السيد يس طه بين «ليمون المشاريع» و«شواطئ جدة».

أسترعى اهتمامي قبل عامين ما كتبه الشيخ جميل الحجيلان في مذكراته “جميل الحجيلان: سيرة في عهد سبعة ملوك” عن التحقيق مع بعض كتاب الصحف خلال فترة عمله مديراً عاماً للمديرية العامة للإذاعة والصحافة والنشر عامي 1380 و1381 هـ. ومن بين هؤلاء الكاتب ياسين طه، حول مقال له في جريدة البلاد عام 1380 هـ، كان له وقع سيء لدى البعض، ونُظِر إليه على أنه “تعريض بالحكومة التي يرأسها الملك سعود”. وسآتي على ذكر هذا المقال ومقالات أخرى للكاتب السيد ياسين طه، و”سيد” هو اللقب الذي كان يسبق اسمه في كل الأخبار التي نشرت عنه، في وقت يطلق على الآخرين إما لقب “الأستاذ” أو “الشيخ”... وأضيف إلى ذلك أن اسمه الأول في المقالات التي يوقعها كان “يس”، بينما يرد اسمه في الأخبار على أنه “ياسين”. كان للاسم رنة في ذهني، إذ مر عليّ خلال قراءة ما نشر لعشرات الكتاب السعوديين الذين نشرت لهم مقالات خلال المائة سنة الماضية حول مختلف المواضيع. ولأنه لم يكن لدي معلومات عنه، عدا أنه كان مديراً لمطبعة الحكومة سنوات طويلة، فقد بدأت في البحث عن تفاصيل عن حياته، بعد أن قرأت ما نشر له في صحيفة “البلاد” خلال أوائل الثمانينيات الهجرية- الستينيات الميلادية. وكم كانت خيبة أملي كبيرة لشح المعلومات عنه، ولم يُجد البحث في “موسوعة الأدباء السعوديين” التي نشرتها دارة الملك عبدالعزيز في ثلاثة أجزاء- ومعظمهم كُتَّاب- ولا “موسوعة الأدباء والكتاب السعوديين خلال ستين عاماً” التي أصدرها نادي المدينة المنورة الأدبي في ثلاثة أجزاء عام 1412 هـ (1992 م)،- وياسين طه ابن المدينة المنورة- ولا تلك الموسوعة القديمة- “الموسوعة الأدبية” التي أصدرها عبدالسلام طاهر الساسي- وهو أحد مجايلي ياسين طه قبل ستين عاماً-، وأعاد نادي الطائف الأدبي طباعتها في ثلاثة أجزاء أيضاً عام 1400 هـ، وتَوَقَفَت عند حرف (العين). وكل تلك الموسوعات تعاني من فجوات ملحوظة... ولم تُجْدِ كذلك تلك المقابلة التي أجراها الدكتور عمر الخطيب مع ياسين طه والتي احتلت صفحة كاملة في جريدة “المدينة”، المنشورة في العدد 1838، في 17 شوال 1384 هـ، الموافق 18 فبراير 1965 م، ولا لجوئي لاثنين من الباحثين البارزين في مجال البحوث الثقافية والإعلامية التاريخية في المملكة. وقد تكون المعلومات عن يس طه متوفرة بوفرة في مكان ما، مما أجهله الآن، فلعل من لديه معرفة بها يكتب عنها. نبذة عن سيرته ولد بالمدينة المنورة وتلقى تعليمه فيها، حسبما ذكر هو في مقال في “البلاد”- العدد 802، في 15/4/1381 هـ، الموافق 25/9/1961 م، تضمن في جزئه الأخير رثاءً لصديقه كاظم برَّادة؛ ورد فيه: “نشأنا في حي واحد في المدينة المنورة.. ودرسنا معاً في مدرسة واحدة.. وتخرجنا في يوم واحد”. والتحق بالعمل في وزارة المالية موظفاً في مكة المكرمة ثم مديراً لمالية أملج وعمره 22 عاماً. ويذكر حمد الجاسر في مذكراته “من سوانح الذكريات”، ص. 530.