجسيد الأول لهذه العلاقة. هي ليست بطلة الحكايات التي تُروى، لكنها بطلة النظام الذي يجعل الحكايات تُروى. ولهذا فإن نسيانها يكتسب دلالة تتجاوز شخصية بعينها. لقد اعتدنا نحن العرب على أن نبحث عن البطولة في صاحب الصوت، ولم نبحث بما يكفي عن البطولة في صاحب الأذن. واعتدنا أن نقرأ الإمبراطوريات من خلال ملوكها وفتوحاتها، ولم نقرأها من خلال الشعوب التي منحتها معنى الوجود. وفي الحالتين يُستبعد الطرف الذي لا يبدو فاعلا لأنه لا يمارس السلطة مباشرة. وبهذا المعنى فدنيا زاد تشبه ذاكرة الإمبراطورية العربية التي فقدت مركزها. موجودة في الأثر، وحاضرة في أصل البناء، لكنها لم تعد صاحبة الصورة. ويمكن أن يكون الضيم الذي حاق بدنيا زاد جزءا من ضيم أكبر حاق بعالم ألف ليلة وليلة نفسه: فقد بقيت إمبراطورية الخيال، بينما غاب الذين صنعوها. لا تحتاج الحكاية إلى الصوت وحده، بل تحتاج إلى دائرة كاملة من التلقي كالطلب، والسماع، والتعجب، والانتظار، والاستمرار إلا أن الذاكرة حفظت اسم شهرزاد لأنها صاحبة الصوت، لكنها لم تحفظ بالقدر نفسه اسم دنيا زاد لأنها صاحبة الإصغاء. لذلك فإن استعادة دنيا زاد لا تعني أن نضع شخصية منسية بجوار شهرزاد فحسب، بل أن نعيد تعريف من صنع حكايات ألف ليلة ولية. فحكاياتها ليست ما حكته شهرزاد وحدها؛ بل ما يحدث بين الراوي والمستمع. وإذا كانت شهرزاد قد صنعت إمبراطورية الخيال، فإن دنيا زاد أول من دخلها، وأول من شهد باتساعها، وأول من قال إن عالمها يستحق أن يستمر. يتجاوز إنصاف دنيا زاد إنصاف امرأة لأختها. فحين نستعيدها فنحن نستعيد معها وجه حكايات الليالي المنسي؛ نعني وجه المتلقي أو القارئ أو المستمع، ومعه نستدعي إمكانا آخر لقراءتها؛ لا بوصفها حكايات شهرزاد وحدها، بل بوصفها تاريخا متخيّلا لانتقال القوة من الإمبراطورية العربية التي كانت تملك الأرض إلى الحكاية التي تملك الخيال، ومن الخليفة الذي يأمر إلى المستمع الذي ينتظر. وفي قلب هذا الانتقال تقف دنيا زاد، في مكانها كما هي عليه تحت سرير شهرزاد، صامتة في الظاهر، لكنها صاحبة أول فعل لا غنى عنه حين قالت لشهرزاد: حدثيني، ومن هذا الطلب بدأ كل شيء.