الصحفي الذي أصبح وزيرا للإعلام وأمينا لمنظمة التعاون الإسلامي..
إياد مدني: حاولت اجتياز المسافة بين ما هو مثالي وما هو ممكن.
يطل معالي السيد إياد أمين مدني في المشهد المحلي بتجربة مهنية وإعلامية نادرة، بدأت “من بلاط صاحبة الجلالة” صحافيًا وكاتبًا. تدرج في العمل الصحفي حتى تولى رئاسة تحرير “سعودي جازيت” ثم مديرا عاما لمؤسسة “عكاظ” للصحافة والنشر، قبل أن ينتقل إلى العمل العام عضوًا في مجلس الشورى، ثم وزيرًا للحج، ووزيرًا للثقافة والإعلام، وصولًا إلى أمانة منظمة التعاون الإسلامي؛ ليجمع في مسيرته بين الصحافة والإدارة والعمل الوزاري والعمل الدولي، وكان أول سعودي يتولى أمانة المنظمة منذ تأسيسها. وإلى جانب هذه المسيرة، ظل معاليه قريبًا من الكتابة والتأليف؛ فأصدر عددًا من الكتب التي تلتقي فيها تجربته الصحفية بأسئلته الفكرية وقراءته للتحولات، من بينها “سن زرافة”، و”من بلاط صاحبة الجلالة”، و”حكاية سعودية: قراءات ووقفات بحثًا عن الوعي”، الذي صدر باللغة الإنجليزية، متجاوزًا في بنيته حدود السيرة الذاتية إلى محاولة لقراءة تحولات الهوية والوعي لدى جيل تبلورت رؤيته في ستينات القرن الماضي. هنا حوار خاص نستعيد فيه مع معالي السيد إياد مدني سنوات العمر بوصفها محطات في رحلة طويلة بين الصحافة والسياسة والثقافة والعمل الدولي، ويكشف من خلاله أن الترجمة العربية لكتابه “حكاية سعودية” ستصدر خلال الأسابيع القادمة، لتتيح للقارئ العربي الاقتراب من تجربة كتبها أصلًا بالإنجليزية، واتخذ فيها من سيرته الشخصية سياقًا لأسئلة أوسع حول الهوية العربية والإسلامية والسعودية، وعلاقتها بالسردية الغربية المهيمنة. *نشأت في بيت غير عادي جمع بين الصحافة والتاريخ، وبين الوعي الاجتماعي المبكر؛ الوالد هو المؤرخ والأديب والصحفي الرائد الأستاذ عبد الله أمين مدني والوالدة هي السيدة نثار يحيى زكريا التي كانت تكتب في الصحف، وتحرر باباً لتقديم النصح للنساء. كيف أثرت هذه البنية في وعيكم المبكر؟ وكيف تصف هذا المزيج الفكري الذي شكل وعيك الأول؟ -الحقيقة أن البنية التي تتحدث عنها تجسدت في سياق أشمل، وهو مجتمع المدينة المنورة؛ وكان مجتمعاً متديناً بحكم جوار مسجد الرسول عليه الصلاة والسلام. قبر الرسول عليه الصلاة والسلام لم يكن في وعينا العام مجرد مزار، بل حضور ماثل أمام كل من سكن المدينة المنورة، وكانت جميعها تلتف حول الحرم وخدمة من جاءوا مُسلِّمين على الرسول مصلين في مسجده. كذلك مثل المسجد منارة علم بحلقات مشايخه ومكتبته وما يحيط بها من مكتبات عامة وخاصة عرفت بها المدينة المنورة، وبها تعلم ودرس جيل والده وعمه، ومن خلالها تجذرت صلتهما بالعلم والتحصيل، وحل الكتاب وجودا دائما في أرجاء البيت. حتى أمه التي أتقنت الكتابة والقراءة بفضل تربية والدها، كانت تجمعهم حول “منقل” الجمر الذي تنغرس في رماده حبات الكستناء (أبو فروة) صبية الدار ونسوته لتقرأ عليهم مقاطع من سيرة عنترة بن شداد وأبي زيد الهلالي. كما كانت المدينة المنورة بيئة محافظة بحكم التصاقها بالنشاط الزراعي. كان الوالد يعود من عمله حول الثانية ظهراً، لنتغدى سوية، وبعد قيلولة وصلاة العصر، كنا نرافقه إلى مزرعة العائلة أو “البلاد”، مثله مثل كثير من أرباب الأسر. والفلاحة تعلم الصبر والقبول والرضا بأحوال الطقس، كما أن للمَزارِع ثقافة وشبكة علاقات إنسانيّة تخصها تشربها منذ تلك السنون الغضة. كما كانت المدينة بيئة قبول اجتماعي. ففيها اجتمع من عادوا إلى بلادهم بعد غياب امتد