سورية.. أكثر من صراع نفوذ.
لم تعد سورية مجرد دولة تحاول الخروج من سنوات الحرب الطويلة، بل تحولت إلى ساحة تتقاطع فيها مشاريع القوى الإقليمية والدولية، وإذا كانت السنوات الماضية قد شهدت تنافسا بين موسكو وواشنطن، أو بين إيران وإسرائيل، فإن المرحلة الحالية تكشف عن معادلة جديدة يتصدرها التنافس التركي الإسرائيلي، وهو تنافس لا يدور حول سورية بحد ذاتها. اللافت أن أنقرة وتل أبيب لا تنظران إلى سورية من الزاوية نفسها، رغم أن كليهما يرفض عودة الفوضى الشاملة، فتركيا ترى أن استقرار سورية تحت سلطة مركزية صديقة يمثل مصلحة أمن قومي مباشرة، بينما تنظر إسرائيل إلى أي سلطة سورية قوية وقادرة على بسط نفوذها على كامل الأراضي باعتبارها تطورا يستحق الحذر، لأنها تفضل بقاء ميزان القوى على حدودها الشمالية خاضعا لحسابات يمكن السيطرة عليها ومنع تحوله إلى مصدر تهديد مستقبلي. بالنسبة لأنقرة، تغيرت الأولويات بصورة واضحة، فبعد سنوات ركزت خلالها على إسقاط نظام بشار الأسد، أصبحت الأولوية اليوم بناء علاقة استراتيجية مع دمشق الجديدة، انطلاقا من قناعة بأن الأمن التركي يبدأ من الداخل السوري، وتدرك القيادة التركية أن استمرار الفراغ الأمني يعني استمرار خطر التنظيمات المسلحة، وفي مقدمتها التنظيمات الانفصالية، إضافة إلى استمرار أزمة اللاجئين وتعثر مشاريع الربط الاقتصادي مع العالم العربي. ومن هنا، تعمل تركيا على ترسيخ حضورها السياسي والأمني والاقتصادي داخل سورية، باعتباره استثمارا طويل الأمد في بيئة تعتبرها جزءا من أمنها القومي، كما أن أنقرة ترى في إعادة إعمار سورية فرصة اقتصادية ضخمة، وفي استقرارها مدخلا لتحويل الأراضي السورية إلى ممر تجاري يربط الخليج بأوروبا عبر تركيا. في المقابل، تتحرك إسرائيل وفق حسابات مختلفة تماما، فمنذ سنوات، كان الهدف الإسرائيلي الرئيسي يتمثل في منع التموضع العسكري الإيراني داخل سورية ومنع نقل الأسلحة النوعية إلى حزب الله، لكن المشهد تغير بعد سقوط النظام السابق، فالتراجع النسبي للنفوذ الإيراني لا يعني بالنسبة إلى تل أبيب انتهاء مصادر القلق، بل بداية مرحلة جديدة عنوانها مراقبة النفوذ التركي المتصاعد. ويمكن القول، ان إسرائيل لا تنظر إلى تركيا باعتبارها عدوا عسكريا مباشرا، لكنها تنظر إليها باعتبارها القوة الإقليمية الوحيدة القادرة على ملء الفراغ الذي خلفه تراجع إيران وروسيا في أجزاء واسعة من سورية، وهذا ما يفسر الحساسية الإسرائيلية تجاه أي اتفاقات أمنية أو عسكرية بين دمشق وأنقرة، أو أي حديث عن قواعد عسكرية تركية أو برامج تدريب وتسليح للجيش السوري الجديد. ورغم هذا التنافس، فإن العلاقات التركية الإسرائيلية لا تزال محكومة بقدر كبير من البراغماتية، فالبلدان يحتفظان بعلاقات اقتصادية وتجارية واسعة، كما يدرك كل منهما أن الصدام العسكري المباشر سيكون مكلفاً وغير مرغوب فيه، وما يجري في سورية اليوم، هو تنافس مضبوط أكثر منه مواجهة مفتوحة. هذا لا يعني غياب الاحتكاك، فكلما توسع النفوذ التركي في الشمال السوري، ازدادت المخاوف الإسرائيلية من أن يتحول لاحقا إلى نفوذ يمتد نحو الجنوب، بما يغير معادلات الأمن على مقربة من الجولان السوري المحتل، وفي المقابل، تنظر أنقرة إلى الضربات الجوية الإسرائيلية المتكررة داخل سورية باعتبارها عاملا يعرقل استقرار الدولة السورية ويؤخر إعادة بناء مؤسساتها. ويزداد المشهد تعقيدا مع دخول الولايات المتحدة على خط التوازنات، فواشنطن لا ترغب في خسارة تركيا، العضو في حلف الناتو، ولا تريد في الوقت نفسه المساس بالتفوق الأمني الإسرائيلي، وتبدو السياسة الأميركية أقرب إلى إدارة التنافس بين الحليفين بدلا من الانحياز الكامل لأي منهما، مع السعي لمنع تحول سورية إلى ساحة مواجهة مباشرة بينهما. وفي تقديري، فإن واشنطن لا تسعى إلى حسم التنافس بين أنقرة وتل أبيب، فوجود قوتين حليفتين تتنافسان ضمن سقف المصالح الأميركية يمنح الإدارة الأميركية هامشا أوسع للمناورة ويحول دون انفراد أي طرف بإعادة تشكيل المشهد السوري، والتنافس بينهما في شق منه على من سيكون الشريك الأول لواشنطن في المشرق العربي. أما دمشق، فتسعى إلى استثمار هذا التنافس بدلاً من الوقوع ضحيته، فالسلطة السورية الجديدة تدرك أن تركيا تمثل منفذها الاقتصادي والسياسي الأهم نحو الغرب، لكنها تدرك أيضا أن أي تصعيد مع إسرائيل سيعقد جهودها للحصول على الاعتراف الدولي ورفع العقوبات واستقطاب الاستثمارات. و في المدى المنظور، يصعب تصور مواجهة تركية إسرائيلية مباشرة على الأراضي السورية، لأن كلفة هذا السيناريو ستكون مرتفعة على الجميع، ولأن الولايات المتحدة ستسعى إلى احتوائه قبل وقوعه، لكن من المرجح أن يستمر التنافس عبر أدوات أقل صخبا، مثل النفوذ السياسي، والوجود العسكري المحدود، والتحالفات المحلية، والمشاريع الاقتصادية، ومحاولات التأثير في شكل الدولة السورية الجديدة. إن مستقبل هذا التنافس سيتحدد إلى حد كبير بطبيعة سورية نفسها، فإذا نجحت دمشق في استعادة مؤسساتها وبناء دولة مستقرة، فقد يتحول التنافس إلى منافسة سياسية واقتصادية يمكن إدارتها، أما إذا استمرت هشاشة الدولة، فإن سورية ستبقى ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات الإقليمية. ويبقى القول، لا تتنافس تركيا وإسرائيل على الأرض السورية فقط، بل على ملامح النظام الإقليمي المقبل، فكل خطوة في دمشق، وكل تفاهم أو خلاف، لا يقتصر أثره على الداخل السوري، بل يمتد إلى شرق المتوسط والخليج العربي، ويعيد رسم موازين القوى في المنطقة، و التنافس التركي الإسرائيلي في سورية مرشح للاستمرار، لكن ضمن قواعد اشتباك دقيقة تحكمها المصالح أكثر مما تحكمها الشعارات، وتضبطها حسابات الردع أكثر مما تدفعها رغبة المواجهة. *مستشار سياسي