المقال الصحفي.. حين تفكر الكلمة.

قال الثعالبي في كتابه ثمار القلوب، ص 197: سئل عبد الحميد الكاتب – كاتب الدولة الأموية - ما الذي خَرَّجك في البلاغة؟ فأجاب: حفظ كلام الأصلع- يعني علي بن أبي طالب. وحين يشرع القارئ في قراءة “نهج البلاغة” الذي جمعه الشريف الرضي من روائع أقوال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب وحِكَمه، يجد فيه من البلاغة ما تطرب له الأذن، ويقصر دونه اللسان. ولئن سبق عبد الحميد الكاتب جمعَ الشريف الرضي لنهج البلاغة بقرون، فقد تخرّج ـ كما تقول الرواية ـ في مدرسة كلام علي بن أبي طالب؛ تلك المدرسة التي حفظ لنا نهج البلاغة جانبًا من تراثها البياني وكاتب هذه السطور لا يمل من التنزه في حدائق هذه المدرسة الغناء. ومن تلك المدرسة تَعَلَّمَ أن البلاغة ليست في كثرة القول، بل في أن تعرف ماذا تقول، وكيف تقوله، ومتى تصمت. المقال الصحفي، في جوهره، فكرة جديرة بأن يقدمها الكاتب إلى القارئ. ولهذا تبدأ مسؤوليته قبل أن تُكْتَب الجملة الأولى، ولا تنتهي بوضع النقطة الأخيرة. ولعل هذا ما يجعل كتابة المقال أكثر صعوبة مما يبدو للكثيرين. فبوسع أي إنسان أن يكون له رأي، ولكن امتلاك الرأي شيء، والقدرة على تحويله إلى مقال شيء آخر. وبين هذا وذاك مسافة تقاس بوضوح الفكرة، وسلامة المعلومة، وترابط الحجة، واقتصاد اللغة، وحسن التوقيت، واحترام عقل القارئ. ولعل المقال الصحفي أحوج فنون الكتابة إلى هذا الميزان. الكتابة الصحفية، مهما اتسعت مساحتها، تبقى مرتبطة بالحقيقة. والأدب يستطيع أن يخلق عالمه، أما الصحافة فلا تملك هذه الرفاهية، إذ يمكن للروائي أن يخترع شخصًا ويمنحه تاريخًا ومشاعر ومصيرًا، بينما لا يحق لكاتب المقال أن ينسب إلى شخص موقفًا لم يتخذه، أو قولًا لم يقله، أو دافعًا نفسيًا لا دليل عليه. ولهذا تأتي سلامة الوقائع والتسلسل في مقدمة أدبيات المقال. ويتبعها الحذر من تحويل الاحتمال إلى حقيقة، أو التزامن إلى سببية، أو الظن إلى يقين. فالفرق كبير بين أن نقول إن حدثًا أعقب حدثًا آخر، وأن نزعم أن الأول تسبب في الثاني. وكثير من الأخطاء الفكرية لا تنشأ من كذب المعلومة نفسها، وإنما من العلاقة التي يصنعها الكاتب بين معلومات صحيحة. قد تكون الواقعتان صحيحتين، ويكون الاستنتاج الذي يربطهما خاطئًا. ومن هنا تبدأ أخلاق المقال من الدقة، لا من البلاغة. لكن الدقة وحدها لا تصنع مقالًا. فلو كانت الكتابة مجرد جمع للحقائق لكانت الموسوعات أكثر المنشورات تأثيرًا. المقال الصحفي يحتاج شيئًا آخر: زاوية النظر. فما يميز الكاتب ليس دائمًا ما يعرفه، بل الطريقة التي يرى بها ما يعرفه الجميع. وقد تمر الحادثة الواحدة أمام مئات الكُتّاب، فيراها كل منهم من نافذة مختلفة، أحدهم يلتقط بُعْدَها الاقتصادي، والآخر الاجتماعي، والثالث الأخلاقي، والرابع يستدعي لها نظيرًا من التاريخ. وهنا يظهر الفرق بين الموضوع والفكرة. فالتسامح – مثلًا - موضوع، لكن المفارقة بين الدعوة إلى التسامح وممارسة الإقصاء فكرة. والحرية موضوع، لكن احتمال تحول الدفاع عنها إلى وسيلة لقمع حرية المخالف فكرة. الموضوع واسع ومتاح للجميع، أما الفكرة فهي العدسة التي ينظر الكاتب من خلالها إلى الموضوع. حين تتحدد الفكرة يأتي العنوان، وهو أقصر