منذ فتوحات الإسلام الأولى؛ ومنهم من جاء طالباً للعلم في مسجد الرسول واستقر فيها، ومنهم من جاء هارباً من التفرقة ضد المسلمين في بلاده. كما أن نسيج المدينة الاجتماعي شمل مذاهب متعددة تعايشت سوية في الأحياء والأسواق والمدارس وطلب الرزق؛ كما استقرت بالمدينة أسر نزحت من القصيم؛ ومن محيطها الجغرافي المباشر. وكل ذلك أسس لقيمة كبرى، وهي قيمة القبول الاجتماعي. كان البيت الذي ضم والده وأسرة عمه عبيد مدني يقع في إحدى أسواق المدينة المنورة التي تغص بباعة الأقمشة والصاغة والعطارين؛ والطريق لمدرسته يمر بساحة باب السلام، البوابة الرئيسة للمسجد النبوي الشريف، والطريق للمزرعة بساحة باب المصري، أحد أبواب السور الذي كان يحيط بالمدينة؛ وكلاهما كانا يزدحمان بالباعة المتجولين، ومحلات بيع الحبوب والألبان على أطرافهما. والسوق بصخبه وضجيجه، وبيئة البيع والشراء والاستهلاك التي تتجسد فيه، كان مشهدا يعيشه في صباحه ومسائه. ذلك كان المجتمع الذي مثلت أسرته نموذجا له؛ وفيها نشأ وترسخت قسماته في نفسه. المناخ المتوهج *أنت ابن المدينة المنورة الذي ولد في مكة المكرمة، وعاش في مجتمعات مختلفة نوعا ما: فبخلاف المدينتين المقدستين، هناك جدة، القاهرة، الرياض، أريزونا الأمريكية، ومدن أخرى، كيف تصف الأثر الذي تركته هذه المجتمعات داخلك وجدانا وثقافة وفكرا؟ ممن هذه المدن غيّرتك، ومن منها هزتك؟ ماذا أخذت منها؟ وماذا تركت فيها؟ -لا شك في أن الأمكنة تغرس في النفس أثراً باقياً، بحراكها المجتمعي، ومرحلة العمر التي يعيشها المرء في كل منها. مكة المكرمة كانت موطن الولادة وسنوات الطفولة الأولى، ولا أذكر من تلك السنوات سوى تلك السيدة العجوز التي كانت تؤكد لنا أن منزلنا “مسكون” وكانت – رحمها الله – توقفنا أحياناً ونحن نلهو في ردهات الدار، أن قفوا حتى يمر “أسيادها” من الجن. المدينة المنورة هي الأثر الأبقى فهي موطن الأسرة منذ الأجداد، وبين مسجد الرسول عليه الصلاة والسلام، وآلاف الزوار، ومزارعها وصيفها ونخلها وأسواقها تكونت سمات الهوية الأولى؛ وما زالت هي المرفأ ومحطة الوصول الذي يشعرني بالطمأنينة والسكينة والسلام، وثراء الوطن. القاهرة عشت فيها سنوات المراهقة الأولى حيث شد الوالد – رحمه الله – الرحال إليها بحثاً عن المصادر والمكتبات والمؤرخين ممن شكلوا روافد لمشروع كتابة عن “العرب في أحقاب التاريخ”. وقاهرة أواخر خمسينات وأوائل ستينات القرن الميلادي الماضي كانت تموج بالنشاط الثقافي كتبا وإصدارات وفنون. سنوات الدراسة في الولايات المتحدة الأمريكية كانت سنوات فارقة، فقد كانت المسافة بين المجتمعين في مطلع ستينات القرن الميلادي الماضي، أشبه ما تكون بتجربة معيشية مختلفة في أشكالها وفي جوهرها. كما أن سنوات الشباب هي فترة يمر بها الإنسان في مرحلة انطلاقه وتساؤلاته. فهناك أنصت لمارتن لوثر كنج، أحد أهم زعماء حركة المطالبة بالحقوق الأساسية للمواطنين الأمريكيين من أصول أفريقية، وهو يلقي خطابه الشهير “لأحدثكم عن حلمي” أمام عشرات الألوف في واشنجتن العاصمة، دعا فيه مواطنيه أن يعملوا بعيدا عن العنف، ولكن بدأب لا يهادن ولا يلين من أجل حقوقهم، محذرا أن لا تتلبسهم ثقافة “الضحية” التي لا تملك من أمرها شيئا، بل أن يكون إحساسهم بالمهانة والألم هو منطلقا للعمل على تغيير واقعهم. وكانت المنظمات الطلابية، على شاكلة «طلاب من أجل مجتمع ديمقراطي»، و«حركة حرية التعبير»، ومجموعات الحقوق المدنية للأمريكيين الأفارقة، تؤمن إيمانًا راسخًا أنها قادرة