قد نغرقُ في غير ماءٍ.

كانَ صوتُ عبد الحليمِ وهو يغني: “إني أَغرقُ” كافيًا ليعيدني إلى ذلكَ الصَّباحِ البعيدِ. كانَ صباحًا في سوقِ القريةِ، والناسُ متجمهرونَ حولَ بئرٍ عميقةٍ، بئرٍ غريبةٍ: فمُها واسعٌ، وكلَّما تعمَّقت ضاقت حتَّى تخنقَ من فِيها. وإذا برجلٍ سبَّاحٍ ماهرٍ واقفًا على حافَّتها، منتشيًا بموهبتهِ في القفزِ والسباحةِ في المياهِ العميقةِ، فردَ ذراعيهِ، وشدَّ صدرهُ، ثمَّ قفزَ.  هتفتِ الجموعُ تشجيعًا، ثمَّ تحولَ الهتافُ فجأةً إلى آهةٍ هزَّت المكانَ عند سماعِ ارتطامٍ قويٍ بالماءِ. انتظرنَا... وطالَ الانتظارُ.  حتَّى تعالتِ الصَّرخاتُ: “دم... دم!”  وتعكَّر الماءُ بحمرةٍ ثقيلةٍ، فنزلَ الرجالُ بالحبالِ، وأخرجُوا جسدًا لا روحَ فيه. ومنذُ تلكَ الحادثةِ وأنا أسمعُ عبد الحليم “يغرقُ” حرفيًا بكلماتهِ، وأدركتُ أنَّ الغرقَ أوسعُ بكثيرٍ من ماءِ البئرِ، فحليم غرقَ في بحرِ هواهُ وأغرقنَا معهُ؛ لأنهُ لم يُحسنِ العومَ، وكأنَّ العبرةَ أن نعرفَ كلَّ شيءٍ قبلَ أن نبحرَ في أي مغامرةٍ. قد نغرقُ في دراسةٍ لا تشبهُنا،  وفي تجارةٍ لم نحسن توقيتَها،  وفي وظيفةٍ تحرقُنا،  وفي حلمٍ رمينا بأنفسِنا فيهِ قبل أن نختبرَ عمقَه. المهارةُ وحدَها لا تنجِي.  فقد نُجيد العومَ، ولكن “بئر الحياة” ذاتها لا تصلحُ للنجاةِ. وأحيانًا لا يكونُ الغرقُ خطأَنا،  بل قد تكون البيئةُ،  وقد تكونُ العقولُ من حولِنا،  وقد يكون التوقيتُ خاطئًا.   ولهذا، قبلَ كلِ قفزةٍ...  علينَا أن نسألَ أنفسَنا:  هل هذا المكانُ وهذا التوقيتُ يحتملُنا؟  أم سيضيقُ بنا حتَّى نغرقَ؟!