ما لا تختصره الثَّلْمة.
اختصار الطرق سلوك نشأنا عليه. كنا نختصر طريقنا إلى مدرستنا الابتدائية بين البساتين مشيًا على الأقدام، عبر طرقات صغيرة، وأحيانًا نعبر بعض المزارع، فندخل من فتحة تسمى «ثَلْمة»، تكون عادة في الجدران الطينية. الاختصار والإيجاز يوفّران الوقت، لكنهما لا يصلحان في كل موضع ومقام. ومع ذلك، رسخت وسائل التواصل الاجتماعي فكرة الاختصار في أذهاننا بطريقة سلبية، حتى صرنا لا نحتمل دقيقة واحدة من الاستماع أو المشاهدة. وبات كثيرون يتفننون في تقديم المعلومة مختصرة، وإن كان تفصيلها أمتع وأوفى للمعنى، فهل يصح ذلك دائمًا، ويُعدّ من فنون البلاغة؟ أم أننا فهمنا السالفة بطريقة خاطئة، وأن لكل مقام مقالًا؟ في جلساتنا، تلمس تأثر أحاديث الناس كذلك؛ فلا أحد يطيق الإطالة، حتى وإن كانت ضرورية في سياقها. وربما وجدت من يقول لك، كما نعبّر، «كاش» في وجهك: «اختصر»!. الاختصار مهم في مواضعه؛ فعند الإعلان عن خبر أو منتج جديد، تكفي عبارة واضحة ومباشرة للتعريف به، ومثله حين تذهب إلى مطعم وتتحدث مع مقدّم الخدمة؛ فليس من المعقول أن يستغرق طلبك وقتًا طويلًا. وليس الهدر في الكلام من أساليب العرب؛ فقد عرفوا فنّي الإيجاز والإطناب. والإطناب ليس حشوًا، بل زيادة في الكلام تؤدي معنى حين يكون المقام محتاجًا إليها. والاختصار رائع، ما دام لا يخل بمنطق الكلام ولا برسالة المتحدث. لكن الإشكال يظهر حين يتحول الاختصار ذاته إلى فكرة أو ممارسة ذهنية، يضيق معها الإنسان عن الصبر على أشياء جوهرية تحتاج إلى وقت لنتعلمها ونتقنها؛ فنبتعد، بحجة الاختصار، عن طريق العلم والمعرفة، ونستثقل قراءة صفحتين من كتاب أو الاستماع إلى محاضرة ثمينة لا تتجاوز نصف ساعة. وهنا يتضح أثر هذه الوسائل الحديثة في طريقة تلقينا. وحين قال الشاعر راكان بن حثلين: ما قلّ دلّ، وزبدة الهرج نيشان .. والهرج يكفي صامله عن كثيره فقد اقترب، في قوله، مما نذهب إليه: أن يكون الاختصار أو الإيجاز في موضعه الصحيح. فـ«صامل الهرج» ــ وهو القول الصحيح ــ لا يتأتى إلا من وعي ومعرفة سابقة بالكلام ومظانّه، وغالبًا ما يصدر عن شخص واعٍ لا يتخذ من الاختصار عادةً تبتُر المعنى وتُضعف أثره.