مَوسم التمور أمْ مَوسِم العُطـور !؟

قبل حوالي ثلاث سنوات انتَقَلَت إدارة الأسواق المركزية للخضار والفاكهة في المُدُن مِن وزارة البلديات والإسكان وأمانات المُدُن إلى وزارة البيئة والمياه والزراعة، فاستبشر الناس خيراً بهذا الخبر، حيثُ أناطت الوزارة بالشركة الوطنية للخدمات الزراعية مُهِمَّة الإشراف على هذه الأسواق. ولكن، كما يُقال، الفرحة لم تَدُم طويلاً، حيث جاء أوَّل اختبار لنتائج هذا الانتقال الإداري للأسواق المركزية للخضار والفاكهة إلى وزارة البيئة والمياه والزراعة العام الماضي فيما كان يُسمى “مهرجان التمور” في سوق الربوة المركزي في العاصمة الرياض، والذي أطلقت عليه الوزارة اسماً جديداً هو: “موسِم التمور بالربوة”. وقد كان شعاره هذا العام: “هنا تبدأ رحلة التمور السعودية”!! وكأنّي بوزارة البيئة والمياه والزراعة والشركة الوطنية للخدمات الزراعية تُريدان لفت نظر العامَّة إلى بدء إشرافهما على السوق بتغيير ما اعتاد عليه الناس بشأن مُسمّى وطريقة تنظيم مهرجان التمور بالربوة لسنوات عديدة مِن قِبَل وزارة البلديات والإسكان عبر أمانة مدينة الرياض، شأنهما في ذلك شأن قرارات العديد مِن الأجهزة والشركات الحكومية وشبه الحكومية عند تغيير رئيسها أو تَبَعيَتها، حيث يكون أوَّل القرارات هو اعتماد “هويَّة جديدة” للجهاز !! ولو طُلِبَ مِنّي تقييم القائمين على مهرجان أو موسم التمور 2025 و 2026، فيما يتعلَّق بتوقيت افتتاح هذه الفعالية الزراعية التسويقية السنوية، لقُلت ـــ وبدون أي تَرَدُّد ـــ بأنَّ القائمين عليه يجهلون تماماً توقيت تسويق التمور، إنْ لم يكونوا يجهلون كُل شيء عن النخيل والتمور؛ أو أنَّ الشركة الوطنية للخدمات الزراعية هي شركة غير سعودية مِن رأسها حتى أخمَص قدميها ولم تَسمَع بشيء اسمه النخيل والتمور !! فهل يُعقَـل أنْ يبدأ موسم تسويق التمور في سوق الربوة بالرياض في نهاية شهر أغسطس، وذلك عند انتهاء موسم “الرَّطَب” وبدء جَني كامل محصول التمر مِن على النخلة، والمعروف محلياً بعملية “الصَرَام أو الجَـدَاد” !؟ بمعنى آخر، كيف يُهمِل القائمون على فعالية إدارة موسم تسويق التمور في سوق الربوة حقيقة بدء نزول أصناف البِسِر (البَلَح) والرَّطَب مطلع شهر يونيو، وبالتالي حاجة المُزارعين والمُسوِّقين والمُشترين افتتاح مَنفَـذ بيع البِسِر والرَّطَب مُمَثَّلاً بسوق الربوة في الرياض الذي اعتادوا عليه لسنواتٍ طويلة !؟ وبالتالي، لماذا تأخَّـر افتتاح فعالية موسم التمور إلى نهاية شهر أغسطس العام الماضي وهذا العام !؟ ولكن السؤال الأهمّ هو: لماذا انخفض عدد بائعي التمور في سوق الربوة بالرياض في موسِمَي 2025م و2026م إلى حوالي 20% أو 30% من عدد البائعين في صيف 2024م وما قَبله، عندما كان الإشراف على السوق مُناطاً بوزارة البلديات والإسكان مُمَثَّلةً بأمانة مدينة الرياض !؟ هل هو حدوث ارتفاع كبير في إيجار مواقع البيع (الأكشاك) في هذا السوق !؟ فقد انخفضت مساحة هذا السوق إلى حوالي نصف المساحة السابقة قبل انتقال السوق تحت إشراف وزارة البيئة والمياه والزراعة، إضافةً إلى هَدم مُنشآت السوق السابق (المِظَلَّة)، وإنشاء مِظَلَّة أصغر مِن المِظَلَّة السابقة، وكذلك المُبالَغَة في “البهرَجَة” لإدارة السوق؛ وهذا ما قـد يُعرَف “بالهوية الجديدة” !! وقَـد فُوجِئ المُتَسَـوقون الصيف الماضي، عند افتتاح “موسم التمور بالربوة 2025” في نهاية شهر أغسطس 2025م، باستقبالهم بفناجين القهوة السعودية عند مدخل السوق مِن موظفين ارتدوا “ثياب المرودن” المُطرَّزة، وكأنَّك داخل إلى حفل زفاف !! ولكن ما إنْ تَدخُـل إلى السوق إلاَّ وتَصطَدِم بضآلة عدد بائعي التمور، مقارنةً بالأعوام الماضية (2024م وما قبلها)، وكذلك ضيق الممرات بين أكشاك البيع. والصدمة الثانية في موسم هذا العام 2026م تَمَثَّلت بوجود الكثير جداً مِن بائعي مُنتجات أُخرى غير التمر والرَّطب شغلوا أكثر مِن نصف عدد المحلات، يبيعون العطور والبخـور والعسل والمعمول والحلويات وغيرها مِن المأكولات التي لم ينقصها سوى وجود أكشاك الشاورما والمعسَّل!! وكأنَّك في مهرجان أو فعالية لبيع المُنتجات الغذائية، وليست الفعالية التي كَتَبَت الشركة الوطنية للخدمات الزراعية هذا العام على الخيمة الكبيرة التي تُظِلّ أكشاك البائعين مُسمّى: “موسم التمور بالربوة 2026 ـــ هنا تبدأ رحلة التمور السعودية”، مع رسم نخلتين مُثمرتين على يمين ويسار هذا المُسمى !! كما يُقال، “الله يذكر أمانة مدينة الرياض بألف خير”، عندما كانت مسؤولة عن سوق التمور في الربوة أثناء فعاليته الصيفية مُنذُ عشرات السنين، حيث كانت مواقف السيارات حول الموقع مجانية للجميع. ولكن عندما أصبحت وزارة البيئة والمياه والزراعة، مُمَثَّلةً بالشركة الوطنية للخدمات الزراعية، مسؤولة عن إدارة سوق الربوة المركزي، قامت هذا الصيف (2026م) بوضع موانع حديدية حول مواقف السيارات المحيطة بموقع فعاليَّة موسم التمور بالربوة 2026، في الركن الجنوبي الشرقي مِن السوق؛ ووضعت موظفي أمن معهم أجهزة الدفع لِمَن يرغب الوقوف بسيارته قريباً من موقع السوق. وكأنّي بالشركة الموقَّرة شركة تجارية هدفها الأول والأخير تعظيم أرباحها مِن أي خدمة تقوم بها، وليست شركة حكومية 100% أُنشِـئَت لتسهيل تسويق التمور!! وأعتَقِـد أنَّ هذه الرسوم على مواقف السيارات هي أحد الموارد المالية الجديدة لتمويل تكاليف “دلال” القهوة وثياب المرودن وموظفي الاستقبال الكُثر العام الماضي (والحالي) للترحيب بزوَّار السوق !! السؤال البديهي هُنا للشركة الوطنية للخدمات الزراعية هوَ: لماذا وضعتم مواقف السيارات حول مهرجان أو موسم التمور 2026 برسوم مالية !؟ هل أنتم شُركاء لطَيِّبة الذِّكر “مواقف الرياض” التي تقريباً لم تترك شارعاً في الرياض إلاّ وَوَضَعَت على مواقف السيارات فيه رسوماً بثلاثة ريالات للساعة، وعاقبت المُخالِف بغرامة خُرافية أبعَـد ما تكون عن المَنطِّق والعدالة بمبلغ مائتي ريال، وهو ما يُعادل 6666% مِن رسم ساعة الوقوف، في حين ألغت وزارة البلديات والإسكان رسوم وقوف السيارات في المنطقة الشرقية والقصيم بعد تطبيقها لأكثر من عام !؟ خُلاصَة القَـول في موضوع إنتقال إدارة الأسواق المركزية للخضار والفاكهة في مُدُن المملكة إلى وزارة البيئة والمياه والزراعة، أنَّ الأمَل كان في أنْ تقوم الوزارة بمَنع غير السعوديين مِن مُمارَسَـة وظائف البيع في هذه الأسواق التي تكتظ بآلاف البائعين غير السعوديين، لا أنْ تقوم بعمليات تجميلية مُكلِفة وتُخفِق في اتخاذ قرارات بديهية جداً يعرفها عامَّة الناس، وهي توقيت بدء الفعاليات التسويقية، وقبل ذلك وبعده تحميل البائعين والمُتَسَوِّقين تكاليف ما أنزل الله بها مِن سلطان. وآخراً وليس أخيراً، لا يخفى على وزارة البيئة والمياه والزراعة الموقَّرة أنَّ “التجارة تسعة أعشار الرزق”. ولكن الأمل والآمال شيء، والواقع البيروقراطي شيء آخر.