- أن ياسين طه كان في عام 1357 هـ، الموافق 1938 م مديراً لمالية مدينة ظِبا (ضِبا) وجماركها، إذ ذكر أنه- أي الشيخ حمد- تظلم للدولة- وكان حينها قاضياً لظٍبا- من أن “راتب القاضي الشهري من قضاة الشمال- تبوك والوجه والعلا وظِبا- أربعون ريالاً، بينما راتب مدير مالية ظِبا وجماركها ياسين طه ستون ريالاً ومثله راتب مدير مالية الوجه...”. وبعد انتهاء الحرب العالمية الثانية نقل للعمل مفتشاً في مالية مكة المكرمة، مُكلفاً بالعمل في “هيئة تفتيش وإصلاح على البعثات السعودية بمصر، المكونة من محمد شطا- معاون مدير المعارف العام والحاصل على شهادة الدكتوراه من جامعة الأزهر عام 1351 هـ، الموافق 1932 م- وحمزة المرزوقي- أول أمين عام لمجلس الوزراء لاحقاً- وإبراهيم السوَيِّل- وزير الخارجية ثم الزراعة لاحقاً...- وياسين طه”؛ حسبما ذكرت صحيفة “أم القرى”، في العدد 1127، الصادر في 9 ذو القعدة 1365 هـ، الموافق 4 أكتوبر 1946 م، ثم أصبح يتردد على مصر بين حين وآخر للتفتيش على “ البعثات السعودية” وهي البعثة التعليمية السعودية في مصر التي تشرف على شئون المبتعثين السعوديين... حتى شهر صفر 1369 هـ، الذي عين فيه مديراً لمطبعة الحكومة؛ وهي المطبعة التي تتولى طباعة الصحيفة الرسمية “أم القرى” والتقويم السنوي وكل ما يخص مستلزمات المعاملات الحكومية، وما تكلف بطباعته من وثائق الدولة. وعن هذا التعيين الذي شكل نقلة لياسين طه إلى عالم الطباعة ثم الصحافة لاحقاً، قالت “البلاد السعودية” في العدد 878، في 1 ربيع الأول 1369 هـ، الموافق 21 ديسمبر 1949 م: “صدر قبل بضعة أيام قرار وزارة المالية بترقية الأستاذ السيد ياسين طه سكرتير اللجنة المالية وتعيينه مديراً لمطبعة الحكومة على أن ينقل مديرها السابق الشيخ عادل كردي إلى وظيفة أخرى. والسيد ياسين شاب معروف بنشاطه وكفاءته فنهنئه ونرجو له التوفيق. وكما نرجو لفن الطباعة- الذي ما يزال يحبو في بلادنا- أن يجد من المدير الجديد عناية فائقة.. يكون من أول مظاهرها ألا تطبع أي مطبوعات حكومية أو أهلية خارج القطر. وليس ذلك بالأمر العسير تحقيقه في عام واحد طالما أنه مُمَتَّعٌ بالعطف والتشجيع من المسؤولين...”. ويبدو ان أولى خطوات هذا التطوير الذي تمنته “البلاد السعودية” ما أوردته صحيفة “المدينة” في خبر يقول- العدد 341، في 8 شعبان 1369 هـ، الموافق 25 مايو 1950 م-: “وصل المدينة الأستاذ يسين طه مدير مطبعة الحكومة وقد علمنا أن المطبعة ستستورد مطابع لطبع الألوان وأن مقرها سينتقل إلى مكان أوسع في أجياد بمقر وزارة المالية ليتسنى تحقيق جميع أهداف هذه المطبعة التقدمية”. وفي أخبار متفرقة حتى عام 1378 هـ ما يفيد بأن ياسين طه استمر مديراً لمطبعة الحكومة، وربما بعد ذلك بقليل. ولم أجد له قبل عام 1380 هـ أي مقال منشور في الصحافة