الطلاق الذي غير وجه التاريخ.

ولد الملك هنري الثامن في 28 يونيو1491م. في غرينتش قرب لندن، وتوفي في 28 يناير 1547م. وحكم إنجلترا بين عامي 1509 - 1547م، وكان من أبرز ملوك أسرة تيودور، تزوّج الملك هنري الثامن ست مرات، وعندما توفي شقيقه الأكبر آرثر عام 1502، أصبح هنري الوريث للعرش. عندما اعتلى هنري الثامن العرش كانت التوقعات كبيرة بشأن ما سيحققه. كان شابًا في الثامنة عشرة من عمره، يبلغ طوله نحو 183 سنتيمتراً، قوي البنية، لا يملّ من الرياضة والصيد والرقص. بدت شخصيته النشطة وعداً بـ”ربيع جديد” بعد “الشتاء الطويل” الذي ميّز عهد والده هنري السابع. بعد فترة وجيزة من اعتلائه العرش، تزوج هنري من كاثرين الآراغونية، ابنة الملك فرديناند الثاني ملك أراغون، وهي أرملة شقيقه آرثر، في زواج دعم التحالف بين إنجلترا وإسبانيا، بعد الحصول على إذن بابوي خاص بهذا الزواج غير المعتاد. ما إن دخل هنري الثامن عقده الرابع حتى انقلبت موازين حياته الشخصية والسياسية. فبعد أكثر من عشرين عامًا من الزواج، واجه أزمة حادة مع زوجته كاثرين بسبب عدم إنجاب وريث ذكر للعرش. فقد انتهت معظم محاولاتها للإنجاب بالإجهاض أو وفاة المواليد، ولم يبق لهما سوى ابنة واحدة، الأميرة ماري، التي ولدت عام 1516م. ولم تكن فكرة أن تتولى امرأة العرش تلقى قبولًا في ذلك العصر، خشية ما قد تسببه من اضطرابات سياسية وصراعات على السلطة. وفي ضوء تصورات عصره، لم يشك هنري في قدرته على الإنجاب، وحمّل كاثرين مسؤولية غياب الوريث الذكر. وفي خضم هذا التوتر، ازداد تعلقه بآن بولين وصيفة من حاشية الملكة وشقيقة لإحدى عشيقاته السابقات. كان هنري رجلًا ميالًا للتقوى، لكنه وجد في “ آن “ متنفسًا عاطفيًا من زواج فاتر. أما آن نفسها، فكانت أكثر من مجرد امرأة فاتنة، كانت شابة ذكية وطموحة تعرف دهاليز البلاط، وأصرت على أن تكون زوجة شرعية لا عشيقة في الظل. استغرق هنري الثامن نحو ست سنوات لتحقيق هدفه بالزواج من آن، وفي سعيه لذلك أطلق سلسلة من التحولات الدينية والسياسية التي تجاوزت في نتائجها هدفه الأصلي. فمنذ عام 1527م بدأ ما عرف لاحقًا بـ “القضية الكبرى للملك”، أي محاولته الحصول على الطلاق من كاثرين. حيث أقنع نفسه بأن زواجه الأول باطل شرعًا، مستنداً إلى نص من سفر اللاويين في الكتاب المقدس الذي يحرّم الزواج من أرملة الأخ. واعتبر أن وفاة أبنائه الذكور علامة على غضب إلهي، فحوّل قناعته الشخصية إلى قضية دينية، مقتنعًا بأنه يعيش في خطيئة لا يمكن التكفير عنها إلا بإنهاء الزواج. توجّه هنري إلى روما طالبًا من “البابا كليمنت السابع” إبطال زواجه، ولم تكن الاستجابة لطلبات الملوك في قضايا الزواج أمرًا غير مسبوق. كما لم تكن روما بمنأى عن الضغوط السياسية التي صاحبت مثل هذه القضايا، إلا أن هنري اختار توقيتًا بالغ السوء. فقد كانت كاثرين عمة الإمبراطور شارل الخامس، حاكم الإمبراطورية الرومانية المقدسة، وكان البابا كليمنت السابع آنذاك واقعًا تحت ضغط سياسي شديد من الإمبراطور شارل الخامس، ما جعله عاجزًا عن اتخاذ قرار يغضب حليفه الأقوى في أوروبا. كما أن البابا كليمنت السابع لم يرغب في إعلان بطلان الترخيص البابوي الذي سمح أصلًا بزواج هنري من كاثرين. أمام هذا المأزق، اختار البابا الحفاظ على هيبة الكرسي البابوي بدلًا من إرضاء ملك إنجلترا. ومن هنا بدأت الأزمة التي ستنتهي بانفصال إنجلترا عن الفاتيكان وولادة