كتاب «العلاقات السرية بين الوكالة اليهودية وقيادات سورية خلال الثورة الفلسطينية»..
أسرار الاختراق قبل قيام إسرائيل.
مؤلف الكتاب الباحث محمود محارب من الذين تطلق عليهم الدولة الصهيونية اسم “عرب إسرائيل”، في محاولة لطمس هويتهم الفلسطينية، وهم يعرفون أنفسهم “فلسطينيو الداخل”؛ أي الفلسطينيين الذين بقوا في بلادهم التي احتلها الصهاينة وأقاموا عليها دولتهم عام 1948م. حصل على الدكتوراه من جامعة ريدنج في بريطانيا، وقد اعتقل عدة مرات بتهمة الانتماء إلى تنظيم فلسطيني، وكان من مؤسسي حركة أبناء البلد وحزب التجمع الوطني الديمقراطي. عرض الباحث محمود محارب في الكتاب مجموعة وثائق أتيحت للباحثين بلغت ثمان وخمسين وثيقة أتاحها الأرشيف الصهيوني، بعد مرور خمسين عاماً عليها، يظهر بشكل جليّ كثافة الاستهداف الاستخباري الذي قامت به الوكالة اليهودية منذ فترة مبكرة، لقيادات الشعبين السوري واللبناني، قبل قيام الدولة الصهيونية. يبدو عنوان الكتاب (العلاقات السرية بين الوكالة اليهودية وقيادات سورية خلال الثورة الفلسطينية 1936م) وكأن فيه إدانة لقيادات سورية بشكل شامل، ولكن هذا الفهم تعوزه الدقة؛ فقد مارست الوكالة اليهودية الخداع الذي تشتهر به، من خلال إظهار قوة تأثير اليهود في القرار الفرنسي والإنجليزي. وعرضت إمكاناتها التي يمكن أن تخدم بها القيادات السورية الساعية للاستقلال عن الاستعمار الفرنسي، وخاصة في الفترة التي أنجزت المباحثات بين الطرفين مشروع معاهدة تؤدي للاستقلال، وبينما كانت فرنسا تضغط لإجراء بعض التعديلات قبل عرضها على البرلمان، كانت قيادة الكتلة الوطنية السورية لا ترغب في إجراء هذه التعديلات، أما المعارضة السورية (الشهبندر ورفاقه) فكانت ترغب في إفشال المعاهدة، لكي لا يسجل الأمر انتصاراً للكتلة الوطنية. تدّعي الوكالة الصهيونية في هذه الاجتماعات أن الرأي العام اليهودي في فرنسا وإنجلترا سيقف ضد استقلال سوريا، طالما أن الشعب السوري يرسل متطوعين للمشاركة في الثورات الفلسطينية، كما يؤمن جزءاً كبيراً من التسليح لها، والأهم من ذلك أنها تريد تعاوناً يهودياً عربياً يسهل هجرة اليهود إلى فلسطين، وتسخير القدرات اليهودية المالية والاقتصادية والعلمية لإنعاش المشروعات المشتركة بين العرب واليهود. زار الزعيم فخري البارودي فلسطين ودعي ليطلع على الكيبوتسات الإسرائيلية فأعجب بها، وعرض وقف تطوع السوريين في الثورة الفلسطينية ووقف إيصال السلاح لهم مقابل وقف الهجرة اليهودية، إلا أن الصهاينة رفضوا؛ وكانت الوكالة اليهودية تشيع أن الإضرابات في فلسطين تضر بالاقتصاد السوري الذي يعتمد إلى حد ما على السوق الفلسطيني. كانت الاتصالات بالوكالة اليهودية مرفوضة من الشعب السوري، وليس كل من اجتمع بالوكالة اليهودية قبل بالتعاون؛ فإن الغالبية العظمى منهم كانوا وبقوا وطنيين، ولم يتنازلوا، بل طرحوا الموقف الوطني السوري خلال هذه الاجتماعات، واستمروا على مقاومتهم للمشروع اليهودي، فشكري القوتلي رفض كل ما طرحته الوكالة، بل إن الوكالة اليهودية قد خططت لاغتياله عام 1941م، وكذلك فخري البارودي الذي شارك في الاتصالات الأولية، لكنه سرعان ما نشط ضدها، ومثلهم الأخوان نبيه وعادل العظمة، ومنير الريس وغيرهم، هؤلاء أعطوا الثورة الفلسطينية الأولوية وقدموا لها الدعم بكل طاقاتهم. بيد أن إجراء وفد الكتلة الوطنية مفاوضات سرية مع الوكالة اليهودية أسهم في خلق جو في قيادة الكتلة لا يحرم الاتصالات السرية مع الوكالة، ولذا فإن مجموعة من قيادات الصف الثاني قد استمرت في الاتصال بالوكالة اليهودية. كذلك تواصلت الوكالة مع أقطاب