حسن عبدالحي قزاز (2-2) من صناعة الكلمة إلى صناعة الطوب.

اتصالاً بما ورد في العدد السابق، كان لقاء رؤساء تحرير الصحف السعودية مع ولي العهد رئيس مجلس الوزراء ووزير الخارجية والمالية الأمير فيصل بن عبدالعزيز في الطائف بدعوة منه- رحمه الله- فرصة ثمينة لهم للحوار مع ثاني أرفع مسؤول في البلاد؛ وتم ذلك اللقاء الذي كان أول لقاء يخصص لرؤساء الصحف والمجلات السعودية لوحدهم في جو ودي، بل وأخوي كما وصفه الأمير فيصل، حسبما نشر في صحيفتي «عرفات» و»الأضواء» في حينه. وأتيح لرؤساء تحرير الصحف والمجلات في ذلك اللقاء الذي جرى في الطائف مساء الخميس 9 ربيع الثاني 1378 هـ، الموافق 23 أكتوبر 1958 م، طرح قضاياهم والتعبير عن همومهم، ومن أبرزها سبل تعزيز وضع الصحافة السعودية وتطويره، ونقل الصحف والمجلات السعودية داخل المملكة وخارجها مجاناً على متن الخطوط السعودية، نظراً لما كانت تشكله كلفة التوزيع وبطئه من عقبة كانت مصدر شكوى أكثر من صحيفة؛ وضعف الإعلان التجاري وموضوع إلغاء الرقابة المسبقة على الصحف...، وتركزت أغلب الأسئلة على وضع البلاد الاقتصادي وما تم من إجراءات لمعالجة الأزمة التي مرت بها البلاد بعد العدوان الثلاثي على مصر نهاية عام 1956 م، والتي قطعت المملكة بسببها علاقاتها مع بريطانيا وفرنسا وأوقفت تصدير النفط إليهما...؛ والاستفسار عن سير مشاريع الدولة وموقف الحكومة تجاه المطالب بمراجعة اتفاقية امتياز النفط مع أرامكو... ومن ضمن ما قاله الأمير فيصل خلال اللقاء الذي استمر ساعتين ونصف: «لقد عانت البلاد في منتصف السنة الماضية أزمة مالية حادة، وذلك لأن حكومة جلالة الملك كانت قد التزمت بالتزامات أكثر مما تستطيع بالنسبة للبلاد العربية- يقصد مصر والأردن...، وربما الجزائر التي كانت ثورة شعبها ضد الاستعمار الفرنسي في أوجها وصاحبها تأييد حكومي وشعبي كبير مادياً ومعنوياً- وكذلك بالنسبة للمشاريع المحلية العامة، وصاحب هذا نقص في الواردات فنتج عن ذلك الأزمة المالية...» وبالنسبة لمطالب الصحفيين فقد ذكر قزاز أن الأمير فيصل «طلب إلى أصحاب الصحف أن يفكروا في وسائل عملية لرفع مستواها.. وجعلها في حال أحسن مما هي عليه الآن». بعد أربعة أشهر، تبع ذلك اللقاء الذي وصفته الصحف بالتاريخي مؤتمر صحفي عقده الأمير فيصل في الرياض، عصر يوم الأربعاء 4 رجب 1378 هـ، الموافق 14 يناير 1959 م؛ دعي لحضوره جميع رؤساء تحرير الصحف في المملكة، بحضور عدد من الوزراء، وذلك بمناسبة إعلان ميزانية الدولة للعام 1378/1379 هـ. وبعد تشرفهم بالسلام على سموه الكريم تفضل فوزع عليهم نسخاً من الموازنة السعودية.. ونسخاً أخرى من البلاغ الرسمي الذي أذيع ونشر مع الموازنة، ثم بدئ المؤتمر الصحفي الذي نقلت الصحف نصه كاملاً، وطرحت خلاله أسئلة تركز معظمها على القضايا الاقتصادية والمعيشية...، إلا أن واحد منها تعلق بالصحافة، حيث سأل رئيس تحرير صحيفة «حراء» صالح محمد جمال- « هل سيٌعطى الصحفيون السعوديون امتيازات تساعدهم على أداء رسالتهم أسوة بالبلاد الأخرى؟»