السعودية. الانتقال من الطباعة إلى الصحافة كان ياسين طه قد استهل إسهامه في الصحافة بالكتابة في صحيفة “البلاد” عام 1380 هـ، قبل أن يتفق معه مالكا امتياز الصحيفة “الشركة العربية للطبع والنشر” وحسن عبدالحي قزاز على العمل مديراً للتحرير فيها، في جمادى الأولى 1381 هـ، الموافق لأكتوبر 1961 م؛ إلى جانب رئيس تحريرها آنذاك الأديب الشيخ محمد حسين زيدان. وبحكم أن ياسين طه كان مديراً لمطبعة الحكومة قرابة عشر سنوات- أي متوافراً على خبرة طويلة في مجال الإدارة والطباعة-، وأن تعيينه فيها أتى بعد حوالي الشهر من انفصال سوريا عن مصر في 28 سبتمبر 1961 م، فلا يستبعد أن عمله في الصحيفة التي كانت تطبع آنذاك في “مطابع دار الأصفهاني وشركاه” كان مرتبطاً باحتمالية وقوع أزمة في طباعة الصحف إذا ما سحب نظام عبدالناصر الفنيين والعمال المصريين من تلك المطبعة ومن المطابع الأخرى في المملكة. وبالفعل وقعت تلك الأزمة في تلك المطبعة وفي مطابع أخرى وتم علاجها سريعاً، إذ سرعان ما تعوقد مع فنيين وعمال طباعة من سوريا ولبنان ويسرت الدولة سهولة التعاقد معهم وقدومهم للمملكة في وقت وجيز، وقام وزير العمل والعمال آنذاك الشيخ ناصر المنقور بجولة على المطابع وتفقد أحوالها في شهر رجب 1381 هـ، الموافق لشهر يناير 1962 م، الأمر الذي يسَّرَ تلبية احتياجاتها على نحو أسرع من المتوقع. استمر يس طه مديراً لتحرير “البلاد” ستة أشهر- حتى شهر ذي القعدة 1381 هـ، أبريل 1962 هـ، ونشر له في الصحيفة مقالات عديدة لا يبالغ المرء إذا ما قال إنها أماطت اللثام عن كاتب متميز ذو أسلوب جذاب يجمع بين جمال العبارة والبلاغة، والظرف- وأحياناً السخرية- والدبلوماسية. وفوق كل ذلك: الشجاعة وحسن إيصال المقصود للدولة وللقراء، خصوصاً في عموده المعتاد “في الأذن”. وتميزت مقالاته بالعناوين الجاذبة التي كان يختارها هو، مثل “قتلوه” الذي يعلق فيه على مصرع أمين عام الأمم المتحدة داج همرشولد، و”واوقتاه”، و”أبو تراب في الشنطة”، ويقصد به خبير اللغة العربية المشهور أبو تراب الظاهري، والمقال الذي سيرد ذكره لاحقاً، وغيرها. نماذج من مقالاته زار ثلاثة من ممثلي الصحف السعودية الهند بدعوة من حكومتها لمدة ثلاثة أسابيع، بدأت في 26 ربيع الثاني 1380 هـ، الموافق 17 أكتوبر 1960 م؛ وهم علي حافظ، رئيس تحرير صحيفة المدينة وأحد صاحبيها، وصالح محمد جمال مالك امتياز صحيفة “الندوة” ورئيس تحريرها، وياسين طه مدير تحرير صحيفة البلاد. وخلال تلك الزيارة التقى الوفد برئيس وزراء الهند جواهر لال نهرو وبعدد من كبار مسؤوليها، وقاموا بجولة في عدد من مدنها وولاياتها. وعن تلك الزيارة كتب ياسين طه في الصفحة الأخيرة من العدد 614، في 20 شعبان 1380 هـ، الموافق 6 فبراير 1961 م- مقالاً طويلاً عن زيارة الوفد لعدد من ولايات جنوب الهند سرد لما شاهدوه في منشآتها العلمية والصناعية والبحثية والزراعية...