خُلقت القمم لتعلّمنا العلو.

في هذا الكون قممٌ كثيرة، تختلف في تكوينها، وتتباين في ملامحها، لكنها تلتقي في معنى واحد: العلو. قمةٌ جبلية شامخة، تشقّ طريقها نحو السماء، وقمةٌ يكسوها الجليد، تقف في صمتها وهيبتها أمام تعاقب الفصول، وقمةٌ من الرمل صنعتها الرياح في قلب الصحراء، حتى غدت كثبانًا تعلو وتمتد، وكأن لكل بيئةٍ من بيئات الأرض طريقتها الخاصة في التعبير عن الشموخ. جبلٌ من صخر، وقمةٌ من جليد، وأخرى من رمل؛ مواد مختلفة، وصور متباينة، وصانعها واحد سبحانه: ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾. وحين يتأمل الإنسان هذه القمم، يدرك أن العلو ليس صورةً واحدة؛ فليس كل ما ارتفع كان من صخر، وليس كل ما ثبت تشابه في تكوينه. لكل قمة خصائصها، ولكل واحدة منها طريقها إلى العلو. وهنا يمتد التأمل من قمم الأرض إلى قمم الإنسان. فالله الذي أودع في الجبل شموخه، وفي الجليد هيبته، وفي الرمل قدرته على أن يتراكم حتى يصنع قمة؛ أودع في الإنسان عقلًا وإرادةً وطموحًا وهمّة، وجعل أمامه من مراتب العلم والعمل والإحسان ما يستطيع أن يرتقي فيه ما دام يسعى. وكما تختلف قمم الأرض، تختلف قمم البشر. فمن الناس من تكون قمته في العلم، ومنهم من تكون في الخُلُق، ومنهم من يسمو بالعطاء، وآخر بخدمة الناس، وآخر بصبره وثباته، وآخر برسالةٍ يحملها ويمضي بها مهما طال الطريق. ولعل أجمل ما تقوله لنا القمم بصمتها: إن العلو يحتاج إلى تراكم. فحتى الكثيب العظيم لم يكن إلا حبات رمل اجتمعت، والإنجاز الكبير قد يبدأ بخطوة صغيرة، والمعرفة الواسعة تبدأ بمعلومة، والنجاح يبدأ بمحاولة، والقمة التي يراها الناس في نهاية الطريق قد تكون وراءها آلاف الخطوات التي لم يرها أحد. وللقمم أيضًا ثمنها؛ فكلما ارتفع الطريق اشتدّ صعوده، وكلما علت الغاية احتاجت إلى همة تليق بها. ولذلك لا يبلغ الإنسان قمته بالأمنيات وحدها، بل بالصبر، والسعي، والثبات، والاستعانة بالله. وحين خلق الله القمم عاليةً لم يجعلها جميعًا متشابهة، وكأن في ذلك معنى يستحق التأمل: ليس مطلوبًا من الإنسان أن يكون نسخةً من قمة غيره، وإنما أن يعرف القمة التي خُلق قادرًا على السعي إليها. فيا من ينظر إلى القمم البعيدة ويظن أن الوصول إليها مستحيل، تذكّر أن الله الذي أراك في الأرض صورًا متعددة للعلو، قد أودع فيك من القدرة والإرادة ما يجعلك تسعى إلى علوٍّ من نوع آخر. فالقمم ليست دائمًا أماكن نصعد إليها بأقدامنا؛ بعض القمم نصعد إليها بعقولنا، وبعضها بأخلاقنا، وبعضها بعلمنا وعملنا، وأعلاها تلك التي نرتقي إليها بقلوبٍ تعرف الله، وهممٍ لا ترضى بالدون. وحينها يصبح السؤال أمام كل قمة نراها ليس: كم يبلغ ارتفاعها؟ بل: إلى أي قمةٍ تمضي همّتي أنا؟