المملكة وصناعة المستقبل.

مع اختتام أعمال مؤتمر « ليب 2026» اليوم في الرياض، فإن المملكة لا تودع مؤتمرا تقنيا اعتياديا، ولا تطوي أياما امتلأت بالحديث عن الذكاء الاصطناعي والحوسبة والتقنيات المتقدمة فحسب، وإنما تكتب فصلا جديدا من قصة تحول تحكيها الأرقام والمنجزات، وتؤكد انتقال المملكة إلى مركز عالمي للتقنية والذكاء الاصطناعي. فقد أصبح «ليب» خلال أعوام قليلة علامة على موقع جديد للمملكة في خريطة العالم الرقمي. والأرقام التي صاحبت المؤتمر هذا العام تقول الكثير: آلاف المشاركين، ومئات الشركات والمستثمرين، وإعلانات واستثمارات وشراكات بمليارات الدولارات. لكن هذه الأرقام، على أهميتها، ليست هي القصة كلها. القصة الأهم أن عاصمة بلادنا أصبحت نقطة التقاء لرأس المال والمعرفة والابتكار والمواهب، وأن شركات عالمية تأتي إليها لا لتعرض أحدث ما وصلت إليه التقنية فحسب، وإنما لتبحث عن سوق وشريك وبيئة تستطيع فيها أن تطور أعمالها، وتختبر أفكارها، وتبني مستقبلها. ولعل « ليب» يقدم الصورة الأكثر وضوحا لهذا التحول. فما بدأ قبل خمسة أعوام كمنصة تجمع المهتمين بالتقنية، أصبح اليوم منصة عالمية تتقاطع فيها الحكومات والشركات والمستثمرون والمبتكرون، وتخرج منها الاستثمارات والشراكات والمشروعات. والأهم من ذلك أن ما يعلن في الرياض لم يعد مجرد وعود للمستقبل، فقد تحولت كثير من تلك الوعود إلى مشروعات واستثمارات وتوسعات جديدة. هذه القدرة على تحويل الطموح إلى منجز هي جوهر الحكاية السعودية الجديدة. فالتقنية هنا ليست قطاعا معزولا عن التنمية، وإنما إحدى الأدوات الرئيسة لإعادة تشكيل الاقتصاد. وما أُعلن في « ليب» هذا العام من إطلاقات وطنية يقدم مثالا واضحا على ذلك، فإطلاق منصة «إعلام»، التي تجمع 22 منصة وأكثر من 200 خدمة في وجهة رقمية واحدة، وتطويرها بالكامل بسواعد وطنية سعودية، من الفكرة حتى الإطلاق، لا يمثل مجرد تطوير تقني لخدمات قطاع الإعلام، وإنما يعكس مستوى آخر من التحول: أن أبناء المملكة لم يعودوا مستخدمين للتقنية فحسب، بل أصبحوا قادرين على ابتكار حلولها وبنائها وتطويرها لخدمة قطاعاتهم ومجتمعهم. لقد اختارت المملكة، بقيادة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، وسمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، حفظهما الله، أن تكون جزءا من صناعة المستقبل، لا أن تنتظر وصوله. وكان من الطبيعي أن يكون الذكاء الاصطناعي والتقنية في قلب هذا الطموح، لأن من يملك أدوات المستقبل يمتلك قدرة أكبر على التأثير في اقتصاده ومجتمعه وموقعه بين الأمم.