منذ أرسطو ونظرية المحاكاة، ارتبط الشعر بالواقع، بالرغم من أنّ المحاكاة لم تقتصر على نقل صورة للطبيعة أو الواقع، ولكنها محاكاة لجوهر ما في الطبيعة لإكمالها وجلاء أغراضها. يقول أرسطو: «وما دام الشاعر محاكياً ـ شأنه في ذلك شأن الرسام وكل فنان يصوغ الصورة ـ فعليه ضرورة أن يتّخذ طريقاً من طرق ثلاث: أن يمثّل الأشياء كما كانت في الواقع، أو كما يتحدّث عنها الناس وتبدو عليه، أو كما يجب أن يكون». يخلص أرسطو بعد ذلك إلى أنه لا بدّ من ملاحظة الواقع أو الممكن من ناحية، وملاحظة إمكانية الجمهور في تصديق حدثٍ ما، فقد يبدو هذا الممكن مستحيلاً، كما يبدو المستحيل ممكناً، فعلى الشاعر أن يشفّ واقعاً في القصيدة قد يؤمن به الجمهور، وهذا ما يسمّيه أرسطو بالمحتمَل، ومبدأ المحتمل إنما أتى به أرسطو للتوسّع في معنى الممكن، ولتبرير المستحيل أحياناً. مع أهمية العلاقة بين الشعر والواقع، وما تمخّض عن هذه العلاقة من مذاهب أدبية تقترب وتبتعد، إلا أنّ تجربة الشاعر محمد المتيّم في ديوانه «افتحي الباب يا فاطمة» الذي صدر عام 2022 م تنطلق من شعرية جديدة، هي شعرية ما لم يحدث، أو ما لا يحدث أبداً، يقول شارل بودلير: «على الشعر أن يُنكر الواقع»، وكأنّ الشاعر ينفي هذا الواقع إنما ليثبته، ويأسى عليه. يقارب محمد المتيّم بأسى شديد الشفافية هذا الواقع الذي نبتغي، والذي لا يحدث أبداً، تعبيراً عن مأساة الإنسان الذي لا يحقّق شيئاً ليس على مستوى الفرد فحسب، بل على مستوى الإنسانية كلها، حتى الشعر نفسه، الشعر نفسه لم يعد بوسعه أن يفعل شيئاً من حالة الإرهاق العامة التي تُصيب العالم، يقول في قصيدة «لا جذوةٌ تحته.. لا دخان يدلّ عليه»: «أنا مرهقٌ الليلة الإهانة أنّ إرهاقي ليس من النوع المشفوع بالفخر أو الرهبة أو الجلال! الفخر الذي يكتنف المفكرين وصدروهم توشك أن تنفلق من زخم المعرفة الرهبة التي تشيّب شعر الملوك وهم يتوجّسون خيانةً قادمة الجلال الذي يعتري المتصوّفة وهم في ملكوتهم ينتظرون ليلى وإشراقاتها إرهاقي لا ينتمي لهذه الأنواع الجليلة؛ إنني مرهقٌ إرهاق موظفي الدرجة الرابعة إرهاق سائقي النقل العام وهم يغوصون في الميادين، وهم ينزلقون في حوارٍ كالمواسير إرهاق موظف البريد الساذج، والحوالات بعشرات الآلاف تتقافز بين عينيه الذابلتين إرهاق عامل الأسانسير بمشفىً حكوميّ يقطع الطريق بين الأرضي والحادي عشر سبعة وأربعين مرة في نباطشيته إرهاق يتيمة تكنس شقة مفروشة في شارع الهرم» ثم يعرّج على هذا الشعر الذي بين يديه ولا يستطيع أن يفعل شيئاً، يقول: «أصدقكم القول: هذا الإرهاق يجعلني أشمئزّ من إنفاق وقتي على الشعر؛ أمّا وقد أصبح الشعر حائطاً متهدّماً تبول عليه الكلاب الضالة وسماسرة دور النشر والمنصات المدفوعة فإنني لا أكتب إلا للتسلية كصيّادٍ يتسلّى وفي نهاية الجلسة يردّ للبحر أسماكه». سنتناول الآن قصائد تتجلّى فيها شعرية ما لا يحدث، بداية مع القصيدة الأساسية في الديوان، وهي قصيدة «رباعيات فاطمة»، يقول: «لو فتحتِ الباب يا فاطمة؛ ربما أساوم رب العمل على راتبي بجرأة ربما أركض للموالد بفتوة ربما أكتب قصيدة الحبّ بكل ما أوتيت من شبق ربما أبصق على الضابط المرتشي بلا رهبة افتحي الباب يا فاطمة كي لا تُفزعني القيامة كي لا أرتجف وأنا أصبّ الشاي كي يعود للنكات الصعيدية وقعها في القلوب كي أمزّق بطاقتي الشخصية وأقول: الأرضُ للإنسان». هذا الواقع الذي ينتظره الشاعر لا يحدث أبداً، فلا فاطمة فتحت الباب، ولا هو استطاع أن يكون حرّاً، وأن يكون إنساناً! في قصيدة «مناجاة» ينتهي كل