غنم وذئاب
حكي أن أحمقين تصاحبا في طريق، فقال أحدهما: أتمنى قطيع غنم، فقال الآخر: أتمنى قطيع ذئاب تأكل غنمك، فتضاربا ثم تصالحا على أن يحكم بينهما أول خارج، وإذا بشيخ بحمار عليه زقان من العسل. وحين أخبراه بأمرهما، أنزل الزقين وصبهما على الأرض وقال: صب الله دمي مثل هذا العسل إن لم تكونا أحمقين. الحكاية وضعت الثلاثة في سلة واحدة، ولكن من هو الأشد حمقا يا ترى؟ هنا اختلف علماء الأرصاد، بنيويا، فقال الأول، وهو من زمرة ما بعد الحداثة: عندما تكون الشمس في طفولتها أنشغل بحبوها الراقص، أما حين تتفتح أزهار شبابها تتسع عيناي فأرى أن أشدهم حمقا صاحب الحمار. أما صاحب الذئاب فهو مصاب بارتجاج نفسي يسمى:(طرطلوجيا) وعليكم تقييم الثالث، لأنه حين تلبس الشمس ثوبها المائي في طريقها إلى السرير لا أرى شيئا. وقال الثاني، وهو مخضرم شهد عصر الحداثة وعصر ما بعدها: أنا من أنصار(يورغن هابرماس) قال ذلك (وهو لا يدري أن هابرماس هذا صهيوني متعصب، يبرر إبادة أهل الأرض) أُنْكِر (الما بعد) هذه في الحداثة وفي التاريخ وفي أي شيء. إن الحياة هي نهر هرقليطس. أما مسألة الحمقاء الثلاثة فأنا أجزم بأن الحكاية من نسج القصاصين الذين يأكلون أموال الناس بالباطل، كما يقول القدماء، وقد دعا (الرائي) أبو العلاء المعري إلى تعليم القصاصين التثبت والصدق حتى لا ينخدع الناس بهم. وقال الثالث: وهو يحفظ عن ظهر قلب كل درجات الفصول، لأنه غيرنا لا يرى أن الفصول أربعة، بل هي (4×4) وعين يُسأل: لماذا أيها العبقري ضاعفت العدد؟ يقول مقهقها: رأيت ذلك في المنام، ثم يتصبب ضحكا أي أن ما يقوله مجرد خرافة. وهو لا يدرك بأن ما يقوله حكم بإعدام جزء كبير من صحاحنا، لأنها مكتظة بالرؤيا. ولكن أنت كقارئ ظريف ـ يضرب آباط الإبل ـ في سبيله إلى المعرفة الزرقاء ما هو رأيك؟ أنا لست من علماء الأرصاد حتى أدلي برأيي، ولكني أغسل غبار المعركة بينكم بوصف ماء دجلة للشاعر العراقي الشيخ علي الشرقي: (طاح عمود النور فوق دجلة / فصيّرته بارتجاجها كسر / وفوقه القصر المنيف فوقه / سوافر الغيد وفوقها القمر / مناظر تدرج الحسن بها / ويصعد الحسن ويصعد النظر)