على تغيير العالم. بل وحتى حركة الهيبيز، كانت في جوهرها تعبيرًا عن رغبة عميقة في التغيير. كان الطلاب الأمريكيون من الطبقة المتوسطة، المستقرّة ماديًا، والمتفوقون دراسيًا في جامعات مرموقة، يتركون مقاعد الدراسة ببساطة، احتجاجًا على نمط مجتمعهم، ويجوبون العالم بحثًا عن المعنى الحقيقي لحياتهم. ولم يقتصر الأمر على الولايات المتحدة؛ في عام 1968م، شهدت فرنسا وألمانيا لحظة نادرة من التكاتف، وقف فيها الطلاب والمثقفون والمزارعون والعمال جنبًا إلى جنب للمطالبة بنظام جديد. في مثل تلك الأجواء، لم يكن بوسعك إلا أن تهتم، وأن تشارك، وما كان بوسعك إلا أن تنجذب إلى تلك اللحظة، وإلى ذلك المناخ المتوهج الذي شكل في الوعي بعدا يتسع لنظرة أوسع عن الذات والعالم الذي يتشكل من حولها. أما جدة والرياض؛ ففيهما سنوات النضج وتحديات العمل واجتياز المسافة بين ما هو مثالي وما هو ممكن. حكاية سعودية *بعد سنوات من كتابة “حكاية سعودية”، كيف تقرأ اليوم تلك التجربة التي اخترت أن تكون فيها “ذاتك” مجرد سياق لقراءة الواقع؟ - ظهر كتاب “حكاية سعودية/ قراءات ووقفات بحثا عن الوعي، قبل ثلاث سنوات؛ باللغة الإنجليزية طموحاً في الوصول إلى القارئ الذي يتحدث بها. وتصدر ترجمته باللغة العربية خلال الأسابيع القادمة بإذن الله. وجوهر الكتاب هو محاولة لفهم السردية الغالبة في عالم اليوم، السردية التي تجمع بين الليبرالية والديموقراطية والرأسمالية في سياق واحد؛ ويطرح الكتاب تساؤلاً أساسياً: هل بوسع المنتمين إلى العالم خارج الغرب، أن ينسجوا صيغة تجمع بين هويتهم وثقافتهم ومجموعة قيمهم، وفهمهم الخاص للتاريخ – وبين السردية الغربية المهيمنة، التي يقوم اقتصادها على الرأسمالية، وتستند سياستها إلى الليبرالية، وتؤسس مجتمعها على فردانية لها قرار الأخلاق، وتدعي أن بها يتحقق التقدم؟ وكيف أن محاولة الإجابة في حالته، اقتضت التنقيب وسبر الأغوار بحثاً عن جوهر إيماني يتشبت به، ويعلنه بديلاً يتبناه؛ وأن تمتد حفرياته إلى أخص مكوناته: أن يكون عربياً – فأي عربي؟ وكونه مسلماً – أهو مسلم تقدمي، أم مسلم تقليدي؟ أم هو مسلم فحسب؟ وما الذي يميز هويته كسعودي عن كونه عربياً ومسلماً. منظمة التعاون الإسلامي *أنت أول سعودي يصبح أمينًا عامًا لمنظمة التعاون الإسلامي، كيف تصف تلك المسؤولية التي نهضت بها؟ ما الذي تتذكره من السنوات الثلاث التي قضيتها مسؤولا عن المنظمة؟ - تجربة العمل في منظمة التعاون الإسلامي، كانت تشريفاً، ومرحلة من أثرى مراحل مسيرتي العملية. والعمل كأمين عام للمنظمة لا يمكن النظر إليه كوظيفة، بل كرسالة ودور، وقناعة بإمكانية التعاون بين دول يجمعها إيمانها وثقافتها ومرجعيتها. المنظمة ليست كيانا دعوياً أو دينياً، بل تجمُّع سياسي بين سبع وخمسين دولة تمتد على قارات آسيا وأفريقيا وأوروبا وأمريكيا الوسطى. والتحدي الأساس هو كيف يمكن بلورة وتجسيد وتفعيل تلك الروابط والمصالح والتعبيرات الثقافية التي تجمع بينها؛ وكيف يمكن ترسيخ مكانة المنظمة كمنصة فاعلة للعمل السياسي ومواجهة الأزمات والبناء على المشتركات. سنوات العمر *ختاما، بعد هذه الرحلة الحافلة والمستمرة حتى الآن، ما الذي ذهب، وما الذي بقي؟ -الذي ذهب هو سنوات العمر. والذي بقي هو الإيمان برحمة الله، والحمد له سبحانه أن سخر للمرء أن يدلي بدلوه، ويبذل جهده في خدمة هذا الوطن الذي شرفه الله بخدمة الحرمين الشريفين، ومنَّ عليه نموذجاَ للأمن والسلام والطمأنينة والرفاه؛ وسخر له قيادة حكيمة مقدامة ومبصرة.