المقدّمة: بوابة الكتاب المواربة.
لطالما أثارت المُقدّمات في الكُتب الفُضول، سواءً التي يكتبها المؤلّفون أنفُسهم، أو النُقّاد والأُدباء الذي يستعين بهم المؤلّف لتقديم كتابه، تلك المُقدّمات التي نراها واقفةً على ضِفاف أغلب مُتون المؤلَّفات الإبداعية؛ راسِمةً نفسها بأشكالٍ شتّى، كدعوةٍ للدُّخول إلى العوالم التي تليها، أو مفتاح تمهيدي للكتاب يجذب قارئه إلى بقيّة الأبواب والفصول، وتجعله يبحث عنه في مضانّ الصفحات القادمة، وكأن في المُقدّمة مفتاح سريّ أو سحريّ لما يبحث عنه! وقد أخذ الاختلاف بين المؤلّفين حول التقديم أو عدمه مَناحٍ مُتعدّدة. فلَم يُقدّم عميد الأدب العربي “طه حسين” مثلاً لمُذكّراته: “الأيام”، بل انطلق من سطره الأول فيها إلى مُعاناة سنواته الأربع الأولى في “الأزهر”، وأشجانه وأحزانه ووِحدته في غُرفته المُطفأة المصباح؛ باعتباره كفيف لا فرق عنده بين إضاءة غُرفته أو عتمتها، فما كان يؤنسه في تلك الليالي السوداء غير ضجيج سُكّان حيّ “الأزهر” وباعته، ولم يكُن ليُسعده فيها غير صوت المؤذّن وهو ينطلق من مِئذنة الجامع مع أوقات الصلوات الخمس.. ثم واصل العميد سرد مُذكّراته أو ذكرياته عن تلك الأيام. أما الأستاذ “سمير عطا الله” فقد اختار أن يكتب لكتابه: “جنرالات الشرق” مُقدّمةً طويلة تبلغ 70 صفحة (!!) من كتابه المكوَّن من 350 صفحة، عبارة عن بحثٍ شاملٍ لمفهوم “الشرق الأوسط” لدى قوى العالم، ووجد أن كُلّ فريقٍ يُسمّي المنطقة نسبةً إلى قُربه منها: الفرنسيون والبريطانيون يُسمّونها “الشرق الأدنى”، والروس والأمريكيون يُسمّونها “الشرق الأوسط”، والاكتشاف الأهمّ أن الاستراتيجيين الأمريكيين يضعون “باكستان”، على بُعدها، ضمن هذا المُسمّى الدائم الاضطراب، شرق الأزمات والحروب الأزَلية. بينما اكتفى الأديب الكولومبي “غابرييل غارسيا ماركيز” صاحب رواية “مائة يومٍ من العُزلة”؛ التي توّجتْ أعماله القصصية والروائية، ومنحته جائزة “نوبل” في الآداب لعام 1982، بسطرٍ واحدٍ هو “المُقدّمة” وهو الخُلاصة لحياته، عندما قال فيه: “ليست الحياة ما عاشهُ المرء، بل ما يتذكّره، وكيف يتذكّره ليرويه”.. وقد كان عنوان مُذكّراته: “نعيشها لنرويها”. وكتب الأديب الأستاذ “عزيز ضياء” مُقدّمةً لمُذكّراته “حياتي مع الجوع والحُبّ والحرب” في شكل رسالةٍ إلى ابنه، ولخّص حياته في ذلك المثَل الفرنسي الأخّاذ، الذي تصدّر المُذكّرات: “الحياة كالبصلة، يُقشّرها المرءُ وهو يبكي”! وكتب الدكتور “غازي القصيبي “ مُقدّمة مُذكّراته الشهيرة، التي صدرتْ بعنوان “حياة في الإدارة”، يُحدّث في جٌزئها الأول عن رفض أبيه الشيخ “عبدالرحمن القصيبي”؛ وقد كان وكيلاً للملك عبد العزيز في “البحرين” خلال عشرينيات القرن الماضي، لكلّ مُحاولات استدراج ابنه لهُ لكتابة مُذكّراته، لأنه: “لا يستطيع أن يُفشي الأسرار التي اوئتُمِن عليها، وأن المُذكّرات إذا خلَتْ من هذه الأسرار، فلن تكون سردٍ لأشياء يعرفها الناس جميعاً”.. ليعترف المؤلّف في ختام المُقدّمة، وللأمانة التاريخية، بأنه: “لم يقُل الحقيقة كاملةً، ولكنه يرجو أن يكون كُلّ ما قالهُ هُنا حقيقة”. أما الأديب الدكتور “لويس عوَض” فقد اختار درباً مٌختلفاً عندما كتب مُذكّراته التي جاءت بعنوان “أوراق العُمر”؛ فلم يُقدّمها بمُقدّمةٍ مُعتادة، أو بسطرٍ أو مثَلٍ، ولم يدعُ أحداً من أصدقائه ألمُقرّبين والعارفين به من زُملائه من كوكبة كُتّاب “الأهرام”، في زمن رئيس تحريرها الأشهر “محمد حسنين هيكل” لتقديمها، من أمثال “توفيق الحكيم” أو “يوسف إدريس” أو “زكي نجيب محمود”، لكنه اختار أن يجعل عنوان فصلها الأول “موحياً” بمعنى التقديم، هو: “ما قبل الذكريات”.. ليتحدّث فيه عن أيام طفولته في “السودان”، والسنوات الأولى التي أمضاها من حياته في “الخرطوم بحري” بصُحبة أبيه المُثقّف الذي يملك مكتبةَ منزلية إنجليزية صغيرة من مائة كتاب، والموظّف في حكومة السودان الإنجليزية، وعودته بصٌحبة أُسرته بعد ذلك إلى مسقط رأس أبيه في صعيد “مصر”. وقد عرف الكُتّاب والأُدباء قدر المُقدّمات التي يكتبها عمالقة الفكر والأدب، ومنهم الأستاذ “عباس محمود العقّاد” في زمانه، وحرص بعض المؤلّفين على أن يُتوّجوا كُتبهم بها، لما في ذلك من الشهادة لها والتعريف بفضلها، إذ لم يكُن “العقّاد” ممّن يُلقي القول على عواهنه، ويٌجري القلم في ثناء من لا يستحقّه.. وقد أحصى الدكتور “عبد السلام الحلّوجي” في كتابه عن “العقّاد” والذي نشره بعد وفاته سنة 1964، وسرد في قائمة الكُتب التي قدّم لها “العقّاد” 21 عنواناً، أما الدكتور “حمدي السكوت” في سلسلته لأعلام الأدب المُعاصر، فقد أحصى لمُقدّمات “العقّاد” 50 كتاباً، تنوّعتْ موضوعاتها ما بين ديوان شِعر وقِصّة ورواية، ومقالات مجموعة في فنون اللغة والأدب والاقتصاد والسياسة والتاريخ والتراجم والرحلات.