كعادة الصديق معالي الدكتور عبد الواحد الحميد أن يتحفني بين وقت وآخر بآخر إصدارات مركز عبد الرحمن السديري الثقافي بالجوف، وفي مقدمتها مجلة (الجوبة) العريقة. وبصفة الدكتور الحميد رئيساً لهيئة النشر ودعم الأبحاث، فهو يضيف إلى المجلة ما جَدّ من مطبوعات. هذه المرة أرفق مع أعداد المجلة كتاب (الجوف... عذوبة النخيل، وصناعة المستحيل) للشاعرة والكاتبة ملاك محمد صالح اللحيد الخالدي، ط1، 2026م بـ 139 صفحة، د. ن.، وهو عبارة عن مجموعة مقالات سبق نشرها، وكلها تدور حول الجوف تاريخاً، وجغرافيةً، وإبداعاً، أهدته لسمو أمير الجوف. وقدمت له بقولها: «... فالجوف اليوم ليست أرض تاريخ وآثار بل واجهة السياحة التراثية، وليست أرض التراب الخصب والماء العذب والنخيل والثمار بل سلة غذاء البلاد، وبوصلة الزراعة والاستثمار، وليست موئل الحكايا والقصائد والأساطير بل أرض الشعراء والأدباء والفكر الغزير...». وبدأت بالبوصلة: «الجوف عاصمة الضياء»، و«الجوف في ظل التنمية المستدامة»، مستعرضةً الأمن الغذائي، والأمن المائي، والأمن الطاقي (أمن الطاقة). واختتمت المقدمة بمقطع من قصيدة لها: هنا يصنع الإنسان، ليشيد من التراب غذاءً... ومن النبض الدفين ماءً... ومن الشمس الشفيفة طاقةً وكهرباءً. هنا الإنسان الممتد من التراب إلى السماء، بلا انتهاء!». وفي «الجوف... عاصمة الطاقة والإخضرار»، نجد محطة (سكاكا للطاقة الشمسية) التي أنشئت بتركيب مليون ومئتي ألف لوح شمسي وتنتج حالياً (300 ميغاواط) من الطاقة الكهروضوئية، وتقوم بتغطية 55 ألف وحدة سكنية بالكهرباء. يأتي ذلك لتحقيق التنمية المستدامة بجوانبها ومجالاتها كافة... فالطاقة الكهربائية هي عصب أي مشروع تنموي وأساسه في أي مجال... وضمن السياق الاستثماري والاقتصادي، فالهدف الأكبر منها هو الوصول إلى تغطية 100% من الوحدات السكنية وغير السكنية في منطقة الجوف بالكهرباء. وعن «الجوف الزراعة والتراث»، فهي سلة غذاء البلاد وساحة للعديد من الاستثمارات الزراعية، ووجهة مضيئة للسياحة التراثية؛ إذ تعود آثار المنطقة إلى بداية النشوء الإنساني، فلقد أشارت كثيرٌ من الدراسات التاريخية إلى أن قرية (الشويحطية) أقدم موقع أثري استوطنه الإنسان في الجزيرة العربية. وأصبحت الجوف أرض النخيل والزيتون الوجهة الزراعية الأولى في البلاد، فهي تحتضن 3500 مشروع زراعي و12500 مزرعة و8 شركات زراعية... وفي الجانب المستقبلي الإستراتيجي نجد الطاقة المتجددة التي تعمل على الطاقة الطبيعية كطاقة الشمس والرياح والتي جعلت من الجوف عاصمة الطاقة المتجددة. وقالت عنها شعراً: هنا نخلة الأجداد والطاقة الكبرى هنا رسم الإنسان من نبضه فجرا هنا علّم الدنيا، هنا ألهم المدى هنا أنتج الإبداع والفكر والشِّعرا وقالت: إنّ حدة الحرارة وعمق البرودة، الحلاوة والمرارة، التمرة والزيتونة، الدبس والزيت، النخلة وشجرة الزيتون، كلها تعانق تراباً واحداً، أوَليست الجوف جديرة بأن تكون أرض المعجزات الكونية؟! واستعرضت الإبداع وأوجه النشاط الثقافي بالجوف ومنها ما يتعلق بمجلة (الجوبة): «ولمجلة الجوبة الرائدة دور بارز وجوهري في تنمية اللغة العربية عالية المعنى والمبنى في الوطن العربي، فهي مجلة تجاوزت الآفاق بمحتواها الثقافي الثمين وقدرها العالي المكين، لدى المثقفين والمهتمين والمطلعين. لقد صافحت عقولنا وقلوبنا منذ وقت مبكر، فكانت الجذوة التي أوقدت فينا عشق المفردة والفكرة والمعرفة، وخلقت في أرواحنا مفازة من جمال واكتمال حتى مضت لغتنا أشعاراً يفيض بها الوجدان وأفكاراً تسابق الأذهان ومعرفة وأدباً وإبداعاً، هنا في الجوبة تزهو لغتنا الأم بوجه استثنائي صنع الإنسان وأضاء المكان». وعن الشويحطية وبداية الحضارة والتاريخ تقول: «... مَن يزر آثار الجوف كالشويحطية أو حصن زعبل أو قلعة مارد، سيقرأ فكراً إنسانياً وحضارياً متطوراً جداً، ففيها تتجلى براعة الذهن البشري في الابتكار والتكيف والتخطيط. فقرية الشويحطية في منطقة الجوف تُعدّ أقدم موقع أثري