، رافقهم خلالها القائد العام السابق للقوات المسلحة الهندية، الذي كان يكثر من عبارة “أنا هُبَك أَرَب” أي “أنا أحبكم أيها العرب”، وذلك تعبيراً عن سعادته بمرافقة الوفد واحتفائه بهم وتباهياً بالقليل مما كان يعرفه من اللغة العربية. وجعل ياسين طه عنوان مقاله الممتع هذا “أنا هُبّك أرب”، واختممه بالعبارة التي ودعوا فيها مرافقهم وهي: “أنا هبك هَنُود”. الأهمُ من ذلك هو العمود القصير الذي تطرق فيه إلى لقائهم مع نائبة وزير خارجية الهند مسز لاكشمي مينون، الدبلوماسية التي وصفها بأنها شعلة من الذكاء والحيوية والتوثب. وكان صلب موضوع العمود عن وضع المرأة السعودية، في وقت كان تعليم المرأة وعملها موضوعاً يثير حساسية في بعض أوساط المجتمع وفي وقت كانت التعليم النظامي للبنات في المملكة قد بدأ للتو. واقتطف من هذا المقال الفقرات الآتية: “في عصر يوم 21 أكتوبر 1960 حددت لنا مقابلة مع نائبة وزير الخارجية الهندية... في مبنى وزارة الخارجية... واستقبلتنا في غرفتها المتواضعة. أول ما سألتنا عن حالة المرأة في بلادنا.. قلت لها: اطمئني فإنها بخير. قالت: ولكنها لا تعمل. قلت: بل تعمل.. إنها تؤدي لنا أجل الخدمات وأسماها. قالت: في البيت؟ قلت: نعم. قالت: ولماذا لا تتيحون لها العمل في المرافق العامة؟ قلت: لأننا لا نريد أن نتعبها مرتين. وظهر على وجهها شيء من القناعة.. وشيء طمأنها على زميلاتها في بلادنا.. بعد أن تأكدت من أننا نحترم المرأة” وبقية المقال تطرقت إلى علاقة الهند مع إسرائيل، إذ يقول: “سألتها عن علاقة الهند بإسرائيل. ولما أجابت عرفت أن السياسة في الهند مرسومة، وليست مرتجلة، فقد كان جوابها مثل جواب الرئيس نهرو، إلا أنها زادت بقولها: إن عدم تبادل التمثيل مع إسرائيل كان إرضاءً للعرب... وشعرت بأني أحرجتها بسؤالي... كان جوابها متقطعاً، متردداً تخللته فترات صمت... ثم استردت ثقتها.. وقالت: أنا صريحة ويعرف البرلمان الهندي عني هذه الصراحة، فهل تسمح لي بسؤال؟ قلت: سلي يا سيدتي عما شئت؛ قالت: ما نوع مساعدة المملكة... في مشاكلنا.. لا سيما مشكلتنا مع الصين الشيوعية؟ قلت: إن موقف المملكة من قضايا الهند معروفة بالتأييد المطلق، أما مشكلتكم مع الصين الشيوعية فالمملكة السعودية لم تعترف بالصين حتى الآن... وانتهت الزيارة.... وهكذا تشارك المرأة الهندية في بناء الهند فهي تعمل في كل الأعمال، من عاملة في رصف الطرق إلى مديرة إلى نائبة وزير إلى وزيرة ...”. أما ما كتبه ياسين طه واستدعى توجيه مدير عام المديرية العامة للإذاعة والصحافة والنشر جميل الحجيلان للتحقيق معه فكان فيه ما أعتقد أنه تعريض بالدولة وسخرية منها. ورد ذلك في المقال الرئيس في الصفحة الأخيرة من الصحيفة، التي كانت تخصص للمقال الأهم في الصحيفة. كان من عادة ياسين طه أن يقسم مقاله إلى موضوعين، موضوع رئيس وموضوع فرعي. المقال الرئيس في العدد 632، في 12 رمضان 1380 هـ، الموافق 27 فبراير 1961 م، كان “السرية في مصروفات أرامكو!!”