كاتب فرنسي ينتمي قلبه إلى أم كلثوم وعقله إلى ديكارت..
جيلبرت سينويه: أكتب لأبني جسراً بين الشرق والغرب.
حين نقرأ لجيلبرت سينويه، نشعر أن التاريخ ليس بعيدًا كما نظن. فجأة، لا تعود الشخصيات التي عاشت قبل مئات السنين مجرد أسماء في الكتب، بل بشرًا أحبوا وخافوا وحلموا وارتكبوا الأخطاء، تمامًا كما نفعل نحن اليوم. وربما هنا تكمن خصوصية سينويه؛ فهو لا يذهب إلى التاريخ بحثًا عما حدث فقط، بل عن الإنسان الذي عاش وسط كل ما حدث. ولعل هذه النظرة مرتبطة بحكايته الشخصية أيضًا. ولد في مصر وعاش بين ثقافتين، لكنه لم يتعامل مع الأمر يومًا باعتباره صراعًا عليه أن يختار فيه جانبًا. يصف نفسه، مستعيرًا تعبيرًا من صديقه أمين معلوف، بأنه يشبه «الكابتشينو» الذي يمتزج فيه الحليب بالقهوة ولا يمكن فصل أحدهما عن الآخر، ثم يختصر هويته بجملة جميلة: «قلبي ينتمي إلى أم كلثوم، وعقلي إلى ديكارت». ومن هنا ربما نفهم لماذا ظل الشرق حاضرًا بقوة في كتاباته، ولماذا شغله طوال سنوات سؤال العلاقة بين الشرق والغرب. بالنسبة إليه، يمكن للأدب أن يفعل شيئًا قد تعجز عنه السياسة أحيانًا: أن يجعلنا نرى الآخر بعيدًا عن الصور الجاهزة، وأن يمنحنا فرصة لفهم تاريخه ومخاوفه وأحلامه وتناقضاته. وفي البحرين، وجد سينويه حكاية أخرى تستحق أن تروى. كانت دلمون بالنسبة إليه حضارة يعرف عنها القليل، إلى أن اقترب منها وزار مواقعها الأثرية، وعندها بدأ الروائي داخله يطرح أسئلته: من عاش هنا؟ ماذا كان يحب؟ ممّ كان يخاف؟ وبماذا كان يحلم؟ أسئلة جعلته يرى خلف الآثار والحجارة حياة كاملة مرت من هنا قبل آلاف السنين. في هذا الحوار نقترب من جيلبرت سينويه بعيدًا قليلًا عن أغلفة كتبه، لنتحدث معه عن مصر التي غادرها ولم تغادره، وعن الهوية والذاكرة، وعن التاريخ حين يتحول إلى رواية، وعن الشرق والغرب، والبحرين ودلمون، والموسيقى التي ما زالت تسكن جمله، وعن الكتابة بعد أكثر من ثلاثين كتابًا. وفي النهاية، ربما نعود إلى السؤال الذي يبدو حاضرًا خلف الكثير من أعماله: هل نعود إلى الماضي لأننا نريد أن نفهمه، أم لأن شيئًا في داخلنا لا يعرف كيف نقول له وداعًا؟ أنا أشبه بالكابتشينو *سبق أن وصفت نفسك بأنك «فرنسي 100% وعربي 100%». بعد كل هذه السنوات، هل ما زلت تعيش إحساسك بالهوية بالقدر نفسه من التوافق والمصالحة، أم أن تعلقنا بالمكان الذي بدأنا منه يزداد قوة كلما تقدمنا في العمر؟ -سأجيب مستعيرًا عبارة من صديقي أمين معلوف: أنا أشبه بالكابتشينو. مكوّن من الحليب والقهوة. لا يمكنك فصل أحدهما عن الآخر. قلبي ينتمي إلى أم كلثوم، وعقلي إلى ديكارت. *غادرت مصر في سن مبكرة، ومع ذلك ظلت حاضرة في ذاكرتك وفي بعض كتاباتك. هل نكتب عن الأماكن لأننا نحبها، أم لأننا، بطريقة ما، نشعر أننا فقدناها؟ -ربما كلا الأمرين. نكتب عن الأماكن لأننا نحبها، لكن المسافة تمنح ذلك الحب بعدًا آخر. مصر ما زالت موجودة؛ ما فقدته، هو مصر طفولتي، وربما الشخص الذي كنت عليه عندما كنت أعيش فيها. الخيال الروائي *عندما تعود إلى التاريخ لكتابة رواية، ما الذي تبحث عنه أولًا: الحدث الذي تسجله كتب التاريخ، أم الإنسان الذي عاشه، والذي ربما لم يسجل التاريخ مشاعره قط؟ -دائمًا الإنسان. التاريخ يخبرنا بما حدث؛ أما الروائي فيحاول أن يتخيل كيف كان الشعور بالعيش وسط ذلك الحدث. ومن هنا يبدأ الخيال الروائي، في المساحة التي لا يستطيع التاريخ تسجيلها. *يخبرنا التاريخ بما حدث، بينما يحاول الأدب الروائي أن يتخيل ما قد يكون شخص ما شعر به أثناء وقوع الحدث. أين ترسم الحد الفاصل بين مسؤولية المؤرخ تجاه الحقيقة وحرية الروائي في التخيل؟ -بالنسبة لي، الخط الفاصل واضح جدًا: لا أغيّر أبدًا ما هو معروف أنه حدث بالفعل. لكن بين الحقائق توجد مساحات من الصمت، وهنا يستطيع الروائي أن يدخل. يمكنك أن تتخيل المشاعر، والحوارات، واللحظات الخاصة، ما دمت لا تخون حقيقة التاريخ. *كتبت عن العديد من الشخصيات التاريخية والفكرية. هل سبق أن بدأت الكتابة عن شخصية وأنت تحمل حكمًا أو تصورًا معينًا عنها، ثم اكتشفت أن نظرتك إليها قد تغيرت عندما انتهيت من الرواية؟ -لا، ليس حقًا. قد أكتشف جوانب فيها لم أكن قد فهمتها بشكل كامل، لكن تصوري الأساسي عنها نادرًا ما يتغير. ربما لأنني لا أبدأ الكتابة إلا عندما أشعر أنني أفهم الشخص بما يكفي. جسر بين الشرق والغرب *بعد أن أمضيت سنوات طويلة في قراءة التاريخ والكتابة عنه، هل تعتقد أن البشر يتغيرون حقًا، أم أننا ببساطة نكرر المخاوف والصراعات والأخطاء نفسها تحت أسماء مختلفة وفي أزمنة مختلفة؟ -لا، لا أعتقد أن البشر يتغيرون حقًا. نتعلم من أخطائنا فقط لكي نكررها، وأحيانًا على نطاق أكبر بكثير. في الواقع، أصبحنا بارعين بشكل لافت في تطوير قدرتنا على التدمير. وربما يأتي يوم نتقن فيه هذه القدرة إلى حد تدمير أنفسنا. *تحتل منطقة الشرق والحضارة العربية مكانة مهمة في أعمالك الأدبية. هل شعرت يومًا بأنك تفعل أكثر من مجرد كتابة الروايات، وأنك تحاول أيضًا تحدي أو تصحيح صورة الشرق التي طالما ترسخت في المخيلة الغربية؟ -نعم. بطريقة ما، كان هذا دائمًا أحد أهداف حياتي: بناء جسر بين الشرق والغرب، بين عالمين كثيرًا ما يسيء أحدهما فهم الآخر. كتب كيبلينغ عبارته الشهيرة: «الشرق شرق والغرب غرب، ولن يلتقيا أبدًا». ومن خلال رواياتي، حاولت، بطريقتي الخاصة، أن أثبت خطأه. يمكن للأدب أن يخلق مساحة يستطيع فيها أشخاص قد لا يلتقون أبدًا أن يبدأوا في فهم بعضهم بعضًا: تاريخهم، ومخاوفهم، وأحلامهم، وتناقضاتهم. لكن الأمر ليس سهلًا. فما زال كل من العالمين ينظر إلى الآخر، في كثير من الأحيان، بعين الريبة، وكل طرف مقتنع بطريقة ما بأن الطرف الآخر يمثل الشر. وربما لهذا السبب تحديدًا نحن بحاجة إلى تلك الجسور. مرآة الرؤية الخلفية *ومن المنظور المعاكس، بعد كل ما قرأته وكتبته عن الحضارة العربية، ما الذي تعتقد أننا، كعرب، توقفنا عن رؤيته في تاريخنا نحن، إما لأنه أصبح مألوفًا جدًا بالنسبة لنا، أو لأننا ابتعدنا عنه؟ -أحيانًا أفكر أن مأساة العالم العربي تكمن في أن العرب يتفقون دائمًا على أمر واحد: ألا يتفقوا أبدًا. كما أننا نميل إلى نسيان من أين أتينا وما الذي حققه أجدادنا، وكأن تلك الإنجازات أصبحت مألوفة جدًا لدرجة أنها لم تعد تعني لنا الكثير. ومع ذلك، انظر إلى ما يدين به العالم للحضارة العربية والإسلامية: إنجازات كبرى في الطب والجراحة، والجبر، والبصريات، وعلم الفلك، ورسم الخرائط، والجغرافيا، والفلسفة، فضلًا عن حفظ المعارف القديمة ونقلها. لقد تغذت الكثير من الإنجازات التي ازدهرت لاحقًا في أوروبا على هذا الإرث الفكري. لكن الفخر بالماضي وحده لا يكفي. لا يمكنك بناء المستقبل وأنت تنظر باستمرار إلى مرآة الرؤية الخلفية. التحدي الحقيقي اليوم هو أن يصنع العرب حاضرًا يمكنهم أن يفخروا به، وأن يؤمنوا، قبل كل شيء، بمستقبلهم من جديد. حضارة دلمون *أصبح لقاؤك بالبحرين واكتشافك لحضارة دلمون القديمة جزءًا مميزًا من رحلتك الأدبية. ماذا اكتشفت في دلمون بصفتك روائيًا، وربما لم تكن لتكتشفه لو تعاملت معها من منظور التاريخ البحت؟ -اكتشفت، أولًا وقبل كل شيء، حضارة كنت أعرف عنها القليل جدًا. ولم تصبح دلمون حقيقية بالنسبة إليّ إلا عندما قضيت بعض الوقت في البحرين، وعندما اقترحت عليّ صديقتي الشيخة مي أن أزور المواقع الأثرية. لقد أذهلتني فكرة أن هذه الجزيرة الصغيرة تخفي تحت أرضها آثار حضارة يعود تاريخها إلى آلاف السنين، وترتبط ببلاد الرافدين والعالم القديم. بصفتك روائيًا، لا ترى فقط الأطلال أو البقايا الأثرية؛ بل تبدأ في تخيل الأشخاص الذين عاشوا هناك، وما كانوا يؤمنون به، وما كانوا يخافونه، وما كانوا يحلمون به. وهذا ما أثار فضولي. وأعتقد أنه من المهم أن يأتي المزيد من الناس من الغرب إلى البحرين ليكتشفوا هذا التاريخ بأنفسهم. دلمون تستحق أن تكون معروفة على نطاق أوسع بكثير. نظرة جديدة *أحيانًا يلاحظ الشخص القادم من الخارج تفاصيل في مكان ما لم يعد أهله يرونها، لأنهم اعتادوا عليها وأصبحت مألوفة جدًا بالنسبة لهم. ماذا رأيت في البحرين وتشعر أننا، كأبناء هذا المكان، ربما توقفنا عن ملاحظته؟ -إنها ظاهرة شائعة جدًا. عندما كنت أعيش في مصر، هل تعتقد أنني كنت أولي الأهرامات الكثير من الاهتمام؟ وهل لا يزال الباريسي الذي يمر أمام برج إيفل كل صباح ينظر إليه فعلًا؟ الاعتياد يجعل الأشياء الاستثنائية تبدو عادية. وربما هذا هو ما يستطيع الشخص القادم من الخارج أن يقدمه: نظرة جديدة. في البحرين، لفت انتباهي أمور قد يعتبرها البحرينيون ببساطة من المسلّمات: عمق تاريخ البلاد، وآثار دلمون، والعلاقة بين الجزيرة والبحر. أحيانًا تحتاج إلى شخص يأتي من مكان آخر ليذكّرك بأن ما يبدو عاديًا بالنسبة إليك قد يكون استثنائيًا بالنسبة إلى بقية العالم. صورة كاريكاتورية *بعد استكشاف تاريخ البحرين ودلمون، هل تغيرت نظرتك إلى منطقة الخليج، ولا سيما إلى منطقة تختزلها النظرة الخارجية أحيانًا في النفط والحداثة والمدن التي شُيدت حديثًا؟ -أوه نعم، بالتأكيد. المأساة هي أن الغرب لا يزال يميل إلى تصور الخليج من خلال مجموعة محدودة من الصور النمطية: ناطحات السحاب، وآبار النفط، والثروة، والمدن الحديثة المبنية حديثًا. أجد ذلك محزنًا جدًا، لأن هذه ليست الصورة الحقيقية لهذه البلدان. إنها صورة كاريكاتورية. فهناك ما هو أكثر بكثير من ذلك: إحساس عميق بالضيافة، واللباقة، والتواصل الإنساني، والشرف، إلى جانب الثقافة والذاكرة وتاريخ يمتد إلى آلاف السنين. وهذا سوء فهم آخر بين الشرق والغرب، ولسوء الحظ، لا يزال قائمًا حتى اليوم. إما الموسيقى أو الكتابة *قبل الأدب، كانت الموسيقى جزءًا مهمًا من حياتك. هل تركت الموسيقى حقًا عندما اتجهت إلى الكتابة، أم أنها وجدت ببساطة شكلًا آخر في إيقاع جملك وبنية رواياتك؟ -كنت قد كرّست نفسي للغيتار الكلاسيكي، وهو آلة تتطلب، رغم مظهرها، قدرًا هائلًا من الانضباط والتدريب اليومي. عندما قررت التفرغ للأدب بجدية، وكان ذلك في سن متأخرة نسبيًا، في السابعة والثلاثين تقريبًا، أدركت أنه كان عليّ أن أختار. إما الموسيقى أو الكتابة. جاء الاختيار بشكل طبيعي. لكن، وربما على نحو مفاجئ، لم تغادرني الموسيقى حقًا. فهي حاضرة دائمًا في ذهني عندما أكتب. إنها تساعدني على إيجاد إيقاع الجملة، ونَفَسها، وموسيقاها، كلما أمكن ذلك. معنى «الإلهام» *بعد أكثر من ثلاثين كتابًا، هل تصبح الكتابة أسهل، أم أن حالة عدم اليقين التي ترافق الصفحة البيضاء الأولى تظل قائمة، مهما ازدادت خبرة الكاتب؟ -قد أفاجئك مرة أخرى: لم أشعر قط بالخوف من الصفحة البيضاء، ولست حتى متأكدًا من أنني أعرف معنى «الإلهام». والسبب بسيط جدًا: لا أبدأ رواية أبدًا قبل أن تكون القصة قد كُتبت بالفعل في رأسي. أما حالة عدم اليقين الوحيدة التي أشعر بها فتأتي بعد ذلك، ويمكن تلخيصها في بضع كلمات: هل أحسنت كتابتها؟ عصر مجنون إلى حد ما *نعيش في عصر السرعة والاختصار، بينما تتطلب الرواية، ولا سيما الرواية التاريخية، من القارئ وقتًا وصبرًا وتأملًا. ما الذي لا تزال الرواية قادرة على منحه لنا اليوم، ولا تستطيع الشاشات ووسائل التواصل الاجتماعي منحه؟ -لا أعتقد أنه ينبغي لنا أن نضع أشكال التعبير المختلفة هذه في مواجهة بعضها البعض. ينبغي النظر إلى الرواية باعتبارها مكملة للشاشات ووسائل التواصل الاجتماعي، لا عدوًا لها. عندما ظهر التلفزيون، اعتقد العاملون في صناعة السينما وقالوا: «لقد انتهينا». لكن التاريخ أثبت خطأهم. وأعتقد أن الأمر نفسه ينطبق على الرواية. ويقول الناس أيضًا إن الشباب لم يعودوا يقرأون لأنهم يقضون حياتهم ملتصقين بهواتفهم الذكية. وهذا صحيح وخاطئ في الوقت نفسه. إذا وجدت الطريقة المناسبة لقيادتهم نحو الكتب، فسوف يقرؤون. كان ابني نفسه يكره القراءة. وبالتدريج، ومن دون أن أفرض عليه شيئًا، شجعته على فتح روايته الأولى. واليوم، يقرأ رواية واحدة كل شهر. لكن صحيح أننا نعيش في عصر مجنون إلى حد ما، تهيمن عليه السرعة والفورية. وربما يكون هذا تحديدًا ما لا تزال الرواية قادرة على أن تقدمه لنا: ترف التمهّل. *أمضيت جزءًا كبيرًا من حياتك في إعادة أشخاص ومدن وحضارات اختفت منذ زمن بعيد إلى الحياة من خلال الخيال الأدبي. بعد كل هذه السنوات، هل تعتقد أننا نكتب عن الماضي لكي نفهمه، أم لأننا لا نعرف كيف نقول له وداعًا؟ -أخشى أننا نتعلم القليل جدًا من الماضي، لسبب بسيط: لقد قلنا له وداعًا بالفعل. نتذكر قصصه، ونحيي ذكراه، ونكتب الكتب عنه، لكننا نادرًا ما نصغي إلى ما يريد أن يعلمنا إياه. وربما لهذا السبب نستمر في تكرار الأخطاء نفسها.