، فأجاب الأمير فيصل على هذا السؤال بالقول: «نظموا أنفسكم وتعاونوا فيما بينكم للمصلحة العامة، وسأعمل لكم ما تريدون.. كلفتكم أن تتفقوا على إدماج صحفكم لما فيه قوتها ورفع مستواها.. وأنا لا أحب أن ألزمكم بشيء وأخشى أن أفرض عليكم شيئاً ربما لا يكون في صالح بعضكم، ولذا أحب أن تتفقوا فنحن إخوان وأسرة واحدة». وبالنسبة لقضية الدمج فقد تم التداول بشأنه بين عدد من ملاك الصحف في مكة وجدة في فندق «اليمامة» بالرياض خلال اليومين الذين أعقبا المؤتمر الصحفي، وسبق لصاحب هذه السطور الحديث عن تلك المباحثات بالتفصيل في العدد 2843 من هذه المجلة، الصادر في 16 يناير 2025 م-»من الدمج إلى المؤسسات الصحفية»-، ضمن الحلقة الثانية من مراجعة مذكرات الشيخ جميل الحجيلان. حسن قزاز ومولد صحيفة «البلاد» من بين ما نتج عن تلك المباحثات التي جرت في أوائل شهر رجب 1378 هـ، والتي واكبتها متابعة من الأمير سلطان بن عبدالعزيز- بتوجيه من الأمير فيصل- اتفاق فؤاد شاكر، ممثل الشركة العربية للطبع والنشر المالكة لامتياز صحيفة «البلاد السعودية» ورئيس تحرير الصحيفة آنذاك مع حسن قزاز، مالك امتياز «عرفات» ورئيس تحريرها، على الاندماج في صحيفة واحدة تصدر في جدة، على أن يكون الاندماج على قدم المساواة، أي مناصفة. ووافق الطرفان على اقتراح الشيخ أحمد السباعي- صاحب صحيفة «الندوة» التي طالها الدمج أيضاً مع صحيفة «حراء»- على أن يكون اسم الجريدة الجديدة «البلاد» فقط، وحضي الاتفاق بموافقة الأمير فيصل ومباركته. نتج عن هذا الاتفاق بعد اثني عشر يوماً صدور صحيفة «البلاد»، التي خرج عددها الأول من مطابع الأصفهاني في جدة صباح يوم الاثنين 16 رجب 1378 هـ، الموافق 26 يناير 1959 م. وأصبحت «البلاد» في السنوات الأربع التالية- أي حتى بدء تطبيق نظام المؤسسات الصحفية نهاية عام 1383 هـ- الصحيفة اليومية الأبرز في المملكة، حيث عاد معظم الكتاب البارزين الذين هجروا «البلاد السعودية» في السنوات الأربع الأخيرة من حياتها للكتابة في الصحيفة الجديدة، وأضفت عليها ديناميكية حسن قزاز وحماسه المتوثب للتطوير بعداً احترافياً يتماشى إلى حد كبير مع تطلعات الدولة والقراء. وبدأت الصحيفة ترقيم أعدادها بالرقم واحد، في الوقت الذي توقفت فيه صحيفة «البلاد السعودية» عند العدد 2961، الصادر في 15 رجب 1378 هـ، الموافق 25 يناير 1959 م. وهذا أمر مربك بالنسبة للمهتمين بدراسة تاريخ الصحافة، إذ أن «البلاد السعودية» عندما صدرت عام 1365 هـ- 1946 م- بدأت بالرقم 593، اتصالاً بآخر عدد صدر من صحيفة «صوت الحجاز» التي توقفت قبل أربع سنوات عند العدد 592، الصادر في 27/6/1360 هـ، الموافق 21/7/1941 م. على أية حال، كانت الليلة التي سبقت إصدار العدد الأول من «البلاد» ليلة لا تنسى، بعد جهد محموم لتحضير مواد العدد الذي أريد له أن ينال رضا القراء وإقبالهم. وتواجد في تلك الليلة كل الصحفيين والمثقفين والإداريين الذين لهم علاقة بالصحيفة، وكأنهم في غرفة عمليات ينتظرون مولوداً جديداً. ومن أجمل ما كتب في وصف وقائع تلك الليلة مقال لمحمد عبدالقادر علاقي، نشر