من المعارضة الشهبندرية، ومع قادة جبل الدروز. ونجحت الوكالة من خلال هذه الاتصالات في منع تجنيد سوريين للعمل مع الثورة الفلسطينية، وقد قدمت أكياس حنطة لبعض عمد الحارات ليساعدوا في التعرف على المتطوعين السوريين، وإحباط تهريب أسلحة إلى فلسطين عن طريق أحد السياسيين السوريين، الذي وصل إلى أن يكون وزيراً، كما رشح ليكون رئيساً للوزراء، وأخوه مسؤول شرطة دمشق. كذلك عطلت مشاركة ممثلين للبرلمان السوري في المؤتمر البرلماني الأول الذي أقيم لمناصرة فلسطين في بلودان بسوريا والمؤتمر الثاني الذي أقيم في القاهرة، إلا بصفتهم الشخصية، كما طلبت سرّاً من المندوب السامي الفرنسي رفض إقامة أمين الحسيني رئيس اللجنة العربية العليا في دمشق. أخفت الوكالة اليهودية مخططاتها لترحيل الفلسطينيين إلى مناطق في العراق وإلى منطقة الجزيرة في سوريا. أما الاختراق الصهيوني فقد حصل مع قيادات الدروز في سوريا ولبنان وفلسطين. بدأت الوكالة اليهودية نشاطها التجسسي مبكراً في سوريا، فقد عين وايزمان الدكتور شلومو بلمن مندوباً للمنظمة الصهيونية العالمية لدى الملك فيصل بن الحسين في دمشق، وكلفه بجمع معلومات عما يدور في سوريا، وأوصى بشراء صحف وصحفيين لكي يتحولوا إلى دعم المشروع الصهيوني في فلسطين. وكذلك أصبح الصحفي اليهودي جاك قالمي منسقاً بين اللجنة الصهيونية والسلطات الفرنسية في لبنان، ومع الوقت تم توظيف صحفيين صهيونيين يعملون في صحافة أجنبية من أجل جمع المعلومات، فعند قيام الثورة السورية عام 1925م أرسل مراسل صحيفتي “الغارديان” و”الكريستيان ساينس مونيتور” مرتين إلى سوريا. كما وظفوا ثلاثة من الطلبة اليهود في الجامعة الأمريكية في بيروت، ليكونوا بؤرة تجسس على لبنان وسوريا، ومع الوقت تمكنوا من توظيف عميل عربي قدم الكثير من الخدمات للوكالة. بعدها جندوا ثلاثة من قادة الطائفة اليهودية في سوريا منهم عضو في المجلس النيابي السوري، هو من كان ينصح أعضاء الكتلة الوطنية بالتواصل مع الوكالة اليهودية ليحصلوا على الدعم أمام فرنسا، خاصة مع وصول اليهودي ليون بلوم إلى رئاسة الوزراء في باريس عام 1929م. وعن طريق خلية من اليهود اللبنانيين، وكذلك عن طريق الرشاوى وعن طريق وكالة أنباء الشرق -وهي وكالة أنباء أسسها أحد عملاء الوكالة اليهودية- تم نشر 285 مقالاً صحفياً تعرض مواد مدسوسة من الوكالة الصهيونية بأسماء كتاب عرب أو من دون اسم على أنها مقال التحرير. وزار أهم اثنين من قادة جهاز الاستخبارات الصهيوني وهما إلياهو ساسون وإلياهو إبشتاين عدداً من العواصم العربية مستخدمين صفة “مراسل وكالة الشرق”. بدأت العلاقة مع الدروز عام 1930م، وتواصل دروزٌ بالوكالة اليهودية للتوسط لدى السلطات البريطانية في العفو عن أحد أبنائهم، الذي اتهم بقتل شرطي عربي، ثم تواصل دروز آخرون معها نيابة عن سلطان باشا الأطرش الذي لجأ إلى الأردن بعد فشل ثورته على الفرنسيين في جبل الدروز، يطلبون شفاعة الوكالة اليهودية لدى فرنسا للسماح بعودته إلى سوريا. بلغ عدد دروز سوريا حوالي خمسين ألفاً، وعدد دروز فلسطين عشرة آلاف يقطنون ثماني عشرة قرية من قرى الجليل الأعلى، وكانوا يشاركون في الثورة الفلسطينية كمقاتلين وموردي أسلحة. وكان المخطط الصهيوني نقل دروز فلسطين إلى جبل الدروز في سوريا وشراء أراضيهم، وإقامة حلف أقليات يشمل الدروز والمارونيين واليهود، تكثفت اتصالات الوكالة الصهيونية على مدار مدة طويلة، وكانوا يلمحون للدروز بمشروعات مشتركة وبالحماية. وقد حدث أن الثوار الفلسطينيين قتلوا درزياً ثبت أنه كان جاسوساً للصهاينة، فاستغلت الوكالة الصهيونية ذلك لإظهار