، وورد فيه موضوع فرعي عنوانه “العدد في الليمون”، قال فيه: “سمعنا ونسمع عن المشاريع الكثيرة.. كل يوم يجتمع فيه مجلس الوزراء.. تذاع فيه عدد من المشاريع وأسمائها.. مجرد أسماء، ومشاريع. صحيح أن هذه المشاريع تحتاج إلى كثير من الدراسة وإلى كثير من الخبرة والنضج في الفهم. ونحن حين نسمع ذلك كلنا أمل في أن نرى ما سمعنا وقد تحقق. نرى المشاريع وقد ترجمت ترجمة تنفيذية فإذا هي أعمال قائمة واقعية نلمسها ونحس بوجودها. ذلك أمل لا نشك في تحققه إن شاء الله.. ما دام المسؤولون وعلى رأسهم جلالة الملك المعظم حريصين على نفع هذه البلاد. بقي أن نعرف أن المشاريع لا تكون نافعة بكثرة عددها، “فالعدد في الليمون” كما يقولون. فمشروع واحد نافع قائم ملموس أحسن بكثير من عدة مشاريع ليست قائمة.. إلا بالأسماء فقط. إنه مشروع الإذاعة. يجب أن نسمع صوتنا للعالم كله...”. وبعد نشر المقال طلب من الحجيلان التحقيق مع ياسين طه، ويقول الحجيلان في مذكراته التي ورد عنوانها في بداية هذا الحديث- ص ص. 274-275 من الجزء الأول، وتحت عنوان “كادت أن تكون أزمة ثالثة”: “بادرت إلى السعي لاحتواء الموقف، وإجهاض محاولات السعي بالسوء، قبل أن يفلت الأمر من يدي، فرددتُ على الكاتب، في اليوم التالي لنشر مقاله، بمقال أفند فيه ما أتى عليه، وأدعوه، بعبارات فيها شيء من الحدة (وأقول شيئاً من الحدة كي أحميه من تداعيات مقاله)، وناشدته التوخي في البحث الموضوعي، وألا يلوذ، في كتاباته، خلف عبارات عامة، غامضة، تربك ولا تفيد. وبعد أن يورد الحجيلان نص الرد الذي نشر في العدد التالي للعدد الذي نشر فيه مقال ياسين طه يختم بالقول: “انتهى الأمر بسلام، بعد ليالٍ من القلق، مما قد يتعرض له الأستاذ ياسين طه، الكاتب المحب لوطنه”. وبالفعل كان ياسين طه كاتباً محبا لوطنه وساعياً إلى اصلاح ما كان يراه معوجاً من الشأن العام. والمثال الآخر على ذلك المقال الشجاع الذي نُشر بعد بضعة أشهر من “المقال الليموني”، وكان موضوعه عن احتكار الأراضي في كورنيش أبحر، متنفس سكان جدة ووجهة زوارها، وفيه استهجان ضمني لتصرف بلدية جدة. نشر المقال في العدد 844، 5 جمادى الثانية 1381 هـ، الموافق 13 نوفمبر 1961 م، وورد فيه: “متنفساً.. يا رب. متنفساً.. في المرافق العامة.. لا سيما على شاطئ البحر. حسبي وحسبك.. أن المتعارف عليه منذ قديم الزمان أن المرافق العامة حق للجميع.. تماماً كالهواء والماء. كالهواء يستنشقه الانسان دون ما رقابة.. أو حواجز مصطنعة. وكالماء يشربه الإنسان عندما يعطش.. في أي وقت.. وأينما كان. والمرافق العامة كالطرق والشوارع والميادين وما إليها.. كلها كالماء والهواء بالنسبة لجميع الناس. هذه المرافق لا يمكن لأحد أن يمتلكها.. أو يتملك جزءً منها. ومن هذه المرافق شواطئ البحر في جدة.. وأعني منطقة