في العدد الثاني من الصحيفة في زاويته «يوميات قصيرة»، وهو مقال مليء بالتفاصيل التي لم تخل من طرائف- أو مقالب عرف بها صاحب المطابع محمد حسين الأصفهاني وكذلك حسن قزاز. وقبل إيراد بعض ما ورد في مقال علاقي عن مساء ذلك اليوم- الأحد 15 رجب 1378 هـ، الموافق 25 يناير 1959 م، يتطلب الأمر إيراد أسماء الشخصيات المشاركة في ذلك الحدث الإعلامي الكبير في حينه، الأول من نوعه في المملكة، والذي كان أكبر جهاز إدارة وتحرير لصحيفة سعودية آنذاك، وهم: 1- حسن عبدالحي قزاز. 2- فؤاد شاكر (1905-1973)، رئيس تحرير صحيفة «البلاد السعودية»، قبل دمجها مع صحيفة قزاز «عرفات». وفؤاد شاكر رأس تحرير الصحيفة الرسمية «ام القرى» من عام 1355 هـ (1937 م) مدة خمسة عشر عاماً؛ وتولى رئاسة تحرير «البلاد السعودية» في 1 محرم 1376 هـ، الموافق 9 أغسطس 1956 م، بعد إقالة عبدالله عريف الذي تولى رئاسة تحريرها وإدارتها مدة عشر سنوات. وبقيت تلك الصحيفة طوال عام دون رئيس تحرير وكان يسير تحريرها صالح محمد جمال، الذي تركها بعد تعيين شاكر رئيساً لتحريرها، ليصدر صحيفة منافسة في مكة باسم «حراء». وهو شاعر وكاتب معروف، وله تجربة مبكرة جداً مع الصحافة إذا أصدر صحيفة «الحرم» في القاهرة عام 1349 هـ (1930 م) مدة أربع سنوات، وعمل رئيساً للتشريفات الملكية خلال الثمان سنوات الأخيرة من عهد الملك عبدالعزيز. (عن حياته، انظر محمد بن عبدالرزاق القشعمي، «رواد الصحافة السعودية المبكرة: صحافة الأفراد»، نادي تبوك الأدبي، د. ت.، ص ص. 45-54). 3- محمد حسين زيدان، كاتب وأديب من كبار أدباء المملكة، كان من ضمن أسرة تحرير صحيفة «البلاد السعودية» عند صدورها عام 1365 هـ، واستمر يكتب فيها بانتظام حتى تنحية عبدالله عريف عن رئاسة تحريرها عام 1375 هـ، واستمر في الكتابة في كل الصحف السعودية تقريباً. عمل مديراً لتحرير صحيفة «البلاد» خلال الفترة من 13 محرم 1380 هـ، الموافق 7 يوليو 1960 م وحتى 25 رمضان 1380 هـ، الموافق 12 مارس 1961 م، وهو التاريخ الذي حل فيه محل حسن قزاز بعد إقالته من رئاسة التحرير بسبب مقال لأحد كتاب الصحيفة سيتم التطرق إليه لاحقاً. وعمل زيدان أيضاً رئيساً لتحرير صحيفة «الندوة» بضعة أشهر بعد صدورها من مؤسسة مكة للطباعة والإعلام. وقد صدر حول حياة زيدان- أو الزيدان كما كان محبوه يسمونه- عدة كتب أحدثها من تأليف حفيده الكاتب طارق فريد زيدان، بعنوان: «في بيت محمد حسين زيدان». 4- محمد عمر توفيق، أديب وكاتب كان أيضاً من ضمن أسرة تحرير «البلاد السعودية» عند صدورها عام 1365 هـ، وكان من بين كتابها المنتظمين منذ العدد الأول. عمل سنوات طويلة في ديوان النيابة العامة حينما كان الأمير فيصل- الملك فيصل- نائباً للملك في الحجاز-، وترك الصحيفة بعد تولي فؤاد شاكر رئاسة تحريرها عام 1375 هـ، وانتقل للكتابة في منافستها صحيفة «حراء» وفي بقية الصحف السعودية، وعمل في التجارة بضع سنوات ثم أصبح مديراً لمكتب «البلاد» في مكة المكرمة بعد صدورها، وغادر المملكة إلى بيروت (هارباً) بسبب مقال نشر في