من أين يبدأ تفكيك الوطن؟

ليست كل الحروب التي تتعرض لها المجتمعات بحاجة إلى سلاح، و ليست كل الجبهات مرسومة على الحدود، فبعض المعارك تبدأ بفكرة صغيرة، و بعض الأفكار تبدأ بمصطلح، ثم يتكرر المصطلح حتى يصبح حقيقة، و تتحول الحقيقة المصنوعة إلى موقف، و يتحول الموقف مع الوقت إلى خصومة لم تكن موجودة أصلاً. و أخطر الخصومات ليست تلك التي تضعك في مواجهة عدو تعرفه، بل تلك التي تقنعك بأن أقرب الناس إليك هو عدوك. لهذا لم يعد السؤال بالنسبة لي: لماذا يحاول البعض تصوير العلاقة بين الرجل السعودي و المرأة السعودية باعتبارها حرباً؟ هذا السؤال أصبح أصغر من الظاهرة. السؤال الأهم: لماذا يصبح البيت تحديداً ميداناً مناسباً لصناعة هذه الخصومة؟ لأن الأسرة ليست مجرد مجموعة أشخاص يسكنون تحت سقف واحد، بل الخلية الأولى التي يتعلم فيها الإنسان معنى الانتماء، و الثقة، و المسؤولية، و التضامن، و الوقوف مع الآخر. قبل أن يعرف الإنسان وطنه على الخريطة، يعرفه مصغراً داخل بيته. و هنا تصبح المسألة أكبر من «رجل و امرأة». ابن خلدون حين تحدث عن «العصبية» و أثر الروابط الاجتماعية في قوة العمران، وضع يده على حقيقة لا تزال صالحة لفهم المجتمعات، فالدولة القوية لا تقوم فوق أفراد متناثرين لا يجمعهم شيء، بل فوق روابط تمنح المجتمع قدرته على التماسك و الاستمرار. و الأسرة في مجتمعنا إحدى أعمق هذه الروابط. لهذا فإن العبث بالثقة داخلها لا يبقى داخل غرفة الجلوس، فما يحدث في البيت ينتقل إلى الحي، و ما يتكرر في الأحياء يصبح سلوكاً اجتماعياً، و ما يستقر في المجتمع يصل في النهاية إلى الوطن. البيت .. فالحي .. فالوطن. هذه ليست مبالغة بل منطق بناء، فلا يوجد سقف متماسك فوق جدران مفككة، و لا توجد لحمة وطنية صلبة في مجتمع يتعلم أفراده النظر إلى بعضهم باعتبارهم معسكرات متقابلة. و هنا أراقب نمطاً يتكرر في بعض ما يطرح على وسائل التواصل الاجتماعي: خذ رابطة طبيعية، أعد تعريفها باعتبارها علاقة سلطة، ثم اختر أحد طرفيها و ضعه في قفص الاتهام. الأبوة تصبح «وصاية». النصح يصبح «تدخلاً». الغيرة تصبح دائماً «سيطرة». و الاختلاف بين الرجل و المرأة يتحول إلى «صراع». ثم كرر هذه المفردات حتى يصبح الإنسان مطالباً بالدفاع عن نفسه، لا بسبب فعل ارتكبه، بل بسبب موقعه داخل الأسرة. الأب متهم لأنه أب. و الزوج لأنه زوج. و الرجل لأنه رجل. و هنا لا تعود المشكلة في المطالبة بإصلاح علاقة مختلة، بل في إعادة تعريف العلاقة نفسها باعتبارها علاقة خصومة. و يجب أن أكون واضحاً هنا حتى لا يختبئ أحد خلف المظلومية الحقيقية لتبرير التعميم. نعم، هناك امرأة تُظلم. و قد يوجد أب يسيء استخدام سلطته، و زوج يتجاوز، و رجل يعتدي، و امرأة تنتظر تنفيذ حكم حصلت عليه، و أخرى تعرضت لممارسة لا يقرها دين و لا نظام و لا أخلاق. هذه المرأة ليست جزءاً من المشكلة التي أتحدث عنها. إنها صاحبة حق. و الوقوف معها واجب أخلاقي و نظامي، و إنصافها يقوي المجتمع و لا يضعفه. لكن هناك مسافة هائلة بين أن تقول: «هذا الرجل ظلم هذه المرأة»، و أن تقول: «الرجل هو مشكلة المرأة». الأولى عدالة. و الثانية أيديولوجيا. فالعدالة تُحدد المسؤول، أما التحريض فيبحث عن فئة كاملة ليضعها في قفص الاتهام. و لهذا فإنني أرفض أيضاً أن يتحول نقد بعض