أًُْبحُر. هذا المرفق الذي يعتبر المتنفس الوحيد في جدة.. المتنفس الوحيد الذي يستروح الناس فيه. باعته البلدية.. إن لم يكن كله فأكثره.. وأصبح مملوكاً.. وأخذت الأسوار ترتفع حتى سدت أكبر مساحة من الشاطئ.. إن المتنزهين الآن انما يتنزهون من وراء الأسوار.. لا يرون البحر.. ولا يستنشقون هواء البحر كما يجب. إننا نطالب بحماية هذا المرفق من التملك باعتباره متنزهاً. ونحن حينما نطالب بذلك انما نضع البلدية أمام المسؤولية.. ونرجو منها تقدير هذه المسؤولية.. مسؤولية خنق المتنفســـات الشعبية. ولعل ما سمعناه من سمو أمير منطقة مكة يجعلنا نطمئن إلى تحقيق التنظيم المطلوب إن شاء الله. يس طه”. لم يتعرض ياسين للمساءلة بسبب هذا المقال المخلص الشجاع، الذي لم يطرق موضوعه أحد من الكتاب في تلك الفترة، لا قبله ولا بعده. وتبقى تلك الزيارة التي قام بها إلى الباكستان مع حمد الجاسر وأحمد محمد جمال، ممثلين للصحافة السعودية، حسبما ورد في صحيفة “الندوة”- العدد 879، في 20 جمادى الثانية 1381 هـ، الموافق 28 نوفمبر 1961 م-، حيث قالت: “من المقرر أن يسافر غداً إلى باكستان الوفد الصحفي السعودي الذي اختارته المديرية العامة للإذاعة والصحافة والنشر ووافق عليه مجلس الوزراء وهو مؤلف من حمد الجاسر وأحمد محمد جمال وياسين طه”. ونشرت “البلاد” خبراً عن الزيارة يتضمن برنامجاً فخماً- بل باذخاً- للزيارة التي دامت أسبوعين- من 30 نوفمبر إلى 15 ديسمبر 1961 م- وتضمنت لقاءًات مع رئيس الجمهورية وعدد من الوزراء- ومن ضمنهم وزير الخارجية- ومسؤولين وحكام مناطق؛ وجولة على عدد من المدن وزيارة لشرق باكستان- بنغلاديش حالياً-. وسبق هذه الزيارة بعشر سنوات زيارة مندوب صحيفة “أم القرى” ورئيسا تحرير “البلاد السعودية” و”المدينة” بدعوة من حكومة الباكستان أيضاً، وقد أعد لتلك الزيارة أيضاً برنامج شامل وحافل؛ وكتب عنها رئيسا تحرير الصحيفتين ما يملأ صفحات مجلد كبير. بعكس هذه الزيارة التي شارك فيها ياسين طه، والتي لم يكتب عنها شيء في “الندوة” او “اليمامة”. فقد كتب يس طه مقالاً طويلاً في الصفحة الأخيرة من “البلاد”- العدد 875، في 9 رجب 1381 هـ، الموافق 17 ديسمبر 1961 م- بعنوان “صراحة الرئيس أيوب خان”، تطرق فيه إلى ما قيل خلال لقاء رئيس الباكستان محمد أيوب خان مع أعضاء الوفد الثلاثة في مكتبه بالقصر الجمهوري. فبعد حديث عام استفسر فيه الرئيس عن صحة الملك سعود- وكان رئيس الباكستان قد زار المملكة في نوفمبر 1960 م، قبل سفر الملك للعلاج خارج المملكة- وتطرقه إلى قضتي كشمير وفلسطين، وجه له ياسين طه سؤالين؛ أجاب عنهما الرئيس، ولكنه طلب منه بعد انتهاء المقابلة عدم نشر إجابته عليهما. وهنا وقع ياسين طه في ورطة؛ حاول التغلب عليها في نهاية مقاله بقول الآتي: “... وقبل أن تنتهي المقابلة وجهت للرئيس سؤالين. أحدهما داخلي يختص بباكستان وحدها، والثاني خارجي...؟ وقد أجاب الرئيس على السؤالين بصراحة تامة. وكنت وأنا استمع لإجابة الرئيس سارحاً بخيالي.. أتصور مدى الأثر الذي سأُحدِثه في نفس القراء عندما يقرأون حديثي مع الرئيس في “البلاد”. وفرحت كثيراً بهذا المكسب.. وأخذت أتململ في جلستي، وتمنيت لو أن المجلس انفض.. لأذهب وأكتب الحديث برقياً. ولكن.. انتهت المقابلة ووقف الرئيس أيوب خان يودعنا. وقبل أن أنصرف قال: إن جوابي على السؤالين ليس للنشر. وبُهِتُ.. وانهار كل ما بنيته في خيالي. ووجدت نفسي بين أمرين: إما أن لا أَعِدْ وحينئذ تكون (جليطة) مني.. وأكون قد تسببت في إيجاد موقف محرج لا يليق حدوثه في مجال كهذا. وإما أن أعد وحينئذ أكون قد فَوَّتُ على القراء شيئاً مهما، يقتضيني الواجب ألا أكتمه عنهم... وقلت بمرارة: أعدك أن لا أنشر شيئاً منه، وخرجنا من قصر الرئاسة ولم أًعِ كيف وُدِّعنا. ووسوس لي الشيطان. ان مهنة الصحافة تجعل الإنسان في حٍِلٍ مما وعد، ولم أستسغ هذا الإيحاء، فأنا لست في حِل أن أُخلِف ما وعدت...”. وخلال تلك الزيارة، قابل أعضاء الوفد وزير الخارجية، كما ورد آنفاً. ووقع خلال اللقاء موقف محرج رواه لي الشيخ حمد الجاسر في لقاء معه عام 1991 م- وسبق أن تحدثت عنه في مقال سابق؛ تطور بعد خروج الأعضاء الثلاثة من القصر الجمهوري بما يشبه المُشادة بين اثنين منهم. إذ سأل أحد أعضاء الوفد وزير الخارجية خلال المقابلة: لماذا لا تطلقون سراح الشيخ أبو الأعلى المودودي من السجن. ورأى أحد أعضاء الوفد أن في ذلك عدم احترام لمضيفيهم وتدخل في شئونهم الداخلية. وكان المودودي قد سُجن بسبب تزعمه حملة لتأييد ترشيح الطبيبة فاطمة علي جناح- أخت محمد علي جناح أول رئيس للباكستان بعد انفصالها من الهند- ضد محمد أيوب خان. وكانت وجهة نظر الشيخ في مناصرته لفاطمة علي جناح أن الإسلام يشترط في الحاكم توفر أمرين: الدين والذكورة، وفي رأيه أن محمد أيوب خان ذكر ولكن ليس لديه دين، بينما المرشحة التي يناصرها أنثى ولكنها ذات دين، ودين الإنسان مقدم على جنسه... ومن العجيب أن الحزب الشيوعي في السودان استند إلى هذا الرأي في تبنيه لحملة ترشيح “فاطمة” أخرى للفوز بعضوية البرلمان- ترشيحها بصفتها امرأة-، وفاطمة هذه هي عضوة اللجنة المركزية في الحزب فاطمة أحمد إبراهيم التي فازت بعضوية البرلمان في انتخابات عام 1965 م. توفي السيد ياسين طه- رحمه الله- في يوم الأربعاء 18 شعبان 1426 هـ، الموافق 22 سبتمبر 2005 م؛ ولم أجد مما كتب عن وفاته إلا مقالاً واحداً نشر في جريدة “البلاد” بعنوان “السيد ياسين طه.. فارس الكلمة”، بقلم الكاتب مصطفى محمد كتوعة، وهو مليء بمشاعر المحبة تجاهه والاعتراف بفضله والثناء عليه؛ ولكنه- أي المقال- لا يتضمن معلومات تضيف إلى القليل الذي عرفته عنه؛ ولم أستطع معرفة رقم العدد الذي نشر فيه ولا تاريخ النشر. ولعل من لديه معلومات تضيف إلى ما تقدم أن يتفضل بنشرها قريباً.