استوطنه الإنسان في العالم كما يقول بعض الباحثين، واحتوى الموقع على أدوات حجرية استخدمت لتوفير الماء والطعام وسبل العيش، ويعود تاريخه إلى مليون وربع المليون سنة... وحصن زعبل الذي يعود تاريخه كما يقول بعض الباحثين إلى الفترة النبطية المؤرخة من القرن الأول قبل الميلاد، والذي بني على جبل صخري شاهق، وفي أسفله بئر (سيسرا)؛ هذه البئر المنحوتة في الصخر الصلب، تحيط بها المزارع... وعن قلعة (مارد) التي قالت عنها الملكة الزباء قولتها الشهيرة: «تمرد مارد وعز الأبلق» حين حاولت استلاب قلعة مارد في منطقة الجوف، وحصن الأبلق في تيماء، لكنها لم تستطع. وبجانبها (مسجد عمر بن الخطاب) وهو من أقدم وأهم المساجد الأثرية، وينسب المسجد إلى الخليفة عمر بن الخطاب، ويقال إنه بناه سنة 16هـ أثناء توجهه لبيت المقدس...». وقالت: «فاليوم أصبحت آثار الجوف العريقة محط النظر والتساؤل والبحث والتقصي، ووجهةً جاذبة لعشاق التراث ومحبي الاكتشاف والاستمتاع بالفنون والنقوش». وقالت: «وما تزال الجوف مخبوءة بالتاريخ الزاهر والتراث الباهر، وما اكتشاف موقع (نحت الجمل) مؤخراً في مدينة سكاكا عام 2021م والذي يرجع الباحثون أنه أقدم موقع نحت في العالم وفق دراسة أعلنت عنها هيئة التراث...». وعن الجوف واجهةً للثقافة قالت: «فالعقل الخلّاق يبعث الفكرة والفكرة الإبداعية تتحول إلى منجز علمي أو معرفي أو اقتصادي يسهم في بناء التنمية الوطنية بمفهومها العام: الحوار، والتثقيف، والتفكير، وبناء الوعي، وتقويم المفاهيم والقيم المرحلية، وتحفيز الأفكار، وصناعة الواقع». وعن إبداع أبناء الجوف تحدثت عن جسارة الجمال في قصائد عبد الرزاق الهذيل، وفداحة الشعور في حكايا عبد الرحمن الدرعان. «وعن معالي الدكتور عبد الواحد الحميد كنخلة (الحلوة) الراسخة عميقاً في (الجوف)... هو القيمة والقامة والعلامة الفارقة والبصمة الواثقة... الذي أضاء ويضيء الحراك الثقافي في منطقة الجوف عبر منارة مركز السديري الثقافي...». ونجدها تستعرض بعض أعمال ابن الجوف عبد الرحمن الدرعان بصفته رائداً للقصة القصيرة وعرّاب الأدب الحداثي في منطقة الجوف، فقد أصدر مجموعته القصصية الأولى (نصوص الطين) عام 1989م، ومجموعته (رائحة الطفولة) عام 2000م. وتقول عنه: «عبد الرحمن الدرعان ينتصر للإنسان دائماً، ويحمل على النسق الاجتماعي، فهو يمضي في رسم شخصيات القصص بروح الأديب الذي يرى أن الإنسان مهما بلغت قسوته أو سذاجته ما هو إلا محصّلة نمط اجتماعي ساهم عميقاً في تشكيله؛ فعبد الرحمن الدرعان شديد الرفق بشخصياته، حتى تلك الشخوص التي تتخلى عن جزء من إنسانيتها يجعل منها ضحية نمط جاف ونسق اجتماعي فقط». وقالت: «لقد صنع الدرعان من بيئته الصغيرة مسرحاً شاسعاً للجمال الذي أحبه وتخيله، والأفكار التي اقترفها، والمسلمات التي تجاوزها، والقصائد التي أصبحت قدره الذي فر منه». واختتمت الكتاب بحكاية (البكيلة) بين نبض (الحلوة) وفيض (السمح) إذ قالت: «حتى مسميات الأشياء في الجوف تجيئ عذبة مستقاة من جمال إنسانها، فلقد سمّى نخلته بـ (الحلوة) تدليلاً لشجرته القريبة من قلبه والأثيرة في نفسه، وسمى نباته بـ (السمح) تيمناً بسماحة طبعه وصحرائه، وتقديراً لهذا النبات الفريد وكثير الفوائد... وجاء مصطلح (البكيلة) من ذاكرته شديدة الفصاحة، فالبكيلة مأخوذة من (البكل) والبكل في اللغة هو (الخلط) والبكيلة هي (الغنيمة) كما جاء في المعجم الوسيط، كأن ابن الجوف يقول إنه خلط (سمحة) العريق بـ (تمرته) الحلوة، لينتج غنيمة شهيةً!». ونختتم بقولها: «نحن نتحدث عن أرض احتضنت أولى الحضارات، وأوقدت ضوء البدايات، عن إنسان اجتاز العصور وخلق الأبجديات فرسم بعطاءاته وإنجازاته أعرق الثقافات، فمن العصر الحجري مروراً بالعصور والحقب المتباينة حتى العهد الإسلامي وصولاً إلى العهد السعودي الذي أتى ليوطد عُرى العراقة وآفاق الثقافة ليبعث الإرث التراثي الثقافي من جديد». تحية تقدير وامتنان للمبدعة ملاك الخالدي على إعجابها وافتتانها بالجوف.