الرواية التاريخية العربية والمحلية (بين التوثيق والتخييل)..
مراحل التطور من التعليم والتشويق إلى الاسترجاع والتأويل.
كنت قد أشرت في المقال السابق إلى أنني أريد أن أقدم إطارًا نظريًا لقراءتي لبعض الروايات التاريخية في الأدب العربي السعودي بقصد التمهيد والتعريف، وقد عزمت أن أكون مجرد قارئ لبعض المراجع التي تناولت هذا الموضوع وترتيب مراحلها كما أشارت إليها المصادر الموثوقة وما أسعفتني به الذاكرة من حصيلة قراءتي لنماذج منها؛ ذلك أنني أعتقد أن ثمة خلطًا بين السرد التاريخي المحايد أو المؤدلج والرواية التاريخية الفنية وما شاب ذلك من اضطراب لدى البعض في فهم إشكالياتها؛ ولا أدعي أنني قادر على فض الاشتباك بينهما على نحو قاطع على الرغم من كثرة ما قيل حولها؛ ولكنني سأعمد إلى تبسيط الأمر ما استطعت إلى ذلك سبيلًا، وقد تمحورت مقالتي السابقة حول هذا الموضوع، وفي هذه المقالة سأعمد -ما استطعت- إلى فهم العلاقة بين الرواية التاريخية العربية والواقع منذ أن تواضع عليه المؤرخون من تسمية تلك المرحلة بـ (عصر النهضة). واستنادًا إلى ذلك التوصيف أشير إلى أن أسئلة تلك المرحلة تندرج في ثلاثية (الإجابة عن الأسئلة المتعلقة بمفهوم النهضة ومتطلباتها، ومرحلة الاستعمار ومخلفاته، والحراك الاجتماعي الذي تمثل في بروز الطبقة المتوسطة). وقد اقتضى ذلك –كما حدث بالنسبة للرواية الأوروبية– أن ترتبط نشأة الرواية العربية بما أسفر عنه الحراك الاجتماعي الذي بدأ يتبلور مع ما انتاب الحياة السياسية وظهور حركات التحرر الوطني وبداية التحول في علاقات الإنتاج في الاقتصادات المحلية التقليدية، وكان لا بد من مراجعة السردية التاريخية، وتجاوز البعد الزمني إلى التأسيس لمرحلة نهضوية جديدة. وثمة من يشير إلى أن الرواية التاريخية كانت تعمد إلى تعميق الوعي بالانتماء والهوية، والاستفادة من المنعطفات المهمة في مسار الحياة العربية عبر العصور، وتمثل العناصر الإيجابية والتواصل معها، وتجنب المنحدرات التي أودت بالكثير من منجزاتها، وصياغة رؤية واضحة لطموحاتها، ولو أمعنا النظر في بدايات الرواية التاريخية التي تمثلت في أعمال سليم البستاني لتبينا أن البذرة الأولى التي ارتبطت باستعادة الوعي القومي تمثلت في روايته (زنوبيا) التي صدرت عام 1871م حيث يتداعى فيها مشهد الصراع مع الأجنبي، فملكة تدمر تخوض حربها ضد القوى الأجنبية ممثلة في الإمبراطورية الرومانية، وهي مؤشر مبدئي يومئ إلى تباشير الوعي بالذات القومية، في بواكير الرواية التاريخية الأولى التي لم تكتمل فيها العناصر الفنية. وشكلت هذه البواكير بداية لظهور كوكبة من كتاب الرواية التاريخية الرائدين في هذا المجال تمثلوا في فرح أنطون ويعقوب صروف، حيث اكتملت دائرة الريادة التي مهدت لظهور جرجي زيدان بإرثه الروائي التاريخي الضخم (روايات تاريخ العرب والإسلام) الذي عدّ مرحلة جديدة ذات نهج واضح تمثل في ازدواجية الحقائق التاريخية ومعطيات الخيال، والبعد المعرفي والتشويق. وعلى الرغم مما اتهم به جرجي زيدان من تشويه مقصود للتاريخ الإسلامي فإنه يمثل مرحلة جديدة أوغلت في التاريخ الإسلامي في نزعة انتقادية لها علاقة بتوجيه النهضة واستكشاف معالم التاريخ في إشارة ضمنية إلى التنبه لما فيه من معالم إيجابية وسلبية، ولم يكن ليخفي الهدف التعليمي وما يكتنفه من مقاصد أخرى، وذلك في شموله برواياته مختلف العصور التاريخية. وفي مرحلة تالية ضمت أعلامًا معروفين من كتاب الرواية التاريخية مثل علي الجارم