وسائل التواصل والإعلام في عهد الملك المؤسس..
الملك عبد العزيز حسم التحديث التقني واستشرف المستقبل مبكراً.
في ذكرى يومنا الوطني المجيد، سأتحدث عن واقع وسائل التواصل والإعلام في بلادنا مع بدايات القرن العشرين، ولا سيما مع بدايات العشرية الثانية منه، إذ كانت التقنيات الحديثة التي برزت آنذاك في مجالات (المواصلات والاتصال والإعلام) في صلب اهتمام الملك المؤسس الملك عبد العزيز (رحمه الله)، لمعرفته بأهميتها لمملكته، ورغبته في أن تتطور بلاده سريعا باقتناء ما استجدّ في عالم التقنيات التي تقرّب البعيد وتسهّل التواصل بين أبناء الوطن الواحد. لذلك نرى كيف سعى الملك عبد العزيز، بعد لَمّ شمل مختلف أجزاء البلاد وتوحيدها في مملكة عظيمة، مباشرة إلى اقتناء تلك الوسائل الحديثة، التي لم تكن جديدة على بلادنا فحسب، بل على كثير من بلدان العالم؛ إذ إنّ ظهورها في الغرب كان بطيئا مع نهايات القرن التاسع عشر، ثم بدأت تبرز وتنتشر مع بدايات القرن العشرين. لذا فالمملكة في ظل الملك المؤسس لم تكن متأخرة في اقتناء وسائل المواصلات والاتصال والإعلام، مهما أراد البعض من خارج الحدود أن يوهمنا في كتاباته بأنّنا متأخرون في هذا المجال، متكئين على أنَّ قلةً كانت متوجسةً تسببت في ذلك التأخير، ومتحاملين بتجاهلهم أنّه حتى في عدة بلدان مجاورة، بل وفي الغرب نفسه، كان هناك من توجّس وخاف من الاختراعات الجديدة. لذا فبلادنا، رغم أنها كانت تعاني قبل توحيدها من التشتت وانعدام الأمن والانغلاق وندرة الإمكانات الاقتصادية، إلا أنها على يد الملك عبد العزيز بدأت تأخذ بكل جديد وتوطّد له الأرضية في العقول وفي الميادين. فما حققه الملك المؤسس الملك عبد العزيز -رحمه الله- مع بدايات القرن العشرين بانتشال هذه الأرض الكبيرة مما كانت تعاني منه، ونقلها من عصر قديم إلى عصر حديث، لا يمكن وصفه ولا إيفاؤه حقّه من الإنصاف. فلم تكن بلادنا في ظل الملك عبد العزيز متأخرة عن التقنيات لا في الرياض ولا في جدة ولا في أي مكان داخل الوطن، وإنما كانت هناك أولويات. وهنا سأستدل بما قاله صاحب السمو الملكي الأمير خالد الفيصل في لقاء تلفزيوني «إنّ سرعة دخول وسائل المواصلات والتواصل في بلادنا، على سبيل المثال، تعدّ معجزة على أرض هي شبه قارة وفي زمن قياسي»، حيث ذكر سموّه: «إنّ أحد أفراد أسرته سافر من الرياض إلى مكة المكرمة على ظهر جملٍ، ولما رجع من مكة إلى الرياض بعد مدة قصيرة رجع في سيارة، وذهب إلى الأحساء في سيارة، ثم في عودته من الأحساء إلى الرياض ومن ثم إلى جدة كان في طائرة». لذا فكلام سموّه يدلّ بل يؤكد أنَّ الملك عبد العزيز انتقل مباشرة، وهو في آخر مراحل التوحيد، إلى التحديث والتطوير، فأدخل وسائل المواصلات والاتصالات في زمن قياسيّ جداً، ليس على المستوى الخاص فحسب، بل على المستوى العام أيضاً -أي على مستوى عامة الناس. وانطلاقاً مما قاله سمو الأمير خالد الفيصل، سنذهب سوياً لنرى ذلك الانتقال السريع من عصر إلى عصر آخر