الصحيفة في 25 رمضان 1380 هـ، الموافق 12 مارس 1961 م، بعدما نمى إلى علمه أن المقال تسبب بغضب شديد في جهات عليا، ثم عاد إلى المملكة بعد قرابة عام ونصف، بعدما علم بنبأ تعيينه وزيراً للمواصلات في الحكومة التي شكلها الأمير فيصل في 9 جمادى الثانية 1382 هـ، الموافق 6 نوفمبر 1962 م. 5- حامد مطاوع، كاتب وصحفي عمل مديراً لإدارة «البلاد السعودية» بعد تولي فؤاد شاكر رئاسة تحريرها في 1 محرم 1376 هـ، واستمر مديراً لإدارة «البلاد» التي خلفتها لكن اسمه لم يظهر في ترويسة الصحيفة إلا ابتداءً من العدد 739، في 30 محرم 1381 هـ، الموافق 13 يوليو 1961 م. وأصبح رئيساً لتحرير «الندوة» بعد تطبيق نظام المؤسسات الصحفية، خلفاً لمحمد حسين زيدان. 6- عبدالله عمر خياط، كان يعمل كاتباً في شرطة مكة ويتعاون مع جريدة «البلاد» في الشهور الأولى من صدورها، ثم اجتذبه مدير مكتب الجريدة في مكة محمد عمر توفيق للتفرغ للعمل في مكتب الصحيفة في مكة. واستمر خياط في العمل في «البلاد» خلال سنواتها الأربع الأولى، وعرف بنشاطه الكبير في مجال التحقيقات الصحفية الميدانية، ومنذ عمله في الصحيفة أطلق عليه محمد عمر توفيق لقب «العمدة»، وأصبح الاسم مصاحباً له طوال عمله في الصحيفة. ثم انتقل إلى صحيفة «عكاظ» بعد تطبيق نظام المؤسسات الصحفية، وأصبح ثاني رئيس لتحريرها مدة ست سنوات. 7- عبدالغني قستي، عمل مصححاً ومحرراً في صحيفة «البلاد السعودية»، وأشرف على صفحة «دنيا الطلبة» فيها بين عامي 1376 و1379 هـ، خلفاً لمحرر الصفحة عبدالرزاق بليلة. استعان به محمد حسين زيدان لمؤازرته بعد فترة من تعيينه رئيساً لتحرير الصحيفة بعد إقالة حسن قزاز، وبدأ اسمه يظهر في الترويسة بصفته سكرتيراً للتحرير ابتداءً من العدد 839، في 28 جمادى الأولى 1381 هـ، الموافق 7 نوفمبر 1961 م. 8- السيد ياسين طه، وسبق تخصيص موضوع للحديث عنه في العدد 2942 من هذه المجلة، الصادر في 3 سبتمبر 2026 م. 9- عبدالله عبدالرحمن الجفري، آخر المنظمين لجهاز تحرير الصحيفة كسكرتير تحرير إلى جانب قستي- وأصغرهم سِناَّ، إذ كان عمره 22 عاماً ، وظهر اسمه في ترويسة الصحيفة ابتداءً من العدد 918، الصادر في 26 شعبان 1381 هـ، الموافق 1 فبراير 1962 م. ويقول الجفري في مذكراته «مشواري على البلاط» ص. 58: «وكان أستاذنا ومعلمنا محمد عمر توفيق قد ترك العمل الحكومي والمناصب، واختار أن يفتح «بقالة» واسعة في مدخل مكة المكرمة (البيبان) وسماها «دكاكين»- ومكتب جريدة البلاد الذي كان مديراً له في مكة يقع في الطابق الذي يعلو تلك الدكاكين-.. وكنا نذهب إليه- عبدالله خياط وأنا- بعد المغرب من كل يوم نعرض عليه حصادنا من الأخبار والتحقيقات.. وكانت صحيفة «البلاد» منتعشة بكسب باقة من الكتاب المميزين، على رأسهم محمد عمر توفيق الذي كان يكتب عموداً يومياً بعنوان «ذكرى»، ويوميات أسبوعية، ومحمد حسين زيدان الذي كان يكتب يوميات أسبوعية...». وعودة إلى ما كتبه محمد عبدالقادر علاقي عن ليلة ميلاد الصحيفة اقتطف الآتي: «شَهِدتُ مساء يوم الأحد الماضي ميلاد صحيفة