ماذا تفعل بنا القصيدة؟

كيف يحدث أن نقرأ بيتًا كتبه شاعر لا يعرفنا، عن شخصٍ لم نلتقِ به، وفي زمنٍ لم نعشه، ثم نشعر فجأة كأنه يتحدث عنا؟ ربما هنا يبدأ سحر القصيدة: أن تعثر، في كلمات كتبها شخص آخر، على شيء يشبهك تمامًا؛ أن تقرأ بيتًا فتتوقف عنده، لأنه لامس شيئًا فيك. فالقصيدة تبدأ من تجربة خاصة عاشها الشاعر، لكنها حين تصل إلى القارئ تتجاوز صاحبها، فيجد كل شخص فيها صدى لتجربته الخاصة. وقد تأتي أحيانًا في اللحظة المناسبة، بجملة واحدة أو بيت واحد، فتجعلنا نرى شيئًا في داخلنا لم نكن ننتبه إليه. قد يكتب الشاعر عن حبيبٍ بعينه، أو مدينةٍ لم نزرها، أو لحظةٍ لم نعشها قط، ومع ذلك نشعر أنها تعرف جانبًا من حياتنا. وهذه إحدى مفارقات الشعر الجميل: أن القصيدة قد تكون شديدة الخصوصية في لحظة كتابتها، ثم تصبح شديدة الاتساع حين يقرأها الآخرون. وربما لهذا يبقى الشعر؛ لأنه يمنحنا إحساسًا بأن أحدًا رآنا من الداخل، والتقط شيئًا مرّ بنا طويلًا دون أن نعرف كيف نقوله. وحين نعثر على ذلك الشيء في قصيدة، لا نعود نقرأها كما بدأنا؛ نخرج منها ونحن نرى أنفسنا بصورةٍ أخرى. وقد نعود إلى القصيدة نفسها بعد سنوات، فنجد فيها معنى جديدًا؛ فالنص لم يتغير، لكننا نحن تغيرنا. وربما تصبح بعض القصائد جزءًا من سيرتنا؛ نستعيد معها عمرًا مضى، أو موقفًا، أو إحساسًا لم نعد نعيشه بالطريقة نفسها. وبعضها لا يحفظ لنا ما قرأناه فقط، بل يحفظ لنا من كنا حين قرأناه. وتأتي قصيدة «على هذه الأرض ما يستحق الحياة» لمحمود درويش مثالًا واضحًا على ذلك. يكفي عنوانها وحده لفتح مساحة واسعة للتأمل: فما الذي يستحق الحياة؟ ولماذا نحتاج أحيانًا إلى شاعر كي يلفت نظرنا إلى تفاصيل نعيش بينها كل يوم ولا نراها؟ هنا لا تكمن قوة الشعر في أن الشاعر أخبرنا بأن الحياة جميلة، بل في أنه جعلنا نراها بطريقة مختلفة. إنه لا يضيف دائمًا شيئًا جديدًا إلى العالم؛ لكنه يمنح الأشياء التي اعتدناها قدرة على لفت انتباهنا. فالخبز موجود، والربيع موجود، والحب موجود، والعشب موجود؛ لكن الشاعر حين يضع هذه الأشياء المألوفة في لغة شعرية، يجعلها جديرة بالتأمل. فالقصيدة لا تشرح فكرتها لنا مباشرة، بل تجعلنا نراها ونشعر بها، وتحول التفاصيل العابرة إلى شيءٍ يكتسب معنى آخر. والشاعر لا يكتفي بأن تكون لديه فكرة جميلة؛ عليه أن يجد لها اللغة التي تجعلها تعيش بعده. لذلك قد نقرأ جملة عادية فلا تترك فينا شيئًا، ثم نقرأ بيتًا شعريًا فنظل نفكر فيه طوال اليوم. في حياتنا اليوم، نقول الكثير بوضوح، لكن الوضوح وحده لا يكفي دائمًا. ثمة أشياء لا تُقال كما هي، بل تحتاج إلى صورة، وإيحاء، ومساحة تترك للقارئ أن يصل إليها بنفسه. وربما هنا تحديدًا نستعيد حاجتنا إلى الشعر؛ لأنه يقول أكثر مما تقول الكلمات حين تُؤخذ بمعناها المباشر. وقد تكشف لنا القصيدة أحيانًا عن مشاعر لم نكن نعرفها بهذه الدقة. فنفهم أن الحنين الذي نحمله ليس لشخص أو مكان، بل لزمنٍ مضى، أو لما كنا عليه في ذلك الزمن. وربما لا يكون اشتياقنا إلى المكان نفسه، بقدر ما هو اشتياق إلى الشخص الذي كنا عليه حين عشنا فيه. كان الشعر، في لحظات كثيرة، نوعًا من العزاء الذي لا يطلب منا أن نتجاوز ما يؤلمنا سريعًا، بل يجعل احتماله ممكنًا. إنه لا يمحو الحزن، لكنه يجعلنا أقل استسلامًا له، ويعيد إلى أرواحنا شيئًا من حيويتها. وأجمل ما يفعله أنه لا يكتفي بمواساتنا؛ أحيانًا يشجعنا على العودة إلى الحياة، ويجعلنا نرى أن الحزن، مهما اتسع، ليس كل ما في العالم، وأن ثمة دائمًا زاوية أخرى يمكن أن نراها، وتفصيلًا صغيرًا يعيد إلى يومنا شيئًا من معناه. وأنا أعرف هذا الأثر من تجربتي معه؛ فكلما تدنّى مزاجي، قلت: أين القصيدة؟ أبحث عنها؛ أعرف أنها ستغيّر شيئًا في داخلي. لا أبحث حينها عن معلومة ولا عن تفسير؛ أبحث عن تلك المسافة الخفية بيني وبين اللغة، عن ذلك الإحساس الذي يستطيع الشعر أن يتركه، ولا تستطيع العبارة العادية أن تترك مثله. وهذا، في ظني، أحد أعمق أسباب حاجتنا إلى الشعر. نحن لا نذهب إليه دائمًا كي نفهم العالم، بل نذهب إليه أحيانًا كي نفهم ما يجري في أعماقنا، أو كي نحتمله قليلًا. وقد لا يتغير شيء خارجنا بعد قراءة قصيدة، لكن شيئًا ما يكون قد تحرك. وربما لهذا لا تكون قيمة الشعر في المعنى الذي يقوله فقط، بل في ما يبقى منه بعد أن ننتهي منه. فهناك قصائد نقرأها ثم ننساها، وأخرى تنتهي أبياتها ولا تنتهي فينا؛ تبقى جملة منها عالقة في الذاكرة، أو تفصيل يعود إلينا في لحظة لم نتوقعها، أو معنى يعود إلينا حين نحتاج إليه. وقد يكون هذا أحد أسباب بقاء الشعر عبر العصور. فالإنسان يظل يحب، ويفقد، ويشتاق، ويحلم، ويخاف، ويفرح. والشعر الجيد يعرف كيف يمسك بهذه التجارب العابرة، ويصوغها في شكلٍ يمكن أن يبقى. لهذا لا أظن أن سؤالنا الأهم عن الشعر هو: ماذا أراد الشاعر أن يقول؟ الأجمل أن نسأل أيضًا: ماذا قالت لنا القصيدة؟ فالشاعر يكتب القصيدة مرة، لكن القارئ قد يعيد كتابتها في داخله مرات كثيرة.