وفي وقت وجيز. سيارات الملك عبدالعزيز الأولى منذ اليوم الأول لاستعادة الملك عبد العزيز للرياض عاصمة آبائه، ثم بدئه خطوات توحيد المملكة، سعى إلى الاستفادة من التقنيات الحديثة. ففي مجال المواصلات يتضح تاريخياً أنَّ أول سيارة دخلت مكة المكرمة كانت في عهد الملك عبد العزيز، وهي سيارة ميكانيكية دخلت عام 1926م، ثم جرى عام 1927م مدّ أول طريق للسيارات بين جدة ومكة المكرمة. أما أول سيارة دخلت الرياض فكانت في العشرينيات الميلادية نفسها -عام 1340هـ- إذ أدخلها الوكيل التجاري والسياسي للملك عبد العزيز السيد عبد الله القصيبي، وهي سيارة من طراز «فورد» قدمها إلى الملك عبد العزيز. وبالطبع استخدم الملك عبد العزيز السيارات في تنقلاته في الرياض وفي رحلاته، إذ كانت أول رحلة له بالسيارة من جدة إلى الرياض مروراً بالمدينة المنورة عام 1345هـ / 1926م، وزادت بعد ذلك التاريخ أعداد السيارات المستخدمة في رحلاته. وتجدر الإشارة إلى أنَّ أغلب سياراته محفوظة في القاعة التذكارية بدارة الملك عبد العزيز بالرياض، ومن أشهرها سيارة «رولز رويس» تلقاها هدية من رئيس وزراء بريطانيا ونستون تشرتشل. أما في مجال استخدام الطائرات، فيتضح أنه بعد أن تلقّى الملك عبد العزيز طائرة من الرئيس الأمريكي فرانكلين روزفلت في شهر جمادى الآخرة 1365هـ الموافق 27 مايو 1945م من طراز «داكوتا دي سي 3»، وضعها الملك مباشرة في خدمة شعبه، فكانت نواة أول أسطول طيران سعودي ينطلق في أجواء المملكة العربية السعودية. وفي فبراير عام 1946م تأسست الخطوط الجوية العربية السعودية واتخذت «SDI» أول شعارٍ لها. لقد استعمل الملك عبد العزيز طائرته «الداكوتا» في تنقلاته، فكانت رحلته عام 1947م من الرياض إلى مكة المكرمة انطلاقاً من مدينة عفيف بالقرب من الرياض، وهبطت في الحوية بالطائف، وهي أول رحلة رسمية يسجّلها الطيران السعودي. بعد ذلك، وبشراء طائرتين من الطراز نفسه، جرى ربط كل من الرياض وجدة والظهران برحلات للركاب والشحن، وجرى تشغيل رحلات إقليمية بين المملكة ومصر وسوريا. وفي عام 1948م جرى شراء خمس طائرات من طراز (DC-4) وخمس طائرات أخرى من طراز «بريستول 170» لدعم شبكة الرحلات الدولية للخطوط السعودية، وتلا ذلك شراء أنواع مختلفة من الطائرات لتدعيم أسطول الشركة. إنّ إنشاء الخطوط الجوية العربية السعودية يعدّ أحد أبرز الشواهد الحضارية العملاقة والتحديات التنموية التي قادها الملك المؤسس الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن الفيصل آل سعود -رحمه الله- إذ إنه بنظرته الثاقبة واستشرافه لآفاق المستقبل، رغم كل الظروف الصعبة آنذاك وتواضع الإمكانات، كانت قناعاته التي لا تتزحزح تتمثل في حاجة الوطن والمواطن لوسائل نقل سريعة تحقق الانتقال من حال قديم إلى حال جديد، ويكون لها دور في حركة التطوير والبناء للإنسان السعودي ولمختلف الوسائل التي تخدمه في وطن كبير المساحة والتطلعات. وإنَّ الخطوط السعودية أصبحت من أكبر أساطيل