كنيسة إنجلترا المستقلة. لكن “القضية الكبرى للملك” تطلّبت ثورة حقيقية، وكان الرجل الذي صاغ ملامحها ونفذها هو توماس كرومويل، الذي تولى في أبريل 1532م السيطرة على مجلس الملك، وظل مهيمنًا عليه لنحو ثماني سنوات. في عهده، اتخذ القرار المصيري بفصل الكنيسة الإنجليزية عن روما، لتصبح مؤسسة دينية وطنية تخضع مباشرة لسلطة الملك. وفي يناير 1533م، تزوج الملك هنري من آن بولين، ثم أشرف رئيس الأساقفة الجديد توماس كرانمر في مايو على محكمة قضت ببطلان زواجه الأول من كاثرين. وفي سبتمبر من العام نفسه، وُلدت الأميرة إليزابيث. وردّ البابا كليمنت السابع بحرمان الملك كنسيًا، لكن ذلك لم يلقِ أي صدى في إنجلترا التي كانت قد حسمت أمرها. وبعد عام واحد، صادق هنري على “قانون السيادة” الذي نص على أن ملك إنجلترا هو “الرئيس الأعلى للكنيسة الإنجليزية”، معلناً بذلك تأسيس كنيسة إنجلترا المستقلة عن الفاتيكان. ومع استبعاده السلطة البابوية، لم يتخل هنري عن جوهر العقيدة الكاثوليكية التي نشأ عليها. زواج الملك هنري من آن بولين لم يجلب له لا السعادة ولا الوريث الذكر الذي انتظره طويلًا، إذ أنجبت له ابنة واحدة هي إليزابيث، التي ستصبح لاحقًا الملكة إليزابيث الأولى. وبعد ثلاث سنوات من الزواج، اتهمها بالخيانة والزنا، وأمر بإعدامها عام 1536م، في مشهد هزّ البلاط الملكي وأكد قسوته. بعد أشهر فقط من إعدام “آن بولين” تزوج هنري من “جين سيمور” التي أنجبت له أخيراً ابنه المنتظر، الأمير إدوارد، لكنها توفيت بعد أيام من الولادة بسبب الحمى. كانت وفاتها ضربة قاسية له، ويبدو أنها احتلت في نفسه مكانة خاصة بين زوجاته. بعد ذلك تزوج هنري مرتين، من آن أوف كليفز ثم كاثرين هوارد، قبل أن يتزوج زوجته السادسة والأخيرة “كاثرين بار” امرأة هادئة ومتعقلة استطاعت بحكمتها أن تضمن سلامتها وترافقه حتى وفاته، شاهدة على انحدار صحته الجسدية وتدهور حالته النفسية، والشك الذي أصبح يطبع شخصيته، وسقوط رجال دولته الواحد تلو الآخر بعد أن غيّر وجه إنجلترا سياسيًا ودينيًا إلى الأبد. توفي الملك هنري الثامن في 28 يناير 1547م. في قصر وايتهول عن عمر ناهز السادسة والخمسين، ودفن إلى جوار زوجته جين سيمور، التي أنجبت له وريثه الوحيد. يظل إرث “الملك هنري الثامن” مرتبطًا بالتحول التاريخي الذي قاد إلى ولادة كنيسة إنجلترا المستقلة. فقد أنهى تبعية البلاد للفاتيكان، وجعل الملك الرئيس الأعلى للكنيسة الإنجليزية. مرسخًا الهوية الدينية الجديدة لإنجلترا، وفاتحًا الباب أمام الإصلاح الديني البروتستانتي. فهنري لم يبدأ مشروعه بقصد تأسيس مذهب جديد؛ بل كان يريد حل مشكلة زواج ووريث، فإذا به يعيد تشكيل علاقة الدين بالعرش في إنجلترا. لم تقف تداعيات ذلك الطلاق عند حدود القصر، ولا عند انفصال كنيسة إنجلترا عن روما، فقد امتدت إلى ضمائر الرجال والنساء، حين أصبح الولاء للعرش متداخلًا مع الموقف من العقيدة، وغدا ما يؤمن به الإنسان في أعماقه موضع مساءلة من السلطة. عندها وجد بعضهم نفسه أمام امتحان قاسٍ: أن يقول ما يرضي الملك ويصمت ضميره، أو أن يقول ما يمليه عليه ضميره ويتحمل غضب الملك. ومن ذلك المنعطف خرجت إلى التاريخ أسماء دفعت حريتها، وبعضها حياتها، ثمنًا لموقف لم تستطع أن تتراجع عنه. وهكذا لم يكن طلاق هنري الثامن حدثًا غيّر وجه إنجلترا فحسب، بل كان أيضًا واحدًا من تلك المنعطفات التي وضعت السلطة والضمير وجهًا لوجه.