مواقف طريفة في حياة الدكتور أحمد زويل.

حصل العالِم العربي الأمريكي الدكتور “أحمد زويل” رحمه الله على أربع جوائز من الفئة العالمية المُتميّزة؛ وهي: جائزة “الملك فيصل” العالمية، وجائزة “وولف”، وجائزة “ويلش”، وجائزة “بنجامين فرانكلين”. وتوجّ تلك الجوائز الرفيعة بحصوله على جائزة “نوبل” في الكيمياء عام 1999، تقديراً لأبحاثه في مجال علوم الليزر، واكتشاف “الفيمتو ثانية” Femtosecond. ومع أن حياته كانت مليئة بالدراسات الجادّة والأبحاث العلمية في المختبرات، وأوقاته التي بالكاد تكفي للتدريس وإلقاء المُحاضرات، والتي دوّنها بالتفصيل في سيرة حياته: “عصر العلم”، إلا أنه واجه مواقف طريفة في حياته، أبى بروح النكتة وخِفّة الظلّ التي يحملها، إلّا أن يذكُر شيئاً منها في ثنايا كتابه الرصين. ومن ذلك، أن عائلته قد تنبّأتْ بمُستقبله الباهر منذ الصّغر، فعلّقتْ لافتةً على باب غُرفته باسم: “الدكتور أحمد”، وكان وقتذاك تلميذاً في المدرسة الإعدادية! وحين تخرّج في جامعة “الإسكندرية” في الكيمياء بتقدير “امتياز” مع مرتبة الشرف الأولى، حصل على مِنحةٍ دراسية مجانيّة لدراسة الدكتوراه في جامعة “بنسلفانيا” الأمريكية، فتوجّه إلى مكتب نائب رئيس جامعة “الإسكندرية” لطلب الموافقة على البعثة، وأن جامعة “الإسكندرية” لن تتحمّل أيّة نفقات.. وبعد أن فكّر النائب لبُرهةٍ من الوقت، أومأ برأسه وأخذ يفحص أوراقه، ثم قال: “سأوقّع على هذه الأوراق، وسوف تُسافر ولكنك لن تعود ثانيةً..”، وكانت كلمات النائب بمثابة نبوءةٍ تحقّقتْ بالفِعل، ذلك أن الطالب لم يعُد أبداً ليلتحق بهيئة التدريس في جامعة “الإسكندرية”! وأثناء إقامته في “الولايات المتّحدة”، حدثت له مواقف تُبيّن اختلاف الثقافات بين الغرب والشرق العربي، ومنها أنه في مدينة “فيلادلفيا”، انخفضتْ درجة الحرارة في الشتاء إلى ما دون الصّفر، وذات يومٍ كان في طريقه إلى مُختبر الجامعة، وأثناء سيره انزلقتْ قدماه على الثلج وارتطم بظهره على الأرض، بينما استمرّت السيارات والمارّة يسيرون بجانبه كُلٌّ في طريقه، ولم يتوقّف أحد منهم ليستطلع الأمر، أو يسأله إن كان في حاجةٍ لمُساعدةٍ ما، أو إن كان شيئاً قد ألمّ به، فذلك أمرٌ يخُصّه وحده، ولا شأن لأحدً به.. وذلك جُزءٌ من ثقافة الغرب بصفةٍ عامة! وقد اعتاد أن يرتدي البِدَل الكاملة الرسميّة في أثناء ذهابه إلى الجامعة، ومن ثَمّ توقّّع أن مثل هذا الزيّ هو اللباس المناسب لأعضاء هيئة التدريس.. حتى سأله ذات يومٍ أحد زُملائه: “هل أنت على موعدٍ لمًقابلة رئيس الجامعة”!؟ وأخذ بعد ذلك يرتدي بنطلوناتٍ وقُمصان مُريحة. وقد كان يلتقي بأصدقائه المصريين في نهاية كلّ أسبوع في حفلات اجتماعية، يتناولون خلالها الأطعمة المختلفة، وذات يومٍ أرادوا أن يشتروا “فول”، فذهبوا إلى متجرٍ يقع خارج المدينة، حيث يُباع الفول في أكياسٍ يزن الواحد منها عشرة كيلوجرامات، وبعد أن وضع البائع كيساً في سيارته قال: “أتمنّى أن يُصبح حصانكم على ما يُرام”! وبالطبع لم يتصوّر هذا البائع أن أناساً مثلهم يُمكنهم أن يتناولوا مثل هذه الكميّة من الفول. وقد كان يعمل في جامعة كاليفورنيا للتقنية “كالتك”، ويُعدّ طُلّابها من أفضل الطُلّاب على مستوى “الولايات المتحدّة”، وإن ظهرتْ هناك بعض البِدع الثقافية؛ ومن ذلك على سبيل المثال، ما حدث حين كان يُلقي مُحاضرةً في أحد الفصول، وإذا به يرى قدمين عاريتين بدلاً من الوجه في أحد المقاعد! لأن هذا الطالب كان قد رفع قدميه إلى أعلى المقعد الذي أمامه! .. كان الطالب مُتميّزاً من الناحية العلمية، ولذلك ما كان من الدكتور إلا أن أفهمه بهدوء أنه لا داعي لوضع قدميه أمام وجهه بهذا الشكل. وكان هناك موقف طريف حدث قبل تسلّم جائزة “نوبل”، ففي مدينة “هيوستن” جاءت سيارة ليموزين فاخرة إلى الفندق الذي كان يُقيم فيه الدكتور، لتُوصله وأُسرته للقاء لجنة الجائزة وحضور حفل العشاء معهم، وفي الطريق لاحظ أن هناك حشداً كبيراً من الناس أخذوا يلوّحون له وأُسرته بأيديهم، وقد خفق قلبه سروراً لرؤية الكثير من الناس وقد تأثّروا وانفعلوا بإنجازاته العلمية، ولكن حقيقة الأمر التي عرفها فيما بعد؛ أن هؤلاء الناس قد ظنّوا أن سيارة الدكتور الفخمة تُقلّ عدداً من نجوم السينما، المُتوجّهين لافتتاح ملهى “بلانيت هوليوود” الجديد، الذي يقع بالقُرب من مقرّ اجتماع لجنة الجائزة! وختاماً، ففي موقفٍ طريف آخر، وفي نهاية الاحتفال في “السويد” باستلام جائزة “نوبل”؛ اصطحب أحد أعضاء لجنة الجائزة أطفال الدكتور: “نبيل” و”هاني” إلى المنصّة، وأجلسهما على كُرسيّ الملك “كارل جوستاف السادس عشر” والملكة “سلفيا”، والتُقطتْ لهُما الصّور في هذا الوضع، وفي صباح اليوم التالي كانت صور الطفلين على مقعديّ الملك والملكة تتصدّر صفحات كثيرٍ من الصُّحف والمجلّات.