شركات الطيران في الشرق الأوسط، ومن أفضل ثلاثين شركة طيران في العالم وفقاً لإحدى إحصاءات المنظمة الدولية للنقل الجوي (إياتا). وهنا لا بد من التذكير بأنَّ المملكة عرفت أول طيران على أراضيها عام 1352هـ / 1934م من خلال شركة «أرامكو» التي شيدت أول مدرج للطيران بالقرب من مدينة الجبيل بالمنطقة الشرقية لهبوط وإقلاع الطائرات التي كانت تستخدم في مجال التنقيب عن النفط في شرق المملكة. التقنيات الحديثة والملك المؤسس وقبل أن أسهب في الموضوع، أعود بكم قليلاً إلى مرحلة الشباب المبكر للملك عبد العزيز، إذ كان يرحّب بالتقنيات الحديثة وبالصحافة؛ فقد أجرت صحيفة «الدستور» العراقية لقاءً صحفياً معه عام 1330هـ / 1913م، أجرى اللقاء المثقف السعودي إبراهيم بن عبد العزيز الدامغ. وحسب مؤرخ الإعلام السعودي الدكتور عبد الرحمن الشبيلي، نقلاً عن جريدة «أم القرى»، قامت صحيفة «صنداي إيفنينغ بوست» (Sunday Evening Post) اللندنية بإجراء مقابلة مع الملك عبد العزيز عام 1926م، وكذلك صحيفة «الأهرام» المصرية عام 1937م. لقد كان الملك عبد العزيز -رحمه الله- يحبّ الاطلاع ومعرفة ما يستجدّ سواء في الكويت أو في البحرين، وكان يتلقى قصاصات صحفية حول الأوضاع في الخليج، وبذلك يتضح أنَّ الملك عبد العزيز منذ شبابه عرف هذه الوسائل الحديثة ورحّب بها. لذا، وببصيرة ثاقبة ورؤية بعيدة المدى، سعى منذ وصوله إلى الرياض ثم إلى مكة المكرمة إلى اقتناء هذه الوسائل الحديثة عبر استيرادها والاستفادة منها وإقناع المجتمع بتقبّلها، بدءاً بالتلغراف والسيارة والطائرة، وصولاً إلى الاتصالات اللاسلكية الحديثة آنذاك لتحقيق التواصل مع أفراد شعبه في مختلف المناطق. ففي مجال البرق والبريد والهاتف، التي كانت من أولى الوسائل وجوداً، نرى أنه عندما وصل الملك عبد العزيز -طيب الله ثراه- إلى مكة المكرمة وجد أنه من الممكن الاستفادة من بعض أجهزة التلغراف النادرة القليلة العدد والمعطَّل بعضها، وأيضاً من بعض الصحف المحلية النادرة وخاصة التي كانت تأتي من مصر، فسعى إلى إصلاح ما يمكن إصلاحه من الآلات القديمة، ثم استيراد الجديد في مجال الأجهزة وإنشاء المكاتب وتدريب الكوادر. ولعلمه أنَّ بعض أجزاء البلاد كانت تعاني من التقوقع على الذات وغياب تقنيات التواصل الحديثة لوعورة المسالك أو لرفض بعضهم لها، كان لحكمته وحنكته الدور الفعّال في إقناع من خاف أو توجّس حتى بدأوا يقتنعون بها ويتقبلونها؛ فبدأت وسائل التواصل السلكي واللاسلكي تنتشر في بعض المناطق، كما بدأت السيارات تأخذ مكانها في المدن الرئيسية. لقد جرى تحديث التلغراف وأجهزة اللاسلكي التي كانت في مكة، واستيراد الجديد منها وزيادة عددها تسهيلاً لإصدار الأوامر العاجلة من الملك إلى موظفيه وقادته المنتشرين على امتداد الجغرافيا السعودية الشاسعة. لقد كان التلغراف في مكة في وضع سيئ في مبنى بسوق صغير بجانب باب الوداع، فسعى إلى تطويره وتطوير البريد أيضاً. ففي البداية كانت رسائل البريد