أجزاء المقال وأكثرها مشقة. والعنوان الجيد لا ينبغي أن يخبر القارئ بكل شيء، وإلا انتفت الحاجة إلى القراءة، ولا أن يخفي عنه كل شيء، وإلا تحول إلى لغز. إنه باب نصف مفتوح، يكشف من الداخل ما يكفي لإثارة الفضول، ويخفي ما يكفي لدفع القارئ إلى الدخول. ومن أجمل الصيغ أن يقوم العنوان على مفهوم ومفارقة، وأن يكون موجزًا ذا كثافة دلالية. فالعنوان ليس بطاقة تعريف بالمقال بقدر ما هو أول نبضة فيه. وقد تحمل ثلاث كلمات من التوتر الدلالي ما تعجز عنه جملة طويلة من الشرح. ثم تأتي المقدمة، وهي اللحظة التي يقرر فيها القارئ ـ في الغالب ـ هل يواصل الطريق أم يعود أدراجه. والمقدمة الضعيفة قد تظلم فكرة عظيمة في ثنايا النص، كما أن المقدمة البراقة قد تمنح فكرة عادية فرصة للحياة لبضعة أسطر قبل أن يكتشف القارئ خواءها. أما متن المقال فليس مخزنًا نكدس فيه ما جمعناه من معلومات. المعلومات ينبغي أن تتحرك داخله في اتجاه مُتَسِق، وأن يكون لكل فقرة سبب في وجودها. فإذا حُذفت فقرة ولم يتأثر البناء، فربما لم تكن ضرورية منذ البداية. ومن أنفع التصورات لبناء المقال أن يتحرك في ثلاثة اتجاهات: تفكيك الفكرة دون تشتيت، ثم تعميقها دون تعقيد، ثم إعادة تركيبها دون إخلال. في التفكيك يسأل الكاتب: ما الذي يبدو بديهيًا في قضية المقال وهو ليس كذلك؟ أين التناقض؟ وما المسلمة التي اعتدنا تكرارها دون اختبار؟ وفي التعميق يخرج الكاتب بالفكرة من حدودها الضيقة إلى سياقها الاجتماعي، أو التاريخي، أو الفلسفي، أو الأخلاقي. فالفكرة التي لا تتصل بما حولها من أفكار تبقى جزيرة معزولة. ثم تأتي إعادة التركيب، فلا يكتفي الكاتب بهدم التصور الشائع، وإنما يعيد النظر إليه من زاوية أخرى، دون أن يتصرف كما لو أنه عاد من جبل الحقيقة حاملًا ألواحها الأخيرة. فالمقال الجيد يفتح نافذة، ولا يدّعي أنه هدم الجدار كله. وهنا نصل إلى إحدى أهم أدبيات المقال الصحفي: احترام عقل القارئ. فالكاتب ليس واعظًا والقارئ ليس تلميذًا. ومن أكثر ما يثقل المقال أن يشعر صاحبه بأن مهمته قيادة عقل القارئ إلى النتيجة التي يريدها، ولو اضطر إلى تكرارها أو المبالغة فيها أو شحنها أخلاقيًا. أو البحث عما يؤكد موقفه سلفًا. ولذلك كان الوعظ والخطابة والمباشرة الزائدة من الأخطاء التي تُحَذِّر منها أدبيات الكتابة. المقال الأكثر نضجًا لا يقول للقارئ: فكّر مثلي، بل يقول له: تعال نفكر في هذا الأمر من زاوية ربما لم ننظر من خلالها من قبل. ومن باب احترام القارئ أيضًا ألا نُحَوِّل الشخصيات التي نكتب عنها إلى تماثيل. فالسيرة ليست مديحًا بالضرورة، والإعجاب بالشخصية لا يعفي الكاتب من المسافة النقدية. ومن هنا يجدر الحذر من تحويل صاحب السيرة إلى شخصية فوق النقد، ومن تحويل النص إلى تقديس فكري أو جسر دعائي. وهذا المبدأ يتجاوز المقالات السِيَرِية إلى الكتابة الفكرية كلها. فالكاتب يستطيع أن يدافع عن فكرة دون أن يحولها إلى عقيدة مغلقة، وأن يعجب بمفكر دون أن يمنحه العصمة، وأن ينتقد فكرة دون أن يحاكم صاحبها أخلاقيًا. الأفكار تُختبر بقوة البرهان، لا بعنف العقوبة. ويزداد الأمر حساسية عندما يتناول المقال التاريخ. فمهمة المؤرخ أن يتحرى ما حدث، بينما ينطلق الخطاب الدعوي من غاية إقناعية، وخلط