هومبرتو دا سليفيرا الصُّورة أبقى.

“وما تدري نفس بأي أرض تموت”. تعني الآية الكريمة أيضًا، وما تدري نفسُ بأي أرض تعيش. وهكذا كانت قصة هومبرتو دا سليفيرا، الذي تنقَّل في أصقاعٍ مختلفةٍ من الأرض قبل أن يحطَّ عصا الترحال في المملكة العربية السعودية وفي مدينة جدة ابتداء ثم في الرياض مستقرا ومستودعا، حيث كانت بدايته فيها زائرًا لتصوير معرض “وحدة الفن الإسلامي” عام ١٩٨٥م، ثم عاد للبقاء فيها حوالي عام ١٩٨٧م بإقناع من سمو الأمير سلطان بن سلمان. الصداقات الأجمل تفتقد تفاصيل تاريخ بداياتها.. وإن كانت للأسف تعرف تفاصيل نهاياتها التي لابد من أن يسبق فيها أحدٌ أحدا. التقيت هومبرتو بعد انتقاله إلى الرياض حوالي عام 1987م، في فيلا في بداية منطقة العليَّا. جمعني به صديق مشترك، وأصبحنا نكوِّن ثلاثيَّة لم تنقطع منذ ذلك التاريخ، ويشهد على تلك تحديدا مقهى كان ومطعم مراكش. كان هومبرتو منشغلا بالصور الشخصية (البورتريه)، لشخصيَّات أغلبها ذات قدر ومكانة، وشملت صورًا عائليَّة غاية في الدقَّة والأناقة، لم تنس أطفالاً هم اليوم في الأربعينات من أعمارهم، ولا أعرف من منهم يذكر ذلك الذي صوَّرهم ذات يوم، ولا أعرف كم منهم ما يزال محتفظًا بتلك الصور، ولا أدري بكم احتفظ هومبرتو من تلك الصور ذات الخصوصيَّة! توثَّقت العلاقة به أكثر حين أطلعني على كتابه المصوَّر عن الأمير سلطان بن عبد العزيز رحمه الله، وعن خلفية ذلك الإصدار. ثم على كتاب نجد، وتجادلت معه حول مناسبة تضمينه مدائن صالح مع أنها بعيدة كلَّ البعد، وجادل وأصرَّ وبرَّر ذلك بالراحل العزيز الأستاذ الدكتور عبد الرحمن الأنصاري، رحمه الله. وذات يوم وجدته يطرق باب مكتبي في مؤسسة التراث ليعرض فكرة لم يكن أنسب منها في مناسبة وطنية مشهودة هي الاحتفاء بالذكرى المئوية لتأسيس المملكة. كان قد أحضر معه ملفا متقن الإعداد تضمن صورة الغلاف التي سبق إلى استلالها من الصورة الشهيرة للملك عبد العزيز في الكويت والتي كانت آنذاك الصورة الأولى المعروفة له رحمه الله من تصوير الكابتن شكسبير. وأصبحت تلك الصورة فيما بعد الصورة الأكثر شهرة وانتشارا، خاصة بعد أن عرض هومبرتو نسخًا محدودة منها وبحجم كبير وإنتاج فاخر، منها نسخة على جدارٍ في قصر الحكم. حين عرضت الفكرة على سمو الأمير سلطان بن سلمان، رئيس مؤسَّسة التراث، وافق مؤيِّدا وداعما، وانضمت دارة الملك عبد العزيز إلى رعاية ذلك الإصدار الذي تشرَّفت أن عرضت مسودَّته المكتملة برفقة معالي أمين عام دارة الملك عبد العزيز على خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز حفظه الله، أمير منطقة الرياض آنذاك، في مكتبه بقصر الحكم. وقلَّب حفظه الله صفحات الكتاب واحدة واحدة، معلِّقًا وموجِّهًا، وواقفًا أمام إحدى الصور بتساؤل دعا إلى تجربة بحث جميلة. عملت مع هومبرتو في ظلِّ مؤسسة التراث على كتابي الملك سعود والملك فيصل، ثم وبعد زمن على كتاب المدينة المنورة الذي أصدره مركز بحوث ودراسات المدينة المنورة. وظل يطلعني على مشروعاته وآماله وبعض خيبات أمله. لست هنا في مجال الحديث عن كتبه ولا للتعريف بها وتواريخ إصدارها ومحتوياتها، فقد عرض بعض ذلك من برزوا مؤبِّنين له. ولكني لأؤكد أنها أصبحت وستبقى دون جدال من أبرز مواد الذاكرة المصورة للمملكة. ويحسب لهومبرتو أنَّه قدَّم بالإضافة إلى المحتوى وبراعة التصميم والإنتاج نموذجًا فكريًّا، مدعومًا ببرنامج رعاية فريد غير مسبوق، للحصول على