مؤتمر الموسيقى العربية الأول وأزمة المقامات الشرقية.

المقام هو العمـود الفقـري لأي عمل موسيقي، سواء كان قطعة موسيقية أو لحن غنـائي، وسواء كان شرقيا أو غـربياً، وهو مبني على أسس علمية (رياضية). وكلمة مقام تعني الدرجة على السلم الموسيقي التي يرتكز عليها اللحن، إذ يبدأ من درجة معينة ويقفل من نفس الدرجة. ففي الموسيقى العالمية مثلاً، تبدأ المقطوعة الموسيقية أو الأغنية من مقام محـدد وتستمر على نفس المقام حتى نهايتها. أما بالنسبة للأغنية الشرقية، فيمكن للملحن أن يتنقل بين المقامات بسلاسة دون أن يشعر المتلقي بذلك ( مالم يكن ملماً إلماماً جيدا بالمقامات)، وهذا يعتمد على مستوى المهارة والخبرة التي يتمتع بها الملحن، وقد برز في هذا من المحنين العرب: محمـد القصبجي، محمـد عبـد الوهاب، رياض السنباطي و محمـد الموجي. وقد سبق أن تناولت موضوع إشكالية المقامات الشرقية في إحدى مقالاتي وبأنها تعـرقـل عـولمـة الأغـنيـه العـربيـه. فلو عـرفنا بأن عـدد المقامـات الشـرقـيه التي كانت سائده عـلى الساحـه العـربيه منـذ مطلـع القـرن العشـرين قـد تجاوز عـددها 360 مقاماً فارسياً لأدركنا المحـنه التي تعانيها الأغـنيـه العـربيه. وهـذا العـدد الكبير جـداً كان منفـراً للـدارسين في معاهـد الموسـيقى العـربيـة مما اضطـر الكثير منهم إلى الإلتحـاق بمعاهـد تدريس الموسـيقى حسب المناهج الغـربية، التي تخلـو من كل التعقيـدات ولكنها أيضاً تخلـو من ثلاثة أرباع التون الذي يعـتبر من أهم ما يميز الموسيقى الشرقيـه نظـراً لتوافقها مع طبيعـة وإحساس النفس الشـرقيه. وسـبب بلـوغ عـدد المقامات الشـرقيه إلى هـذا الكـم الهائل والمذهل هـو تحـويل (تصـوير) المقامات الأسـاسـيه على سـلالم مختلفـة. فمثلاً مقام (الراسـت) سـلمـه الأصلي يبـدأ من درجـة ال (دو)، فإذا حـول على سـلم (صول قـرار) يتغـير اسم المقام ليتخـذ لـه إسـم مقام آخـر يعـرف ب (يكاه)، ومقـام (الكـرد) سـلمه الأساسي على درحة ال ( ري - دوكاه) فإذا تحـول سـلمه على درجة ال (دو) تغـير إسـم المقام ليصبح (حجـاز كار كورد). ومقام النهاوند الذي يرتكز على درجة (دو) فإذا حول على درجة ال (صول) فإن إسمه سيتحول إلى مقام (فرح فزا) ومقام السـيكا يعـد من أكثر المقامات تصويراً على درجات سـلم مختلفة، لذلك فهو يتخــذ عـدة مسميات، كالهزام، وراحت الأرواح والعـراق وغـيرها. إلى آخر ذلك من القائمة الطويلة، فهـذا التعـدد لمسميات المقام الواحـد يؤدي إلى التشتت والحـيره وينفـر الدارسين للموسـيقى. وفي الربع الأول من القرن العشرين برز صراع محتـدم بين الموسيقيين المحافظين والمجددين في مسائل مختلفة بالنسبة للموسيقى الشرقية، منها إدخال الآلات الغربية إلى التخت الشرقي، كالبيانو والجيتار والأكورديون والأبوه وغيرها الكثير من الآلات الغربية وكذلك إشكالية تعـدد أسماء المقامات الغير مبررة. في 14 من شهر مارس في عام 1932م عقد أول مؤتمر للموسيقى العربية في القاهرة برعاية الملك فؤاد. وكان ذلك بمبادرة وتوصية من البارون” رودولف ديرلانجيه “ وهو مستشرق وموسيقي فرنسي استوطن تونس، الذي اقترح فكرة المؤتمر على الملك فؤاد الأول. ولكن البارون تُوفي قبل انعقاد المؤتمر بأيام قليلة، لكنه يُعد الأب الروحي للمؤتمر وقدم أبحاثه ومجموعته الموسيقية لتكون ضمن الأعمال التي تناقش في المؤتمر. وقد ترأس المؤتمر وزير المعارف آنذاك “حلمي عيسى باشا” وتولى أمانة السكرتارية الدكتور “محمـود أحمـد الحفني”، ومشاركة البارون “رودولف دير لانجر” و السيد “كانتوني” مدير دار الأوبرا المصرية. شهد المؤتمر حضوراً استثنائياً من كبار المستشرقين الغربيين وعلماء الموسيقى المقارنة والمؤلفين الموسيقيين الأوروبيين؛ حيث شكّل المؤتمر فرصة تاريخية لهم لتوثيق وتدوين الموسيقى الشرقية. ومن ​أبرز الشخصيات الغربية والمستشرقين المشاركين: •هنري جورج فارمر : مستشرق ومؤرخ موسيقي بريطاني يُعد من أعظم الخبراء الغربيين بالتاريخ الموسيقي العربي والآلات الشرقية. •​ ألكسيس شوتان: مستشرق وباحث موسيقي فرنسي متعدّد الأبحاث في الموسيقى المغاربية والأندلسية. •بيلا بارتوك: الموسيقار والمؤلف المجري الشهير، وكان مهتماً بجمع الفلكلور