سجل واحد.. ومكتبان!

جاء نظام السجل التجاري الجديد بخطوة مهمة في طريق تسهيل ممارسة الأعمال، حين ألغى السجلات الفرعية واكتفى بسجل تجاري واحد للمنشأة على مستوى المملكة يشمل جميع أنشطتها، وهي خطوة تستحق الإشادة؛ لأنها تنسجم مع ما تشهده المملكة من تطوير للبيئة التجارية وتقليل للإجراءات والأعباء على أصحاب المنشآت. لكن هذا التطور يفتح الباب أمام سؤال آخر يتعلق بالرخص البلدية: إذا كان النظام قد أجاز للمنشأة أن تجمع أنشطتها في سجل تجاري واحد، فلماذا لا يمتد هذا المفهوم إلى المقر التجاري نفسه متى كانت طبيعة الأنشطة تسمح بذلك؟ خذوا على سبيل المثال نشاطي المقاولات والعقارات. فهما وإن كانا نشاطين مختلفين في التصنيف، فإن بينهما ارتباطاً عملياً واضحاً؛ فالمقاول يبني العقار ويرممه ويطوره، والوسيط العقاري يسوقه ويبيعه ويؤجره، وكلا النشاطين يمكن إدارة أعمالهما والتعاقد بشأنهما من مكتب إداري واحد، دون أن يترتب على اجتماعهما في المكان نفسه ضرر صحي أو بيئي أو إزعاج للآخرين. ومع ذلك، فإن إجراءات الترخيص البلدي تربط إضافة نشاط آخر إلى الرخصة بمفهوم “التجانس”، وهنا يبرز السؤال: هل ما زال هذا المفهوم بصورته الحالية مناسباً للمرحلة الجديدة التي جاء بها نظام السجل التجاري؟ وقد يقال إن الجمع بين بعض الأنشطة في مقر واحد قد يثير إشكالات تتعلق بالتوطين، كما في نشاطي العقار والمقاولات؛ فالعمل في عدد من المهن العقارية مقصور على السعوديين، بينما قد يعمل في نشاط المقاولات عمالة وافدة في المهن التي يسمح النظام لها بالعمل فيها. لكن هذه الإشكالية في تقديري لا تستوجب الفصل بين النشاطين في مقرين مستقلين، بقدر ما تستوجب وضوحاً في تنظيم ممارسة كل نشاط داخل المقر الواحد؛ بحيث تظل المهن العقارية المواطنة مقصورة على السعوديين المرخص لهم، ويمارس بقية العاملين الأعمال المسموح لهم بها نظاماً في نشاط المقاولات. فالتنظيم ينبغي أن يضبط الممارسة، لا أن يضاعف المقرات والتكاليف ما دام بالإمكان تحقيق الغاية النظامية في المكان نفسه. فليس من المنطقي أن نخفف على صاحب المنشأة من جهة بإلغاء تعدد السجلات، ثم نحمّله من جهة أخرى - إذا لم يُسمح بجمع نشاطين مكتبيين في مقر واحد - تكلفة مكتب آخر بما يعنيه ذلك من إيجار وتجهيز ولوحة وخدمات ومصاريف تشغيلية إضافية، في وقت تتجه فيه الدولة إلى دعم المنشآت الصغيرة ومتناهية الصغر وتخفيف أعبائها. ولست هنا أدعو إلى فتح الباب لجمع أي نشاطين كيفما اتفق، فهناك أنشطة تختلف اشتراطاتها ومتطلبات السلامة فيها، ومن الطبيعي الفصل بينها. لكن الأنشطة المكتبية التي لا يترتب على اجتماعها ضرر أو تعارض فني تستحق أن ينظر إليها بمعيار مختلف، يقوم على طبيعة ممارستها الفعلية لا على اختلاف مسمياتها وتصنيفاتها فقط. نظام السجل التجاري الجديد لم يوحّد ورقة السجل فحسب، بل حمل فلسفة واضحة تقوم على التيسير وتقليل الأعباء. ومن هنا يصبح من المناسب أن تراجع الجهات المعنية مفهوم الأنشطة المتجانسة في الرخص البلدية بما يواكب هذه الفلسفة، ويتيح للمنشأة ممارسة أنشطتها المكتبية المتوافقة من مقر واحد، ما دامت مستوفية تراخيص كل نشاط واشتراطاته. فإذا أصبح للمنشأة سجل واحد لأنشطة متعددة، فلماذا تحتاج إلى مكتب لكل نشاط.؟