البلاد مع جمهرة كبيرة من الصحفيين والكتاب، فقد اندمجت أسرتا البلاد السعودية وعرفات اندماجاً حقيقياً وكانت النتيجة ميلاد صحيفة البلاد، وقد حضر الاستاذان فؤاد شاكر وحسن عبدالحي قزاز إلى مطابع الأصفهاني في الساعة العاشرة من مساء يوم الأحد للتفاهم على طبع الجريدة وإصدارها كي توزع في صباح اليوم التالي. وكان ذلك يبدو مستحيلاُ في أول الأمر ولكن إجراءات سريعة قام بها محمد حسين الأصفهاني (صاحب المطابع ومساعدوه) غيرت الموقف. وهكذا بدأت في الساعة الحادية عشرة والنصف مساءً عمليات السبك والصف والتوظيف ووصلت إلى المطبعة أسرة البلاد السعودية وعلى رأسها فؤاد شاكر ومع الأساتذة سليمان قاضي وعبدالغني قستي وأسرة عرفات وفي مقدمتها الأساتذة عبدالوهاب آشي وعبدالعزيز الرفاعي وعزيز ضياء وطاهر زمخشري وحسن قزاز (طبعاً) ومع السيد عبداللطيف ألمي المخبر الصحفي الجديد. وحضر بعد قليل الأستاذ أحمد زكي يماني... وسهرت الأسرة الجديدة إلى ما قبل الفجر بقليل وكان طبيعياً أن تطالب الأسرة الجديدة بأول وجبة عشاء فثارت نخوة الأستاذ حسن قزاز وأمر بإعداد وجبة سريعة مكونة من كميات كافية من الحلاوة الطحينية والمفروكة والهريسة والجبن المصري والزيتون اليوناني إلى جانب أكوام من الأرغفة الساخنة التي انهال عليها الجميع بغير تحفظ ووقار. وقد تبرع صاحب المطبعة بتقديم الشاي مجاناً ودون مقابل... وقد دارت في السهرة أحاديث ممتعة... تحدث خلالها الأستاذ عبدالوهاب آشي عن أول عدد أصدره من «صوت الحجاز»- صدرت في 27/5/1350 هـ، الموافق 4 أبريل 1932 م، وكان آشي أول رئيس لتحريرها-؛ وشاركه في الحديث الأستاذ عزيز ضياء الذي شهد هو أيضاً ميلاد العدد الأول من تلك الصحيفة وشارك بالكتابة في أعدادها الأولى ابتداءً من العدد السادس...». وقد حظيت الصحيفة بمشاركة عدد كبير من الكتاب البارزين وأتاحت الفرصة لبروز أسماء شابة أصبح لها حضور قوي في الصحافة السعودية فيما بعد. ومن أبرز الأسماء- حسب عدد المقالات في الصفحة الأخيرة- الكاتب والناقد المعروف عبدالله عبدالجبار، والأستاذ محمد حسين زيدان والأستاذ حسين عرب- الذي أصبح وزيراً للحج بعد عامين- ومحمد عمر توفيق والسيد ياسين طه وحسن قزاز وأحمد عبدالغفور عطار- رغم أنه كان يصدر صحيفة «عكاظ» التي كانت تصدر أسبوعياً آنذاك- والشاعر الكاتب حسن عبدالله القرشي وعبدالله جفري وأحمد عباس طاشكندي وغالب حمزة أبو الفرج وحامد دمنهوري وإبراهيم الناصر... ويضاف إلى هؤلاء كتاب عرب مقيمون في المملكة ومن أغزرهم مشاركة الكاتب الشاعر محمد مصطفى حمام، ومصطفى الصباحي، ومحمود أحمد هيكل. أما الأعمدة في الداخل، فمن أبرزها عمودا «في الأذن» لياسين طه و»قبل ستين عاماً» للشيخ رشدي ملا نيازي،الذي يصف حال المملكة ومجتمعها في الماضي، بالإضافة إلى عمود «حكمة اليوم» لحسن قزاز، وهو- حسب اعتقادي- أول عمود يومي في الصحافة السعودية، وإن لم يستمر إلا ثلاثة أشهر، ابتداءً من مطلع شهر صفر 1381 هـ. الحس التطويري لدى حسن قزاز كان قزاز كاتباً متمكناً ذا أسلوب سهل وواضح، ويجمع بين