وعبد الحميد جودة السحار وفريد أبو حديد وعلي أحمد باكثير الذين يمثلون المرحلة الثالثة التي ركز فيها هؤلاء الكتاب على القيم الوطنية والأخلاقية؛ ففي (غادة رشيد) عرض للحملة الفرنسية ولامس سقف القيم الوطنية ممثلة في الولاء والوفاء وحب الوطن ورذيلة الخيانة؛ أما علي أحمد باكثير فركز في روايته (وإسلاماه) على مواجهة العدو الخارجي ممثلًا في مواجهة الغزاة التتار والصليبيين. وفي مرحلة تالية جاء مشروع نجيب محفوظ الذي عزم فيه على كتابة تاريخ مصر روائيًا؛ ولكنه لم ينجز منه سوى رواياته الثلاث: عبث الأقدار وكفاح طيبة ورادوبيس، ومن الواضح أنه كان يقصد من وراء كتاباته الروائية الثلاث معالجة مسائل تتعلق بالسلطة والشرعية والمقاومة، كما أشار إلى ذلك بعض الكتاب. وقد جاءت الانعطافة الكبرى في الرواية التاريخية العربية على يد جمال الغيطاني، وفي تسعينيات القرن الماضي دخلت الرواية التاريخية مرحلة جديدة تمثلت في إعادة تمثيل النهج التراثي في السرد وإسقاطات التحولات الكبرى المتعلقة بمفهوم السلطة والحكم وأساليبه؛ كما تمثلته رواية الغيطاني (الزيني بركات) حيث نهج ابن إياس وعوالم البيئة المصرية السائدة آنذاك: طائفة البصاصين وهو المصطلح الذي كان يطلق على المخبرين، وإسقاطات ذلك النهج القمعي على ما كان سائدًا في مرحلة ما بعد ثورة 23 يوليو، وقد اعتمدت الرواية في هذه المرحلة على الحوليات والوثائق. وبدت الرواية وكأنها مجموعة من الأصوات التي تأتي استنطاقًا للوثائق متكئةً على ما عرف اصطلاحًا بـ (التخييل التاريخي). وفي مرحلة تالية تمثلها ثلاثية غرناطة لـ (رضوى عاشور) التي تصور مرحلة ما بعد سقوط غرناطة وما حل بالمسلمين في الأندلس، وتحمل رؤى فكرية تنتمي إلى مرحلة ما بعد الاستعمار وتتعلق بالذاكرة الجمعية والهوية والعقيدة والجماعات المقهورة والمهمشة. لقد انتهت الرواية التاريخية إلى الكشف عن جوهر الحياة الإنسانية في مجمل تجاربها الماضية وما تفضي به إلى حاضرها، وما تمتلكه من إمكانات للإجابة عن أسئلة الواقع وآفاقه التأويلية التي تنعكس إسقاطاتها على الحاضر. أما الجماليات فقد تحولت من استنساخ الشخصية التاريخية واحدية البعد بوظيفتها المنوطة بها في السياق الزمني إلى شخصية إشكالية متعددة الأبعاد في حالاتها الإنسانية المعتادة بعيدًا عن البطولة خاضعة للتفكيك والتساؤل؛ فقد اهتمت الرواية التاريخية الحديثة بالمهمشين. فانتقلت الرواية في هذه المرحلة إلى اللغة التراثية وعمدت إلى المحاكاة الأسلوبية لها والاهتمام بالرسائل والمخطوطات واليوميات والاعترافات والسرد المتقطع والاهتمام بالوثائق بوصفها عناصر جمالية؛ فضلاً عن الاهتمام بالعناصر الشعبية والفئات الاجتماعية المهمشة من الحرفيين والعمال والعبيد والسجناء، فضلاً عن النساء مستعينةً بالذاكرة والروايات المتضادة والتخييل، في مراحل غيبت فيها الذات الوطنية وهيمنت فيها العناصر الأجنبية من الأتراك والفرس والعثمانيين وغيرها، والحقب المظلمة التي سادت فيها الفتن، وانتقائية المراحل والوقائع التي تناظر الأزمات الحاضرة وإسقاطاتها المعاصرة. أما الرواية التاريخية في الأدب السعودي فلها شأن آخر، إذ تأخرت نشأتها قليلًا لأسباب تتعلق بتبلور التراتب الاجتماعي وبروز الطبقة المتوسطة، وكذلك تقاطع العلائق وتواشج الوقائع ما بين ماضٍ قريب يدخل في إطار التاريخ وينتسب في أثره إلى تشكيل واقع جديد عبر الأحداث الميدانية ذات النكهة التاريخية التي بدت فيها البطولة الفردية صانعة لأمجاد تتشابك