والتسجيل الميداني؛ وقام خلال المؤتمر بعمل تسجيلات ميدانية وحصريّة للموسيقى العربية. •باول هيندميث: المؤلف والموسيقار الألماني المعروف. •كيرت زاكس : عالم آلات موسيقية (أورغانوولوجي) ومؤرخ موسيقي ألماني بارز. •​إيريك فون هورنبستيل: عالم موسيقى نمساوي وأحد مؤسسي علم الموسيقى المقارن. •ربرت لاخمان: عالم موسيقى ألماني رائد في تسجّيل وتوثيق الموسيقى الشرقية. •​أنطوان بوشار: باحث فرنسي ترأس بعض اللجان التنفيذية. وقد ​لعب هؤلاء الغربيون أدواراً محورية في اللجان الفنية وأثارت مشاركتهم نقاشات حامية حول حفظ التراث الشرقي بخصائصه (ك- ثلاثة أرباع التون) بالإضافة إلى مسألة ادخال الآلات الغربية افي التخت الشرقي والذي كان يقابل برفض تام من قبل التيار المحافظ الذي كان بتزعمه محمد القبانجي من العراق وزكي مراد (والد ليلى مراد) من مصر. كما كان هناك تزمت وتعصب من هذا التيار تجاه التخلي عن الكثير من المسميات المعقدة للمقامات الشرقية. كما حضر المؤتمر نخبة من كبار الفنانين والموسيقيين العرب، وكان من أبرزهم: •​أم كلثوم (مصر) •محمـد القصبجي – (ملحن كبير – مصر) •​سامي الشوا (عازف الكمان الشهير - سوريا) •علي الدرويش (عالم الموسيقى والعازف - سوريا) •محمد القبانجي (رائد المقام العراقي - العراق) •منيرة المهدية (مصر) •​زكي مراد (مصر) •​مصطفى رضا بك (رئيس معهد الموسيقى الشرقي آنذاك - مصر) ​هذا بالإضافة إلى مشاركة وفود موسيقية وثقافية مثلّت عدة دول عربية منها مصر، وسوريا، ولبنان، والعراق، وتونس، والمغرب، والجزائر، إلى جانب كبار مستشرقي وعلماء الموسيقى من أوروبا. وقد إنبثقت عن المؤتمر تشكيل سبع لجان رئيسية فنية وعلمية متخصصة لدراسة شؤون الموسيقى الشرقية وتدوينها وتوثيقها وتطويرها: •لجنة المسائل العامة: ترأسها مصطفى رضا بك (رئيس معهد الموسيقى العربية بالقاهرة). •لجنة المقامات والإيقاع والتأليف: ترأسها البارون رودولف ديرلانجر (المستشرق والباحث الموسيقي الفرنسي المقيم بتونس). •لجنة السلم الموسيقي: ترأسها منصور حقي بك (وكيل وزارة المعارف المصرية ورئيس المعهد الملكي للموسيقى سابقاً). •لجنة الآلات الموسيقية: ترأسها رؤوف يارتا بك (الموسيقي والباحث التركي الشهير). •لجنة التسجيل بالفونوغراف: ترأسها الدكتور روبرت لاخمان (عالم الموسيقى الألماني ومؤسس أرشيف الفونوغراف). •لجنة التعليم الموسيقي : ترأسها أحمد أمين بك (الكاتب والمفكر المصري الشهير). •لجنة تاريخ الموسيقى والمخطوطات: ترأسها الدكتور هنري جورج فارمر (المؤرخ والباحث الموسيقي البريطاني المتخصص في التاريخ الموسيقي العربي). وفي آخر المطاف، قامت “لجنة المقامات والإيقاع والتأليف” المنبثقة عن المؤتمر بحصر وتبويب المقامات المستعملة في الوطن العربي وتدوينها علمياً، من أجل وضع معيار موحد للمقامات المستعملة في العالم العربي، وتخليصها من التداخلات والأسماء المتعددة، وتوثيق أبعادها وأجناسها بدقة. حيث حصَرَت ووثَّقت 52 مقاماً رئيسياً وفرعياً معتمداً لتوحيد النظرية الموسيقية الشرقية وضبط مصطلحاتها، وقد تم اعتمادها رسمياً من قبل المؤتمر. ومع أن هذا العدد لا يزال مبالغ فيه، إلا أنه في ذلك الوقت يعـد إنجازاً كبيراً. الشيء الغريب والمثير للدهشة في الموضوع، أن المؤتمر استبعـد أعمال سيد درويش ومحمـد عبـد الوهاب ومحمـد القصبجي من قائمة الأعمال التي طرحت للمناقشة في المؤتمر. وهذا الموضوع سوف يكون عنواناً لمقال آخر. خلاصة القول هو أن المقامات الشرقية الأساسية لا يتجاوز عددها ثمانية مقامات فقط، أربعة منها تحتوي على (ثلاثة أرباع التون) وهي (الراست – الصبا – البياتي – السيكا) والأربعة الأخرى لا تحتوي على ثلاثة أرباع التون وهي (العجم – النهاوند – الحجاز – الكرد)، وما عدا ذلك فهي جميعها مقامات مصورة على درجات سلم أخرى. والمفروض في هذه الحالة أن تسمى بأسمائها الأساسية مع الإشارة إلى الدرجة المصورة عليها، كأن نسمي (مثلاً) الكرد المصور على درجة ال “دو” بـ “”كرد الدو” بدلاً من القول “حجاز كار كرد”، وأن نسمي مقام “النهاوند” المصور على درجة “الصول” بـ “”نهاوند الصول” بدلاً من “فرح فزا” وهكـذا مع كل المقامات المصورة. * كاتب وباحث ومؤلف موسيقي