العمل الصحفي المكتبي والميداني، إذ بالإضافة إلى كتابة الافتتاحيات بين حين وآخر- وكان يكتبها أيضاً محمد حسين زيدان وياسين طه-، يشارك بالكتابة في الصفحة الأخيرة التي تخصص للمقال الرئيس في كل عدد. وبالإضافة إلى ذلك كان يجري مقابلات صحفية بنفسه مع مختلف الشخصيات ويبرز المقابلات التي كان يجريها عبدالله عمر خياط وعبداللطيف ألمى أيضاً، وهي مقابلات مع مسؤولين وتمس حياة المواطنين وتطلعاتهم وبالخدمات العامة في المملكة. وأولى أبو عبدالوهاب الخبر المحلي- وهو ما يهم القارئ بالدرجة الأولى- اهتماماً بالغاً، بالإضافة إلى الاهتمام بالصورة- سواءً الصور الشخصية أو صور المناسبات والأحداث، حسب إمكانات الصحيفة آنذاك. ورغم جهده التحريري الكبير في الصحيفة، كان قزاز حريصاً على ألا يظهر على أنه الشخصية الطاغية أو المهيمنة أو ذات الحضور الأبرز في الصحيفة. كما استحدث قزاز- ولأول مرة في الصحافة السعودية- صفحة بعنوان «ركن الأطفال»، ابتداءً من مطلع عام 1381 هـ، بالإضافة إلى جزء من الصفحة الأخيرة كان يخصص كل يوم من أيام الأسبوع لباب معين: «دنيا الطلبة»، «دنيا الأدب»، «دنيا المكتبات»، «دنيا الطب»، «أخبار علمية»، «دنيا الطوابع» و «من الأدب الشعبي». ومن بين أبرز القفزات التطويرية لقزاز افتتاح مكتب «البلاد» في العاصمة الرياض بعد عام من صدور الصحيفة. وقد أقيم لذلك الحدث احتفال كبير رعاه الملك سعود، وحضره الأمير فواز بن عبدالعزيز- أمير منطقة الرياض- آنذاك- وعدد كبير من الشخصيات وأهالي مدينة الرياض، ونشرت الصحيفة تغطية شاملة لحفل افتتاح المكتب في العدد 600، الصادر في 3 شعبان 1380 هـ، الموافق 20 يناير 1961 م. وقد كلف يوسف حسين دمنهوري بالعمل مديراً للمكتب. ومن بين الذين تعاونوا مع المكتب خلال تلك الفترة الصحفيان المعروفان محمد بن عبدالله الطيار ومحمد العجيان. وبالإضافة إلى مجموعة الأخبار التي كانت تنشر في الصفحة الثانية كل يوم، كان المكتب يعد صفحة أسبوعية بعنوان «مجتمع الرياض في أسبوع». وبالإضافة إلى مكتبي الرياض ومكة، افتتح قزاز مكتباً للصحيفة في الخرطوم، حسبما ورد في العدد 1417، في 9/5/1383 هـ، الموافق 27/9/1963 م، وكان ينوي افتتاح مكتب رابع في بيروت. من جانب آخر- وعلى غير المتوقع- لم يخصص قزاز بابا للرياضة وهو من أحد عشاق كرة القدم، ورغم أنه بدأ مسيرته الصحفية بتغطية المناسبات الرياضية في «البلاد السعودية»، كما أوضحنا في الجزء السابق. الإقالة من كرسي رئاسة التحرير ثم العودة إليه لم تخل مسيرة الصحيفة- وعدد من الصحف آنذاك - من متاعب لرؤساء تحريرها وبعض محرريها، وورد في الجزء السابق ما حدث مع مدير تحرير الصحيفة ياسين طه. ورغم صدور كتاب لعبدالله عمر خياط عن محمد عمر توفيق عام 2012 م بعنوان «النزاهة الشامخة»، تضمن ذكرياته معه وما كتب عنه- رحمه الله-، إلا أنه لم يتطرق إلى المقال الذي دعاه- أي توفيق- إلى مغادرة بلاده بسبب مقال نشر بقلمه في «البلاد» وأدى إلى إقالة قزاز من رئاسة تحريرها. من تطرق إلى ذلك هو الشيخ جميل الحجيلان في مذكراته- الجزء