هل نختار أذواقنا… أم تُصنع لنا؟

للأسف، نعيش في زمن أصبح فيه الإنسان سريع التأثر بكل ما يُعرض عليه، وهذا التأثر لم يعد محدودًا، بل امتد ليشكّل أذواقنا في كل شيء: فيما نلبس، وما نأكل، وما نشرب، وحتى فيما نشاهده ونقرأه. فما كان يُستنكر قبل أعوام، أصبح اليوم عاديًا ومقبولًا، وما لم يكن مستساغًا لدى كثيرين، تحوّل إلى خيار شائع، لا لأنه تغيّر بذاته، بل لأنه تكرّر حتى اعتاده الناس. بهذا المعنى، يمكن فهم “الذوق العام” بوصفه الذوق السائد بين أفراد مجتمع يعيشون في نفس الظروف الزمنية والمكانية. هو ما تقبله الغالبية، ولا يُنظر إليه بوصفه خروجًا عن المألوف. لكنه، في جوهره، ليس مجرد تفضيلات عابرة، بل يرتبط بمنظومة القيم والمبادئ، ويعكس صورة المجتمع وهويته، ولذلك فهو يحمل بعدًا أخلاقيًا واجتماعيًا، ويتغير تبعًا لتحولات الزمان والثقافة والسياق العام. وهنا تبرز “الصناعة الثقافية” بوصفها أحد أهم العوامل المؤثرة في تشكيل هذا الذوق. فهي لا تقتصر على الإعلام التقليدي، بل تشمل المنصات الرقمية، والمشاهير، وصناع المحتوى، وكل من يمتلك قدرة على التأثير في وعي الجمهور. هذه الجهات—بوعي أو بدونه—تسهم في تشكيل ما نراه ونسمعه، وبالتالي ما نألفه ونقبله. فالإنسان بطبيعته يألف ما يتكرر أمامه؛ ما تراه العين مرارًا تميل النفس إلى قبوله، ويعتاده العقل تدريجيًا. ومن هنا تتشكل “الترندات”، وتُعاد صياغة الأذواق، وأحيانًا تُوجَّه لتحقيق أهداف إعلامية أو اقتصادية. لكن هل يعني ذلك أن الجمهور مجرد متلقٍ سلبي؟ ليس تمامًا. فالجمهور، رغم تأثره، ليس بريئًا بالكامل. هو لا يكتفي بالاستهلاك، بل يشارك في النشر والتداول، وبذلك يصبح جزءًا من عملية التشكيل نفسها. فحين نعيد نشر فكرة أو نمط أو سلوك دون وعي، فإننا نُسهم في تثبيته، حتى يصبح مع الوقت جزءًا من الذوق العام. وهنا تتوزع المسؤولية. فالعلاقة بين الصناعة الثقافية والجمهور ليست علاقة طرف مؤثر وآخر متأثر فحسب، بل هي علاقة تبادلية متكاملة، يؤثر كل منهما في الآخر. وكلما ارتفع وعي الفرد، زادت قدرته على التمييز، والتحكم فيما يتلقاه، وبالتالي الحفاظ على ذوقه الخاص. لكن، لنكن واقعيين، هذا ليس بالأمر السهل. فالتدفق المستمر للمحتوى، والانفتاح الواسع، يضعان الإنسان في حالة تعرض دائم، تتطلب يقظة مستمرة لاختيار ما ينسجم مع قيمه، لا ما يُفرض عليه عبر التكرار. وفي النهاية، يبقى السؤال مفتوحًا: هل نختار ما نحب… أم نعتاد ما يُقدَّم لنا حتى نظنه اختيارًا؟