الرسمية تنطلق إلى خارج مكة على ظهور الهجن، ولكن بدأ الحال يتغير بفضل قرارات الملك المظفر الملك عبد العزيز؛ إذ جرى الانتقال تدريجياً من عصر الهجن في نقل البريد بين مكة وجدة والمدينة المنورة إلى عصر السيارات بدءاً من شهر إبريل 1929م، خدمة لهذه المدن وللحجاج والزائرين للأماكن المقدسة، وكان هذا اختصاراً للزمن وبصورة قياسية. أجهزة لتلقي الأخبار لقد كانت أجهزة اللاسلكي الموجودة آنذاك في مكة، قبل وصول الملك عبد العزيز، قديمة وقليلة العدد ومخصصة للدوائر الرسمية، فجعلها الملك عبد العزيز في خدمة الجهات الرسمية والمواطنين على حد سواء، وجرى إنشاء اللجنة الأهلية برئاسة الحاج عبد الله علي رضا، وتعيين الشيخ عبد الله كاظم مأمور تلغراف ثم مديراً لإدارة البريد والبرق واللاسلكي التي أُنشئت. وقام رئيس اللجنة، بطلب مباشر من الملك، بتخفيض أجور الخدمات وتوفير خدمات أخرى، وتخفيض أجور البرقيات اللاسلكية وإرسال الرسائل لبعض المدن وللخارج، وسمح بتركيب الهواتف للعموم في منازلهم ومتاجرهم. ثم بدأ في العشرية نفسها -أي منتصف عشرينيات القرن العشرين- تركيب صناديق بريد أمام المنازل وتخفيض أجرة الصندوق، بل إنه وفر صناديق بريد في طرقات مكة ليسهّل على الحجاج إرسال خطاباتهم إلى ذويهم، وجرى قبول الحوالات والطرود. وفي مجال الاتصالات اللاسلكية، جرى عام 1926م استيراد جهازين جديدين للبرق واللاسلكي؛ أحدهما في الطائف في المقر الصيفي للملك عبد العزيز، والآخر في مكة لتلقّي الأخبار من جميع الجهات وإرسالها للملك في الطائف. ثم بدأ التخطيط لتأهيل كوادر وطنية للعمل في مجالي الاتصالات والبريد، وتأسست في جدة أول مدرسة على مستوى البلاد لتعليم مهنة اللاسلكي، وجرى ابتعاث بعضهم إلى بريطانيا عام 1930م لتدريبهم هناك في شركة «ماركوني». وفي أكتوبر 1930م جرى جلب 50 آلة هاتف «أوتوماتيكي» من شركة «سيمنس» الألمانية، استخدم بعضها في قصري الملك المؤسس ونائبه. وجرى بعد ذلك افتتاح مركز هاتف بالرياض ما أسهم في تحقيق أول مكالمة هاتفية بين الرياض والطائف بين الأميرين سعود بن عبد العزيز في الرياض وأخيه الأمير فيصل بن عبد العزيز في الطائف. بعد ذلك جرى نقل البرقيات -ولا سيما الأخبار- من الرياض إلى مكة لنشرها في جريدة «أم القرى». انطلاقة البريد وفي أكتوبر 1934م انطلق أول بريد بالسيارات بين مكة والرياض والأحساء ليستمر العمل بذلك مرة كل 15 يوماً. وفي العام نفسه جرى للمرة الأولى تدشين أول خط بريدي بالسيارات من مكة إلى القصيم فحائل فالجوف، وفي مارس 1941م جرى ربط مكة بأبها بخط بريدي آخر يمر بغامد وبيشة وصولاً إلى عسير مرتين في الشهر. وابتداءً من أكتوبر 1949م جرى إطلاق خطين بريديين آخرين بالسيارات نحو شمال البلاد وجنوبها ينطلقان مرة واحدة كل أسبوع من مكة. ثم شهد البريد السعودي نقلة كبرى حينما انطلقت خطوط الطيران، ففي فبراير 1937م أرسل أول بريد جوي من جدة إلى المدينة. ومنذ سبتمبر 1947م جدولَت طائرات الخطوط