الأول، ص. 270-273-. فتحت عنوان «سافر هارباً وعاد وزيراً» يقول الحجيلان: «لعل أشدها قسوة- ويقصد المواقف التي مرت به خلال عمله مديراً عاماً للإذاعة والصحافة والنشر- تلك التي انتهت بإقصاء السيد حسن قزاز عن رئاسة «البلاد»، واسنادها للكاتب الأستاذ محمد حسين زيدان. نشرت جريدة البلاد (في 25 رمضان 1380 هـ، الموافق 12 مارس 1961 م) مقالاً للأستاذ محمد عمر توفيق (الذي أصبح فيما بعد وزيراً للمواصلات) عنوانه «الأصل والصورة». كان مقالاً مزيجاً من الرمزية والتأمل، على نحو ما اعتاد عليه الكاتب، في تناوله لشئون الحياة والناس». ومما ورد في المقال الذي أورد الحجيلان نصه، وهذه فقرات منه: «يحدث ان تطالعني صورة- أية صورة- في المجلة التي أتناولها أحياناً لسد الفراغ كيفما اتفق، فإذا هي حسبي من المجلة... إنك قد تَرْهَب الرجل، إذ تقف بين يديه في تلاشٍ كبير، يقف كالسد بينك وبين تأمل ملامحه لمعرفة إذا ما كانت تستحق كل هذه الرهبة.. أو كل هذا التقدير؟... أما صورته فأنت في حل من تأملها بمنتهى الراحة.. وحينئذ قد تتكشف صورة الرجل الرهيب عن غبي بليد.. وصورة الداهية قد تتكشف عن جبان!... هذا مع أن الصورة هي الواقع عند التقاطها، فهي تنقل عن الأصل، وربما كان هو عند التقاطها سيء المزاج...» ويقول الحجيلان: «فوجئنا بغضب المسؤولين عن الإعلام في الديوان الملكي لنشر هذا المقال، ومما زاد في غضبهم أن الأستاذ محمد عمر توفيق كان- قبل ان يتقاعد حديثاً- واحداً من موظفي ديوان الأمير فيصل بن عبدالعزيز، ومن هنا جاءت الظنون، وجاء الربط بين (سوء نية الكاتب) وتوقيت نشر المقال!... طلب إليَّ الديوان الملكي إشعار الأستاذ حسن قزاز فوراً بوجوب سفره إلى الرياض، لمساءلته عن نشر هذا المقال! أما الأستاذ محمد عمر توفيق، فما أن علم بتداعيات نشر مقاله، حتى توجه في أول طائرة إلى بيروت» ويذكر الحجيلان أن قزاز أتاه في منزله في جدة في أواخر ذلك الشهر- شهر رمضان- وهو في حالة نفسية سيئة جداً، وكان ذلك بعد ثلاثة أشهر من تعيينه مديراً للإذاعة والصحافة والنشر (نشر المرسوم الملكي بتعيينه في صحيفة البلاد، في العدد 583، بتاريخ 14 رجب 1380 هـ، الموافق 1 يناير 1960 م). كان طلب الديوان حضور قزاز إلى الرياض على الفور، ولتهدئة العاصفة واحتواء الغضب وحصره في أدنى الحدود رفع الحجيلان برقية إلى الملك سعود في 28 رمضان يلتمس منه بقاء حسن قزاز في جدة لتمضية العيد مع أسرته... على أن يكون سفره بعد العيد. ويقول الحجيلان- ص. 273- إن الشيخ محمد الدغيثر رئيس ديوان البرقيات في الديوان الملكي اتصل به وأخبره بأن الملك لا علم له بالأمر، وأنه لا مانع أن يمضي حسن قزاز العيد عند أهله ثم يأتي إلى الرياض لمقابلة المسؤولين عن الصحافة في الديوان الملكي. ويتابع: «هدأ الغضب، ومع هدوء الغضب، اقتصرت المساءلة على تنحية قزاز من رئاسة تحرير البلاد، دون أن يكون عرضة للمساءلة مرة أخرى. وبقي عند أهله ولم يسافر إلى الرياض، وحل محله في رئاسة تحرير جريدة البلاد الأستاذ محمد حسين زيدان». أما محمد عمر توفيق، فقد عاد إلى بلاده بعد غياب دام سنة وسبعة أشهر، بعد تعيينه وزيراً للمواصلات في الحكومة التي شكلها الأمير فيصل بن عبدالعزيز في 30 أكتوبر 1962 م. وقد نشر ملحق «الأربعاء» الذي تصدره صحيفة المدينة» في العدد الذي خصص لمحمد عمر توفيق بعد وفاته- والمؤرخ في 23 ذو القعدة 1414 هـ- مقالاً بقلم حسن قزاز بعنوان «أين العريس رحمه الله؟!