دعم ما قبل الإصدار من الأفراد والجهات، ولتقديم نسخ من الصور ذات العلاقة بموضوع كل كتاب وبإنتاج راق، ولإعداد موَّاد لمعارض مصاحبة للتدشين لائقة. يمكن تقسيم كتب هومبرتو إلى ثلاثة أنواع، الأوَّل ما يتضمن الصُّور التي التقطها لمواقع ومعالم وأشخاص، والثاني المتضمن صورًا من أرشيفاتٍ محليَّة وعالمية أصبحت له دراية بخوافيها، والثَّالث مزيج من السَّابقين. وكان في كلِّ تلك الأنواع شديد الحرص على دقة العمل ورفعة مستواه. يعمل بصمت وينجز بخافت صوت، ويتألَّق بمهنيًّةٍ بديعة وتعرو وجه امتعاضات عدم الرِّضا حينما يلاحظ نقصًا في المستوى لا يدركه إلا خبير مثله. في تجربة قريبة، وبعد أن أنهى جولة تصوير واطَّلع على نواتجها، قام بلمِّ جميع النسخ وإتلافها، ليعيد الكرَّة ويخرج بما يرضيه. كانت شخصية هومبرتو شخصيَّة الفنان الموغل في التواضع حدَّ إنكار الذَّات حينًا، والموغل في الاعتداد أحيانًا. كان بقدر شغفه بالتصوير يأبى أن يكون مادَّة مصوَّرة، ولهذا فالصور له قليلة، ومن ملامح ذلك أن الصورة التي وضعتها في تأبينه، طارت بها الكثير من المواقع والأفراد، وكالغالب دون إشارة أو استئذان. كان هومبرتو كتومًا جدًّا فيما يتعلق بما يعتبره أمورًا شخصيَّة، ومفرطًا فيما يتعلَّق بأفكاره وعمله. من الصعب دخوله في علاقاتٍ وصداقات، ومن السَّهل خروجه منها. ويلٌ لك من غضبه، وويلٌ لك من رضاه! تعرَّض هومبرتو لأكثر من عارض صحي، وجابه ذلك بإصرار وأمل. وتركت بعض تلك العوارض آثارًا عليه أثَّرت على درجة تحمُّله حين التواصل مع الآخرين. وفي السنوات الأخيرة تراكمت في ذهنه الأفكار، ومع ذلك فقد كان لا يمل من المبادرات والمثابرة. ووثق أحيانًا في الأمل في تحقيقها إلى من بعض من أموالهم المواعيد. وحين تزداد سنوات عمر الإنسان يصبح الشعور فيما تبقَّى منها هاجسًا يحث على سرعة الإنجاز وهو ما لم يتم أمام قائمة مشروعاته التي كانت في مراحل مختلفة من مجرد الفكرة إلى شبه الإنجاز: مكة المكرمة، الحبشة، اليمن، اليونان، خيبر، سكة حديد الحجاز، عبد الواحد الوكيل. وبالنسبة للشخصيَّات فكان على رأس قائمة طموحاته كتاب عن الملك سلمان بن عبد العزيز، وعن سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان بن عبد العزيز حفظهما الله. بدأ هومبرتو المرحلة الأهم من مسيرته في المملكة بالبورتريه، ومن المصادف أن يكون آخر أعماله مشروع بورتريه، تشرَّف فيه بتصوير ثلاثة عشر صورة لسمو الأمير عبد العزيز بن عيَّاف الذي وجد فيه هومبرتو داعمًا كريمًا وواثقًا معينا. بعث لي برسالة نصيَّة قبل أيَّام من وفاته، ورددت عليه واستغربت أن لم ألق ردًا سريعًا كما عوَّدني. وأحسنت الظن بالحياة فافترضت أنه في إحدى رحلاته، إلى أن فاجأتني رسالة ثم اتِّصال من الرَّفيق الثالث ديفيد سالزبرجر متخوِّفًا، ثم مؤكِّدًا. رحل هومبرتو وحسرات عليه وعلى ما لم يتم من جميله. ويبقى ما قدَّمه أبديًّا في ذاكرة المملكة العربية المصوَّرة. ويبقى علينا وعلى المؤسسات القادرة وعلى رأسها مكتبة الملك عبد العزيز التي أحسنت بتنظيم معرض ولقاء عنه، والتي كانت أكثر الجهات دعمًا له ولأعماله، أن تعنى بموضوع مؤسسته المؤمَّلة، وبأرشفة أعماله، واستكمال ما يمكن من تلك التي قطع خطوات لإنجازها.. وأن نحسن إلى ذكراه بعد موته كما أحسن إلينا في حياته. أفكِّر مطرقًا في لحظة شجىً قادمة، حين يعود ثالثنا لنلتقي حول طاولةٍ، لن يكون عليها هومبرتو. رحمه الله ورحمنا..