الوظيفتين يجعل الكاتب ينتقي من التاريخ ما يخدم موقفه ثم يطالب القارئ بالتعامل معه بوصفه التاريخ كله. ولهذا ينبغي ألَّا يختلط دور المؤرخ بدور الداعية، وألَّا تتحول الفرضيات التاريخية التي لا يمكن إثباتها إلى حقائق مكتملة. وإذا كانت الحقيقة عصب المقال، فإن اللغة جِلْدُهُ. واللغة الجميلة ليست بالضرورة اللغة المزخرفة. بل ربما كانت أجمل الجمل تلك التي لا يشعر القارئ بأن الكاتب بذل جهدًا ليجعلها جميلة. فحين تتكاثر الاستعارات والمحسنات والمفردات النادرة، تتحول البلاغة من جناح يحمل الفكرة إلى حِمْلٍ يثقلها. والمثلث الذهبي في الكتابة: وضوح الفكرة أولًا، ودقة اللغة ثانيًا، وجمال التعبير ثالثًا. وليس في ذلك انتقاص من البلاغة، بل إن البلاغة الحقيقية هي أن تصل العبارة إلى غايتها بأقل قدر من الزخرفة والتهويل. فالقارئ ليس طفلًا، تستميله بحيلة أو تستدرجه بإغراء. ومع ذلك، يحتاج المقال إلى الصورة الجميلة والمفارقة والإيقاع. فالجملة الصحفية ليست محضر اجتماع، والكاتب ليس موظف أرشيف. وللكلمات موسيقى خفية، تَطُول الجملة حين يحتاج المعنى إلى امتداد، وتَقْصُر حين يريد الكاتب أن يطرق ذهن القارئ. ويتولد الإيقاع من المزاوجة بين الجُمَلِ، ومن التقديم والتأخير، ومن الوقفة في مكانها، بل ومن النقطة حين تأتي في اللحظة المناسبة. لكن الجرعة البلاغية ينبغي أن تبقى تحت السيطرة، فتجمع الكتابة بين جمال الصورة والإيقاع الصحفي، دون حمولة بلاغية تثقل النص. ثم تبقى الخاتمة، وهي آخر ما يقرأه القارئ، وربما أطول ما يبقى في ذاكرته. ليست الخاتمة مكانًا لإعادة تلخيص ما قيل، ولا منصة لإعلان انتصار الكاتب على القضية التي ناقشها. وقد تكون أقوى حين تترك شيئًا ناقصًا عمدًا: سؤالًا، أو مفارقةً، أو صورةً تعيد القارئ إلى المقدمة وقد تغير معناها. فغاية المقال ليست دائمًا إقناع القارئ، وإنما قد تكون دفعه إلى إعادة التفكير. ولذلك قد تكون الجملة الأخيرة أثقل من فقرة كاملة. إنها أشبه بإغلاق الباب بهدوء بعد خروج الكاتب، فيما يبقى القارئ داخل الغرفة. وقد تبلغ الخاتمة ذروة تأثيرها حين تغلق دائرة المقال؛ فتعود دلاليًا إلى البداية، ولكن بصورة أشد تكثيفًا. فالكاتب الجيد لا يقاس بعدد الكلمات التي يستطيع رصها، وإنما بعدد الكلمات التي يستطيع الاستغناء عنها، دون أن تخسر الفكرة شيئًا. ولا تقاس قوة المقال بارتفاع صوته، وإنما بقدرته على البقاء في ذهن قارئه بعدما يخفت ذلك الصوت. وهل المقال الناجح هو الذي يجعل القارئ يوافق كاتبه؟ ربما يكون أنجح منه ذلك المقال الذي يجعل القارئ، بعد أن يطوي الصفحة، يختلف قليلًا مع نفسه. في نهاية الأمر، ليست أدبيات المقال الصحفي قائمة جامدة من الممنوعات والمسموحات. بل هي جماليات كتابة، وأدبيات خطاب، وأخلاق تفكير: أن نتحقق قبل أن نجزم، وأن نُفَرِّق بين الحقيقة والاحتمال، وأن نحترم التاريخ فلا نستخدمه شاهد زور، ونحترم المختلف فلا نجعل المقال منصة لمحاكمته، كما نحترم القارئ فلا نفكر بالنيابة عنه. وحين تتعدد المقالات في أفكارها وأساليبها ونكهاتها، دون أن يختل هذا الميزان، تصبح المطبوعة مائدةً عامرةً بما لذَّ وطاب، تتنوع فيها المذاقات، ويجد كل قارئ فيها ما يغذي فكره ويوافق ذائقته. فلنستمع للكلمة حين تفكر.