السعودية نقل البريد بين جدة والطائف والرياض والظهران ومصر. وفيما يخص الاتفاقيات الدولية، فقد جرى التوقيع في لندن على اتفاقية البريد الدولية، ونيل عضوية الاتحادات العالمية (مثل اتحاد البريد العالمي في بيرن بسويسرا). وحقّاً لقد حسم الملك عبد العزيز الأمر منذ منتصف العشرينيات من القرن الماضي، ولا سيما حينما أصدر أوامره بربط أجزاء مملكته الفتية بشبكة تلغراف متطورة، إذ طلب إلى الشركة الشرقية -التي يملكها عبد الله فيلبي- جلب عدد من أجهزة «ماركوني» البريطانية الحديثة ذات الموجات القصيرة بعد أن جرى توقيع العقد عام 1930م، وقد اختيرت أرض فضاء خلف القصر الملكي بمكة لإجراء التجارب، وحضر الملك عبد العزيز بعض هذه التجارب للوقوف شخصياً على العمل ومباركة تدشين الأجهزة، إذ تلقى الملك، على سبيل التجربة، برقية من أمير ضبا كان نصها: «كل عام وأنتم بخير يا طويل العمر». ثم في 20 أغسطس 1931م جرى تبادل أول برقية لاسلكية بين الرياض والطائف، وكانت عبارة عن برقية أرسلها الأمير فيصل إلى والده الملك عبد العزيز في الرياض. ورويداً رويداً عمت الاتصالات البرقية مدن المملكة. ولحرص الملك عبد العزيز على التواصل مع شعبه، كانت ترافقه في تنقلاته «الحقيبة الملكية» التي تحمل جهاز اتصال لاسلكي، ليسمع من خلاله مطالب المواطنين واحتياجاتهم. إحدى عشرة صحيفة ومجلة في عهد الملك المؤسس فيما يخص الصحافة والإذاعة في عهد الملك عبد العزيز، نرى أنه فور وصول الملك إلى مكة المكرمة وجد أن الصحف النادرة قليلة الصفحات وضعيفة الإمكانات. وكما هو معلوم، فالصحافة بطبيعتها لا يمكن أن تبدأ وتزدهر دون توافر حد أدنى من الاستقرار والتعليم والثقافة، لكن الخلافات بين العثمانيين وممثليهم الهاشميين الذين تحولوا إلى مناوئين للأتراك كانت سبباً في ضعف الصحافة في مكة، بل وغياب أجهزة الطباعة الحديثة، «رغم أنه جرى استيراد أول مطبعة لمكة المكرمة عام 1300هـ / 1883م، أي بعد خمس سنوات من إنشاء مطبعة صنعاء التي أقامتها تركيا» (الإعلام في المملكة العربية السعودية، دكتور عبد الرحمن الشبيلي، دراسة وثائقية، الرياض - محرم 1421هـ / أبريل 2000م، ص 24). لذا فإن أول صحيفة صدرت في العهد السعودي كانت جريدة «أم القرى» كأول وسيلة إعلامية سعودية رسمية مباشرةً بعد فترة قصيرة جداً من دخول الملك عبد العزيز مكة، إذ صدرت بتاريخ 15/5/1343هـ الموافق 12/12/1924م، وجرى تطوير المطبعة، وبدأت الصحف السعودية تبرز وتنتشر في مكة وجدة ثم في الرياض. منذ دخول الملك المؤسس مكة عام 1343هـ / 1924م حتى وفاته 1373هـ / 1953م -رحمه الله- صدرت إحدى عشرة صحيفة ومجلة، كما صدر نظامان للمطبوعات الأول عام 1347هـ / 1927م والثاني عام 1358هـ، وجرى تأسيس خمس مطابع، وظهرت في وقته أول مطبوعة باللغة الإنجليزية وهي جريدة «الشمس والوهج» التي أصدرتها أرامكو. وظهرت أول صحيفة أهلية في الرياض وهي «اليمامة» التي أسسها الشيخ حمد الجاسر عام 1372هـ، ثم أصدرت أرامكو «قافلة