أنها من يحمي دروز فلسطين، واستطاعوا أن يجندوا الزعيم الدرزي يوسف العيسمي مقابل مال ليتعامل معهم. وحدث مرة أخرى أن قتل الثوار العرب درزياً آخر ضبط خارجاً من مستعمرة صهيونية واعترف بالتجسس، وإثر ذلك ذهب قاضي صفد إلى جبل الدروز ودعا قادته لإرسال وفد من أجل المصالحة وتطويق الأزمة، فتمت المصالحة، ولكن الوكالة بوساطة العيسمي تمكنت من التواصل مع مجموعة من القادة ضمن الوفد الدرزي، فجندت بعضهم بدورها، وفيهم اثنان من أقارب سلطان باشا الأطرش، كما استطاعوا مصادقة أسعد كنج، بعد أن ضغطوا عليه بما أقره شيوخ دروز في لبنان بعقوبة الحرمان من قاضي المذهب لو استمر في دعم ثوار فلسطين، وهو من دروز الجولان، وكان يجند دروزاً للتطوع مع الثورة الفلسطينية، ورغم أنه لم يتلق تعويضاً من الوكالة اليهودية على مبلغ خمسمائة جنيه فلسطيني أعطته إياها قيادة الثورة الفلسطينية لتجنيد مقاتلين، إلا أنه في النهاية تجاوب معهم، بل بلغ التعاون بين الطرفين إلى حد شراء أسلحة من سوريا لمنظمة الهاجاناه. وكذلك اجتمع وفد من الوكالة اليهودية عام 1938م بشيخ عقل الدروز في بعقلين بلبنان، وبدؤوا في مفاوضات من أجل إقامة حلف ثلاثي يجمع اليهود والدروز والمارونيين. وقام دروز متعاونون مع اليهود بزيارات متعددة إلى تجمعات الدروز في سوريا ولبنان لطلب عونهم ضد من يضطهدهم من مسلمي فلسطين كما قالوا. ولم يتوقف تواصل عملاء الوكالة اليهودية على آل الأطرش بل فاوضوا منافسيهم في الجبل أيضاً. حمل العيسمي مطالب سلطان الأطرش إلى الوكالة اليهودية، ومنها إرسال خبراء زراعيين يهود لمساعدة السكان في إيجاد مصادر للمياه وتطوير وسائل الري، والتوسط لدى بنوك يهودية لمنح سلطات جبل الدروز قروضاً من أجل تطويره، وطالب باستعمال نفوذ الحركة الصهيونية في فرنسا لمصلحة جبل الدروز، حتى لا يضطر الدروز للعمل مع الثورة الفلسطينية. قابل سلطان الأطرش مسؤولين من الوكالة سرّاً بعد تردّدٍ طويل، وتجاوب مع الطلبات الصهيونية بالعمل على حياد الدروز في فلسطين وسوريا ولبنان تجاه الصراع العربي مع الصهاينة، وتمكن من توظيف بعض شبان الدروز الذين كانوا يستعدون للمشاركة مع ثوار فلسطين في جهاز الشرطة السورية، كما رفض زيارة أمين الحسيني إلى السويداء، ولكنه لم يتحمس لنقل الدروز إلى سوريا، رغم أن دروزاً يعيشون في أربع قرى فلسطينية أعلنوا عن قناعاتهم بالبيع والتهجير، عرضت الوكالة ثلاثة ملايين جنيه فلسطيني مقابل الأراضي التي سيخلونها، لكن الأطرش طلب قبل ذلك تعمير الخرب التي سينتقلون إليها في الجبل حتى تكون جاهزة قبل انتقال دروز فلسطين إليها. كما شجع عملاء الوكالة اليهودية المتعاونين من الدروز على المطالبة باستقلال جبل الدروز، لأن ذلك أضمن لتحقيق خطة التهجير. ورغم ذلك يقول المؤلف إن أغلب دروز فلسطين لم يوافقوا على خطة التهجير، ورفضوا المزاعم التي تقول بأنهم يتعرضون للاضطهاد. قيام الحرب الكونية الثانية عطل المشروع لأنه أضعف واردات الوكالة اليهودية، حيث حاولت بريطانيا تحقيق بعض مطالب العرب لضمان عدم اجتذابهم إلى دول المحور، مما أرعب الوكالة اليهودية، وشغلها عن التواصل مع سوريا. ولكن دائرة المخابرات الصهيونية استعادت مواردها لأنها تعاونت مع المخابرات البريطانية ضد حكومة فيشي الفرنسية في سوريا عام 1940م فحصلت على دعم مالي بريطاني استعادت معه نشاطها. تنتهي مدة الوثائق عام 1942م، وكل أسماء العرب الذين أغفلت ذكر أسمائهم في هذا المقال واردة بوضوح في وثائق الكتاب، ولعل المستقبل يظهر تفاصيل أكثر عن عمليات الخداع والمكر الصهيوني، التي كنا وما زلنا نتجرع سمومها.