زُرْقَةُ سماء تتساقط.

في القرية المعلّقة بين الغيم والقمم الشاهقة، كان»الباب الأزرق «هو قلب المكان الذي يضجّ بالحياة.. خلف الطلاء الذي يُشبه لون السماء تستيقظ الأيامُ باكراً. مع أنفاس الفجر الأولى، يُشرِع المزارعون الأبواب، وتتدفق عزائمهم نحو مزارعهم المدرجة في حضن الجبل، حاشدين فؤوسهم مناجلهم وسلالهم، تسبقهم دعوات الأجداد بالبركة والرضوان. عبرَ الممر الضيق تخرج النسوة بأثوابهن الموشاة بخيوط الفرح. يحملن قِرَب الماء، وحزم الحنطة. يمشين بخطوات واثقة تملأ الزقاق حركة وحياة. فيما الدار تفيض بصخب الأطفال، وهدير المطاحن، ورائحة الخبز الدافئ التي تسري من شقوق الخشب المعتّق لتتلقى عابري السبيل بالبشر والترحاب. عبرت على تلك الصخرة أجيال متعاقبة. يتقاسمون كفاف الفرح وغصص الحزن، وما تطاولت أعناقهم إلى الدنيا بعيداً عن قريتهم الجبلية، حتى طوت السنوات أعمار الكبار واحداً تلو الآخر، بخطواتٍ هادئة، ووقارٌ مهيب. هَزُلت الأجساد التي طالما طوّعت صلد الحجر، ومات الزرّاعُ على حُصُرِهم البالية، وغيبهم واحتواهم الجبل الذي اقتطعوا من صلابته أعمارهم، فاستحالوا جزءًا من ثراه الذي أحبوه. غاض جيل الكبار عن آخره؛ كغيومِ طهرٍ انقشعت بعد أن سقت الأرض خيراً ونماءً، فخلت منهم الدروب، والجادات، وصفوف المسجد الحجري الصغير، ولم يخلف من بعدهم خلفٌ يُحركون الأقفال؛ فانقضى عمرُ القرية مع آخر زفرة غادرت صدورهم؛ غابوا وبقيت الشواهد الحجرية تنعى زمنًا لن يعود. حَلَّتْ ليلة الشتاء الأولى على القرية الخالية، وانحدرت الرياح من أعالي القمم تطرق الباب الأزرق بعنف وجفاء. كعادتها كلَّ عام، بَيْدَ أنها لم تجد هذه المرة مزلاجًا حديديًا يرد عاديتها، ولا أُمًا رؤومًا تحوط صغارها حول الموقد المتقد، وتلقي بأعواد السدر في جوف النار لينبعث الدفء والعبق الزكي. كانت الرياح تعصف بالممرات الضيقة، وتصدر عويلاً يشبه النحيب. نفذت عبر ثقب القفل فلم تجد صدى لضحكة عابرة. بل تلاقت بصمت مطبق يملأ الفراغ. تآكلت حواف الخشب، وتساقطت بقايا الطلاء الأزرق، وفي كل قشرة زرقاء تسقط من جسد الباب على العتبة الباردة، يلوح طيف وجهٍ غاب، في دمعة زرقاء يذرفها الباب الذي أنهكته الوحشة، والوحدةُ والرياح المشبعة بالصقيع. مع خيوط الفجر الأولى، هدأت العاصفة، وانقشعت الغيوم، وعند الضحى بدت القرية منكسرةً تحت أشعة الشمس الشاحبة، وظلت المباني الحجرية قائمة كالقلاع، وظل الباب معلقاً بين جدرانه؛ واهناً فاقدًا زرقته، صامدًا في وجه عاصفة الشتاء العاتية.