شيءٍ إلى وحدة، وفراغ، حيث لا يحدث شيءٌ، يتّكئ الشاعر على شعرية ما لا يحدث في مناجاة مع نفسه ووحدته وفراغه، يقول: بما أنني سهرت طويلاً وسهرت كثيراً ناجيت كل قمر وتشمّمت كل قميص وغازلت كل وردة بما يليق بعطرها والمحصلة أنني وحيد، وحيد، وحيد فأنا الليلة ـ يا ريحانتي ـ أعاني فراغاً هائلاً وبالصيغة الفجّة كقدّومٍ في الروح: أعاني خواءً هائلاً ورغم ضحكتي المجلجلة رغم الأشباح في الوعي والنظرية في اللاوعي رغم المناديل الملوّحة على شاطئ الفرح والورود المختبئة في دفتر الغراميات والحبيبات المؤجلات على باب المأتم الموعود؛ لا زلت رجلاً يحاسب نفسه على الخطرات والهواجس لو كنتُ شبّاك عاشقة لو كنتُ نوتة عازف لو كنتُ علبة سجائر في جيب جندي في الصحراء كان الجمال سيفتضح! وما كنتِ في حاجة لنبش هذا القبر الزاحف هذا الغريب الصامت على المقهى» هذا كله لا يحدث، وهنا تكمن جمالية هذه الشعرية، شعرية تبعث على الأسى، ولا تبحث عن العزاء من أحد، إلا فاطمة ربما! ولا تبحث عن العزاء من شيءٍ إلا الحبّ! يقول محمد المتيّم في قصيدة «هذا هو الحبّ»: وأنا على ناصية الفجر؛ أضفّر الخبرة بالرؤيا وأخبز الشعر من الفتنة ثم أستوي على تلة الزهد الكلمة التي لا أملك ثمنها لا أقولها والرجل الذي لم تجرحه رائحة امرأةٍ لا أعوّل عليه والشارع الذي يخلو من الكلاب الضالة والمخبرين والشحّاذين لا يستحق أن تباركه خُطاي! هكذا يكتب ولدٌ بلا حبيبة.. وها أنتِ أنتِ تجيئين؛ اختباراً في الزهد. وتتقافزين؛ غريماً في ابتكار المسرّة. وتنبسطين؛ أرضاً ما وراء الوفاء. لي منكِ دلالُ أن تحكي لي حدوتة قبل النوم. ولكِ مني دلالُ أن تتعلّقي بكُمّي فأعبر بك عيونهم ولنا منّا، ولنا معنا، ولنا فينا، أن نكون، ونكون، ونكون... تسأليني: ما لكَ؟ فأقول: ليَ اسمٌ طيّبٌ، ومسبحةٌ خشبيةٌ، ونخلتان، وخمس عمّاتٍ، ولي عيناكِ! وأسألك، فتقولين: ليَ اسم حبيبي، وحبّات مسبحة حبيبي، نخلات حبيبي وعمّات حبيبي، ولي عينايَ إذا صارتا ملك حبيبي ـ هل هذه قصيدة؟ ـ هذا هو الحبّ. يخلق محمد المتيّم من الحبّ والقصيدة واقعاً لعلّه يحدث! ويمزج بين القصيدة والحبّ بشكلٍ يشبه الخسارات الشهيّة، في ظلّ واقعٍ لا يحدث أبداً، يقول في قصيدة «حطّموا حصّالاتكم واتبعوني»: يقولون: لكي نكتب قصيدة تعوزنا قراءة مئات القصائد ولم يحدّثنا الأوائل عن قصيدةٍ جاءت كشظيةٍ من احتكاك حجرين كغزالٍ ندّ عن السرْب. ويقولون: إنّ الحبّ هو ما يحدث بتراكم التجربة إعجابٌ، نظرةٌ تغزو الروح، رغبةٌ عارمةٌ في الحديث، ثم حياةٌ بالمعروف وشؤونٌ تعرفونها خطوات.. خطوات.. خطوات.. كل تجاربنا المشتهاة من الحبّ والشعر والموت والرغبة، محكومةٌ، أو أحكموا وثاقها بقانون الحصّالة! كثيراً ما يكون تحطيم الحصّالة ضرورةً ربما يؤمن الحكماء أنّ كل ما كنزناه فيها لا يداوي لحظة من فقدان الشهية. ونختم هذه القراءة بالقصيدة التي افتتح بها الشاعر محمد المتيّم ديوانه، وهي قصيدة «سبعٌ وظائف لا تُلائمني» وهي احتجاجٌ يائسٌ على واقع هذا العالم الذي لا يحدث فيه شيء، يقول: قال: كن نحّاتاً. قلتُ: وأُزعج سكون الحجر! قال: فكن طيراً. قلتُ: وأوقظ حنين المهاجر! قال: فكن عازفاً. قلتُ: وأفشي حزن الخشبة بدلاً من ضمّها! قال: فكن شارعاً. قلتُ: أوَأحتمل ثقل خطوة المدين؟ قال: فكن ربوةً! قلتُ: أُشفق على العاشق الأعرج. قال: فكن الليل! قلتُ: إن طلتُ لعنوني وإن قصرت لعنوني، وما بيَ طولٌ ولا قِصر. قال: كن... قلتُ: اجعلني حارس جبّانةٍ، أصغي بخشوعٍ للعدم، ساقاي ممدودتان، والأبدية تضع رأسها على فخذي وتنعس.