، تطرق فيه إلى علاقته به منذ أن كان موظفاً في مطبعة الحكومة في أواخر ثلاثينيات القرن الميلادي الماضي. عين محمد حسين زيدان- بدلاً من قزاز- رئيساً لتحرير الصحيفة ابتداءً من العدد 651، في 9 شوال 1380 هـ، الموافق 26 مارس 1961 م، وخلال رئاسته لتحرير الصحيفة قام زيدان بأعباء رئاسة التحرير خير قيام، وحافظت الصحيفة خلال الثلاثة عشر شهراً التي قضاها في رئاسة التحرير على المستوى المتميز نفسه، ولم تفقد أحداً من كتابها أو المتعاونين معها، كما حدث سابقاً من بعض الصحف التي مرت بظروف مماثلة أدت إلى استبدال رؤساء تحريرها. والواقع أن محمد حسين زيدان كان تَوَّقاً إلى عودة قزاز إلى رئاسة التحرير؛ ومن نبل ذلك الرجل الكبير أن نشر في العدد 885، في 19 رجب 1381 هـ، الموافق 27 ديسمبر 1961 خبراً في الصفحة الثانية- صفحة الأخبار المحلية – بعنوان «خبرٌ سار» ورد فيه: «صرح الأستاذ حسن عبدالحي قزاز أحد صاحبي الامتياز لهذه الجريدة ورئيس تحريرها السابق لبعض مراسلي البلاد المتطوعين بأنه عائد قريباً إلى الجريدة، وسيرتب له عمله فيها.. مع القفزات المنتظرة التي سيطور بها الجريدة إن شاء الله... وعلى أساس ما صرح به فلقد وعده معالي وزير الدولة لشئون الإذاعة والصحافة والنشر بذلك حينما كان في الرياض. والبلاد أسرة وجهازاً ومن بينهم رئيس التحرير المؤقت الأستاذ محمد حسين زيدان يزفون هذه البشرى... ويرجون للأستاذ القزاز العودة القريبة فهم يعرفون له أثره في جريدة البلاد». لكن عودة قزاز إلى رئاسة التحرير لم تتم إلا بعد قرابة ثلاثة أشهر من نشر ذلك الخبر، ابتداءً من العدد 977، في 9 ذو القعدة 1381 هـ، الموافق 13 أبريل 1962 م. واستمر قزاز في رئاسة تحرير الصحيفة حتى آخر عدد صدر منها قبل يوم من إعادة إصدارها من قبل «مؤسسة البلاد للصحافة»، بعدد جديد- العدد 1559 في 4 ذو القعدة 1383 هـ، الموافق 17 مارس 1964 م-، وحمل العدد اسم عبدالمجيد شبكشي رئيساً للتحرير ومحمد حسن فقي مديراً عاماً للمؤسسة. وطوال العامين الذين قضاهما قزاز بعد عودته رئيساً لتحرير الصحيفة حافظت «البلاد» على وهجها وتميزها. بعد انتهاء علاقة قزاز بالصحيفة استمر قزاز في الكتابة في الصحف المحلية بين حين وآخر؛ وبعد فترة قصيرة من تركه العمل الصحفي اتجه إلى العمل الحر، إذ أسس «مكتب عرفات للتجارة والأعمال العامة» المتخصص في الهندسة والمقاولات عام 1384 هـ، ولم يحالفه الحظ- لأسباب تطرق إليها في الجزء الثاني من مذكراته «مشواري مع الكلمة»-، ثم افتتح عام 1391 هـ «مصنع عرفات للطوب الأحمر والمواسير الفخارية»، واستمر في هذا المجال حتى وفاته- رحمه الله- عام 1421 هـ، الموافق لعام 2000 م.