الخطابات النسوية إلى حرب مضادة على النساء، لأن ذلك سيكون الوقوع في الفخ نفسه من الجهة الأخرى. ليس كل صوت نسائي جزءاً من مؤامرة. و ليست كل امرأة تنتقد واقعاً اجتماعياً «نسوية» بالمعنى الأيديولوجي. و ليست كل مطالبة بحق محاولة لهدم الأسرة. القضية ليست إسكات المرأة، بل ألا يحتكر أحد صوتها. فالمرأة السعودية ليست ملكاً لتيار، و لا تحتاج إلى وكيل أيديولوجي يمنحها شهادة الوعي، كما أن الرجل السعودي ليس متهماً يحتاج إلى صك براءة من غرفة صوتية. هناك دولة بين الاثنين و فوق الاثنين. دولة شرّعت، و نظمت، و أصلحت، و فتحت للمرأة السعودية أبواباً واسعة في التعليم و العمل و الاقتصاد و القيادة و المشاركة، و وضعت الأنظمة لحماية الحقوق، و جعلت القضاء مرجعاً عند النزاع. و هذه نقطة مركزية، لأن بعض الخطابات تتصرف كما لو أن العلاقة بين الرجل و المرأة في السعودية تجري خارج الدولة، و كأن الحقوق تنتزع في مواجهة مفتوحة بين الجنسين. و هذا غير صحيح. المرأة السعودية لم تتقدم لأن الرجل السعودي هُزم. و الرجل السعودي لم يخسر لأن المرأة السعودية نجحت. السعودية تقدمت بهما معاً. و لهذا فإن تحويل هذا التحول الوطني العظيم إلى رواية عنوانها «انتصار المرأة على الرجل» لا يسيء إلى الرجل فقط، بل يختزل إنجاز الدولة نفسها. المشكلة إذن ليست في كلمة «نسوية» وحدها، و لا في مساحة على X تمتد عشر ساعات، و لا في حساب يبحث عن ضجيج. المشكلة في النمط. النمط الذي يأخذ رابطة اجتماعية، ثم يعيد تعريفها كصراع، ثم يبحث لكل صراع عن ظالم ثابت و مظلوم ثابت، ثم يبني بينهما جداراً نفسياً. و أنا لا أحتاج إلى معرفة من يقف خلف كل حساب حتى أحذر من النتيجة، و لا أحتاج إلى اختراع غرفة مظلمة حتى أرى الضوء الأحمر أمامي. قد تختلف النيات و تتطابق النتائج. قد يفعل أحدهم ذلك عن قناعة، و آخر بحثاً عن الشهرة، و ثالث لأنه استورد خطاباً نشأ في بيئة مختلفة و أسقطه كما هو على المجتمع السعودي. لكن النتيجة واحدة: تحويل الأسرة من رابطة إلى جبهة. لأن الوطن ليس علماً و حدوداً و نشيداً فقط، الوطن أب يثق بابنته، و ابنة ترى في أبيها سنداً لا عدواً، و أخ يحمي أخته دون أن يلغيها، و امرأة تعرف حقوقها دون أن تحتاج إلى كراهية الرجل، و رجل يحترم حقوقها دون أن يشعر أن احترامها هزيمة له. هذه التفاصيل الصغيرة هي المادة الخام للحمة الوطنية. فاللحمة الوطنية لا تبدأ عند الحدود عندما يظهر العدو، إنها تبدأ قبل ذلك بكثير .. داخل البيت. و لهذا فإن معركتنا ليست مع حقوق المرأة، بل معها ضد من يظلمها، و ليست مع الرجل، بل معه ضد من يريد اختزاله في صورة المتهم، و ليست مع الاختلاف، بل مع تحويل الاختلاف إلى عداوة. فالبيت السعودي ليس جبهة، و المرأة السعودية ليست جيشاً في مواجهة الرجل، و الرجل السعودي ليس قوة احتلال داخل أسرته. نحن مجتمع يستطيع إصلاح أخطائه دون أن يهدم روابطه، و يستطيع إنصاف المظلوم دون إدانة الأبرياء، و يستطيع تطوير نفسه دون استيراد حروب الآخرين. و عندما يحاول أحد إقناعنا بأن الطريق إلى تحرير نصف المجتمع يمر عبر كراهية نصفه الآخر، فعلينا ألا نسأله فقط عن حقوق المرأة .. بل عن الوطن الذي سيبقى بعد نجاح هذه الوصفة. خط أخضر: أخطر من يحاول اختراق حدود وطنك، من يقنعك أولاً أن ترسم الحدود داخل بيتك.