فيها الخيوط وتتعامد المصائر. وتعد رواية «أمير الحب» لمحمد زارع عقيل، التي صدرت سنة 1965م أول رواية تاريخية سعودية، وقد بدا واضحًا أنها انطلقت من التاريخ العربي الإسلامي العام ونهجت نهجًا تعليميًا تشويقيًا على غرار روايات جرجي زيدان المستقاة من تاريخ العرب والمسلمين، سواء في بناء الحوادث أو في استدعاء الشخصية التاريخية وربطها بحبكة قصصية تقوم على التشويق والعاطفة والمغامرة. وعلى شاكلتها جاءت رواية «تراب ودماء» لفؤاد عنقاوي، التي صدرت سنة 1984م، واستعادت مرحلة ارتبطت بالتدخل الخارجي والحضور العثماني في المنطقة، فمثلت خطوة أخرى في نقل الرواية التاريخية من التاريخ الإسلامي البعيد إلى تاريخ الجزيرة العربية وتحولاتها السياسية. وقد لاحظت الدراسات الحديثة أن الرواية التاريخية في السعودية سارت ببطء منذ منتصف الستينيات حتى مطلع الألفية الجديدة، وأن كثيرًا من أعمال المرحلة المبكرة ظل أقرب إلى النموذج الكلاسيكي الذي تكون فيه المادة التاريخية أكثر حضورًا من التجريب الفني في بنية الرواية. ولم تمضِ الرواية التاريخية في السعودية على نهج تطوري منتظم؛ فقد ظل بينها وبين التطور المشهود في الرواية العربية التاريخية فجوة متسعة وتناءت المسافة الزمنية بين الأعمال السابقة واللاحقة؛ فقد نشرت رواية «تراب ودماء» لفؤاد عنقاوي سنة 1984م التي تقدمت في اتجاه محيط مكاني أقرب إلى الوطن في الجزيرة العربية وتضمنت دلالات سياسية فاقتربت بالمسافة الزمنية إلى تخوم العصر الحديث، وبدا واضحًا أنها لم تكن مشروعًا مستقلاً في الفن الروائي السعودي. ثمة بون شاسع بين الرواية التاريخية التي تتخذ التاريخ خلفية زمنية وتلك التي تتعامل مع المادة التاريخية بوصفها بنية تاريخية ذات بعد رؤيوي؛ وثمة نقلة مهمة جاءت لتعيد ترتيب التحولات المفصلية في البنية الاجتماعية جامعة بين الإطار التاريخي والبعد المعرفي والرؤيوي على نحو ما؛ فرواية «مفارق العتمة» لمحمد المزيني، التي صدرت سنة 2004م، تستعيد تحولات المجتمع العربي في المملكة من بدايات مرحلة ما عرف بالطفرة وبزوغ تباشير التشكل الاجتماعي، والخروج من تقليدية البنية القائمة على التوزيع البيئي ما بين المدينة والريف والبادية إلى التراتب الطبقي المبني على الملكية الاقتصادية والدور الوظيفي. وفي «ثلاثية ضرب الرمل» لمحمد المزيني رصد واضح لهذا التحول البنيوي حيث الانعطاف إلى البنية الاجتماعية المدنية مشيرًا إلى ملاحظة مهمة تتمثل في وصف المزيني لتجربته بأنها محاولة لكتابة الحدث التاريخي بلغة روائية حديثة تجمع بين «حداثة السرد» و«كلاسيكية الحدث». وفي رواية «فتنة جدة» لمقبول العلوي، الصادرة سنة 2010م، بدا واضحًا الاهتمام بالتاريخ الوطني المحلي؛ فقد استلهم الكاتب فيها واقعةً تاريخية مهمة تمثلت فيها أزمة ذات بعد سياسي محلي وإقليمي، وبدت فيها البيئة المكانية ذات دور مهم في البرنامج السردي للرواية، وقد تمثل كاتبها البعد الإنساني في الدرجة الأولى متجاوزًا الحدود الوثائقية وإن لم يهملها، مستفيدًا من الوثائق والشهادات، ومفعلًا الخيال في سد الفجوات السردية؛ وإذا كانت «موت صغير» تعيد بناء شخصية تاريخية مركزية، فإن «مسرى الغرانيق في مدن العقيق» لأميمة الخميس، الصادرة سنة 2017م، تقدم نمطًا مختلفًا من التخييل التاريخي، إذ تنقل قارئها إلى القرن الرابع الهجري. ويطول بنا الحديث حول الرواية التاريخية؛ ولكنها نبذة أقدم بها لقراءة لعلي أوفق في تقديم قراءات لها فيما بعد بمشيئة الله.