قراءة في مختارات علي الحازمي الشعرية (يحرسني غيابك)..

بين الصوت والصدى تتراءى معالم الرؤية وتتبدّى جماليات التشكيل.

تتضمن هذه المختارات جملة من القصائد المنتقاة من مجموعاته الشعرية الستّ، كما يتبدى من العناوين التي اندرجت تحتها القصائد المختارة: “غصن وحيد للغناء”، و”الآن في الماضي”، و”مطمئنّاً على الحافة”، و”الغزالة تشرب صورتها”، و”خسران”، و”بوابة الحسد”. وقد اخترت أن أقف عند بعض قصائد المجموعة الأولى (غصن وحيد للغناء)؛ لأنها في اعتقادي تختصر الظواهر الجمالية التي تميز منجز الشاعر. في مستهل هذه الظواهر الرؤيوية والجمالية للشاعر، وفي قصيدة “الإقامة في الصدى”، يعيد الشاعر تعريف ذاته، ويتلمّس موقعه، ويبحث عن كينونته؛ يتقاسمه الوعي فيغرق في التأمل ويبحر في أعماق الوجود، وتلفته الوقائع في تدفقها فيخشى الغرق في طوفانها، فيعود ليتلمّس تضاريسها، ويتحرك بين أمداء الزمن الممتد بين الحاضر والماضي، ويعيد قراءة ملامحه قراءة شعرية تبدو محدّداتها واقعة بين تخوم الزمن؛ ماضيه وحاضره، وميراثه الذي اختطّ ملامحه وأصداء كينونته بين الصوت والصدى. يقرأ صفحاته التي يطفو فوق سطحها ويلتقط أصداءها، ويعوم فوق أمواجها، فتتجمّع في ذاكرته أسئلة الحضور والغياب، فيأوي إلى صخرة البدء: “ولدت من رحم الصحاري”، يتأمّل ملتمساً المتّكأ الذي يرتكز فيه على صخرة ثابتة تختزن في أحشائها مكوّناته التي يتغنّى بها بوصفه شاعراً فنّاناً يعزف عن الصوت ليظل يصغي إلى الصدى؛ فهو الذي يحمل ما يبقى من حقائق وجوده. فالصدى في القصيدة محور الدلالة ومتّكأ التأويل، وهو شاهد الوجود والفناء، وما يبقى من الصوت في الذاكرة وما يسكن في عمقها، وهو الذي تتفاعل فيه (الأغنية والنشيد والناي والروح)؛ هذا الرباعيّ الذي يلتقطه الشاعر فيمتح منه رحيق الوجود. يقودنا الشاعر في التماعات وعيه وبريق روحه إلى سرديّته التي تستوعب أصداء صوته شاعراً يرتحل عبر الكلمة والنغم والإيقاع إلى عوالمه الخاصة باحثاً عن كينونته، وهو الذي يستهل قصيدته بتجاوز الماضي والارتحال إلى الغد، ثم يدرك أن الغد مرتبط بالأمس واليوم، وكأنه يستدرك على نفسه ويصحّح مسار ظنّه وتفكيره؛ فهو يقول في مستهل قصيدته: لم ألتفت يوماً إلى الماضي مشيت إلى غدي متدثّراً بالغيم والمطر الخفيف أصغي إلى نغم الحياة كأنني فجراً ولدت في هذا المقطع الذي ينبني على حقائق الكينونة الجوهرية كما يراها صاحبها مستوعباً مسارات الزمن وحضور الطبيعة في أكثر حالاتها نقاءً وصفاءً، وحضور الحياة في أوج نضارتها وثرائها نغماً، يتمثل الكون في ذروة مباهجه وبكارة نضارته صوتاً تمثّل أصداءه وعاش في ظلالها مستذكراً صفاء الحياة ونقاءها؛ ولكنه لا يلبث أن يخيب أمله فيتخطّى ما حوله ويمضي سادراً في أحلامه، ويعيش في ظل الغياب صانعاً لنفسه وجوده الخاص متخطّياً واقعه. وهكذا يمضي في تشخيص تجربته، فيعيش عالمه الذي يخترق به واقعه ليظل في حضوره الشعري كما تمثّله بكراً، فانتهى إلى التحديق في الفراغ والعيش في خيالاته وأحلامه في عالم افتراضيّ؛ هنا يظل الوعي حاضراً ولكنه يمارس غيابه في مفارقة وجودية صارمة، فيوغل في رحلته، وتأتي عبارته (أقيم خارجي) لتلخّص الوضع النفسي برمّته؛ إنها المفارقة بين ما كان يأمل فيه وما انتهى إليه: “أنا حارس الأحلام من غدها وسادن رغبتي الأولى الأخيرة”. لقد لخّص الشاعر العلاقة بين الرغبة والواقع، وبين المأمول والموجود، بالصوت والصدى؛ مما يذكرنا بالتورية (المعنى البعيد والقريب) ليس في جوهره المصطلحي البلاغي المألوف، ولكن في العلاقة بين مفهوم الصدى -وهو ما يتبقى في الذاكرة والخيال- والواقع، وهنا تتبدى خصوصية التعبير في تعزيزها للشعرية وجماليات التعبير: أنحاز في ليلي إلى غسق طواه التيه تأسرني الإقامة في التماعات الصدى والشاعر في قصيدة أخرى تحت عنوان “جدار الريح” يبدو الخطاب عن الآخرين في مقابل ما كان منداحاً حول الذات ورحلتها وازدواجية وجودها بين الصوت والصدى؛ فالآخرون هم مناط الاعتبار والخطاب، وشأنهم فيما هم عليه شأن الذات الشاعرة، فهم يركنون إلى الصدى وكأنما تعذّر عليهم إدراك الصوت والعيش في عين الحقيقة التي تهاوت والبراءة التي توارت. ثمة شعابٌ تفرّعت محمولةً على أفق الرحيل والسفر والغيب والريح واليمام والغمام؛ معجمٌ تتقارب حقول الدلالة فيه في حراك مستمر، وثمة غيابٌ وغيبٌ يفضي إليه الرحيل والسفر في أفق يلفه الغمام ويبحر فيه اليمام. ذلك مشهدٌ يتراءى فيه التيه، وتغيم فيه الرؤى، يؤازره البحث حول الذات ورحلتها وازدواجية وجودها بين الصوت المستحيل والصدى، وفي أحداق الطفل والبحث عن عالم البراءة، شأنهم شأن الشمس التي تلتف بشال. نحن أمام عالم تتقاطع فيه الأكوان والأزمان والإنسان؛ ثمة بحثٌ دؤوبٌ يتعالى على الواقع، فقد غاب الصوت ولم يبق إلا الصدى؛ حيرةٌ جامحة وبحثٌ مستحيلٌ عن براءة اليقين، فليس إلا التشبث بأذيال الماضي سعياً إلى إدراك القيلولة التي تحتضن الطفولة والبراءة الغائبة (فليس إلا براري التيه)، ولا وجود إلا لجدار الريح الذي يذكرنا ببوابة الريح لدى الثبيتي. وأي جدار هذا الذي يمكن أن تستند إليه الحقيقة؟ فثمة يقينٌ مبتغى وهدفٌ غائب؛ لقد غاب الصوت ولم يبق إلا الصدى، فالرحلة تمضي في اتجاه عكسي مفارق؛ فبدلاً من السعي إلى الأمام تمضي إلى الخلف تبحث في إرث الماضي، فينهمر في أحداقهم الأمس في تعبير كنائي عن فقدان الأمل في الحاضر. ثمة كثافة مجازية تميل إلى التعبير الكنائي بالمعنى الدلالي وليس بالمفهوم البلاغي: لعلهم صعدوا سلالم لا نراها كلما التبست مآقيهم بأشرعة السؤال فالصورة الفنية هنا تقوم على ازدواجية الحسي والمعنوي؛ فالسلالم غير المرئية والأشرعة عناصر حسية مرئية، وأما السؤال فهو معنوي؛ فالترابط في بنية الصورة يتسم بهذه الازدواجية التي يضيء فيها الحسي الدلالي، وهو منهج في البناء يتجاوز التقليد الذي يرى في الصورة معادلاً موضوعياً للدلالة، بل يعيد ترتيب العلاقة بين عناصرها، وهو ما يميز التشكيل الجمالي في القصيدة ونستطيع أن نتلمسه في مختلف مفاصل النص. وعلو النبرة الذاتية في غنائيتها المشوبة بالحزن يكاد يغطي مساحة واسعة من البث، وتبلغ هذه الظاهرة ذروتها في الخطاب الموجه للذات في حوارية تتسم بالنجوى وتحمل صدى الألم ومعاناة الوجع والأسى. لقد انتهج الشاعر أسلوباً استقصائياً يلمّ بمختلف جوانب الموقف الشعري دون اللجوء إلى بناء صور تتشابك فيها العلاقات وتنزوي الدلالة في ركن قصي؛ بل اعتمد -في الدرجة الأولى- على الانزياح اللفظي الاستعاري مراوحاً بين بناء مشهد ينهض على الصورة التي تنهض على حسية الحركة التي تتقاطع فيها لغة الجسد مع كونية المشهد وتشخيص المعنويات وازدواجية ثنائية تتراسل فيها الإيحاءات وتتراكم الدلالات. وفي قصائده تتردد نغمتان: الأولى الطفولة والثانية الماضي، في جديلة دلالية يمتشق الشاعر فيها رصيده الوجداني وحقيبته المجازية المكتظة بالبراءة والوضاءة؛ نغمٌ يسري في مفاصل نصوصه يحشد فيها معجمه الأثير ومخزون الخيال الذي يجوب به آفاق الكون من حوله، ويجترح الصور في تواترها وألقها؛ حشدٌ كميٌّ تتردد فيه مفردات تاهت دلالاتها في ماض لم يبق منه إلا أصداؤه، كما يتبدى ذلك في قصيدته “يحرسني غيابك”: هي طفل ماضيك السعادة شالها شغف الورود وعطرها عبق الوجود ووصلها شهد الخدود هذا الطفل الذي يلازمه في معظم قصائده مع الماضي الذي يبدو صورة للبهاء والنقاء؛ إنه الأمس المنسيّ -على حد تعبيره- الذي اختفى في براري الغيب وانطوى في غياهب الخيال الذي لا يعود؛ فالشاعر في مجمل نصوصه التي نشرها تحت العنوان الأول من هذه المختارات يتغنى بالمثل التي يراها تختفي مع الماضي ولا يبقى منها إلا أصداءٌ تتردد حول الذات ورحلتها وازدواجية وجودها بين الصوت وصداه. تسكن المخيلة التي تستدعيها وتحلق بها في تجليات المشهد الشعري صياغة معجمها الخاص الذي تتعاقب حقوله الدلالية ومنظومته اللفظية وتشكيلات الصورة الفنية، على نحو تتشابه فيه الصور وتتماثل الدلالات، ولكن على نحو يخفي في طياته رؤية قابعة في الوجدان. ولعل هذه الوقفة اليسيرة تذكر بما سبق أن أشرت إليه في قراءات سابقة لبعض نصوص الشاعر.