الزيت» عام 1373هـ ولا تزال تصدر حتى يومنا هذا. لقد سعى الملك عبد العزيز -رحمه الله- إلى أن تكون هناك صحافة سعودية متطورة تكون أداة تثقيف وتوجيه في المجتمع، منبهاً إلى وضع القواعد المنظمة للعمل الصحفي. إنّ تلك البدايات الأولى للصحافة السعودية هي الأساس لما نعيشه اليوم من نهضة إعلامية صحفية كبرى، بفضل إدراك الملك عبد العزيز لدور الصحافة في المجتمع وأهميتها وما تؤديه من وظائف إخبارية وتعليمية وتثقيفية وغيرها. والدكتور محمد الشامخ يؤكد غياب صحافة حقيقية قبل دخول الملك عبد العزيز مكة بقوله: «لقد كانت البدايات الأولى للصحافة التي سبقت توحيد البلاد بداية متعثرة ولم يفد منها أبناء الوطن» (د. محمد بن عبد الرحمن الشامخ، نشأة الصحافة في المملكة العربية السعودية). ففي عهد الملك عبد العزيز ظهرت الصحافة الحقيقية وتمتعت بالانتشار. لذا يتضح أنَّ القرار السياسي الحكيم الذي اتخذه الملك عبد العزيز مباشرة بعد دخوله مكة المكرمة أوجد جواً ملائماً ومثمراً لنشأة الصحف وبروزها، إذ جرت آنذاك دعوة الأدباء والكتّاب إلى إدارة دفة الصحافة السعودية الناشئة فحققت حضورها في أنحاء المملكة. تأسيس أول نظام إذاعي أما في مجال الإذاعة، فيرجع الفضل في تأسيس أول نظام إذاعي في المملكة إلى الملك عبد العزيز -طيب الله ثراه- إذ جرى في 23 رجب 1368هـ / مايو 1949م توقيع عقد بين الحكومة السعودية والشركة العالمية (International Standard Electronic Corporation) التابعة للشركة العالمية للتلفزيون والتلغراف لتركيب وصيانة إذاعة لاسلكية باللغة العربية في المملكة، وبدأ العمل في مشروع إذاعة جدة، وفي 19 رمضان 1368هـ جرى بث أول برنامج تجريبي من استوديوهات جدة. وفي الثامن عشر من يوليو 1949م أصدر الملك عبد العزيز مرسوماً ملكياً برقم 7/3/16/3996 بتأسيس أول نظام إذاعي رسمي في المملكة العربية السعودية، وبذلك أتت الإذاعة لتكمل مسيرة التطوير الإعلامي التي قادها الملك عبد العزيز والتي تهدف إلى التوعية ونشر المعرفة والثقافة؛ فالإذاعة تمكّن المواطن المتعلم والأمي على حد سواء من فهم ما يجري حوله على مدار الوقت وفي أي مكان يكون فيه. وطبعاً سبق إنشاء الإذاعة إنشاء مجلس للدعاية والحج يتبع وزارة المالية لمواجهة الحملات المغرضة. وحسب ما أورده الكاتب المصري محيي الدين رضا في كتابه (في الحجاز) الصادر في القاهرة عام 1936م: «أنَّ الملك عبد العزيز كان يطلع على الأخبار التي تذاع في الراديو، وأنَّ موظفين مختصين يقومون برصد الأخبار، وذكر أنَّ إذاعة لندن كانت تذيع ملخص خطب الملك في الحج» (جريدة الجزيرة، 21-7-1434هـ، قراءة في كتاب رحلتي إلى الحجاز للكاتب المصري السيد محيي الدين رضا). وحيث إنَّ الإذاعة تسبق الصحافة في نشر الخبر، ولأن المذياع وسيلة جماهيرية يستمع لها الناس بينما اقتصرت الصحافة على الفئة المتعلمة بل المثقفة آنذاك، فقد سعى الملك إلى إنشاء إذاعة سعودية في أقرب وقت ممكن؛ وبذلك كان أول بث إذاعي هو بث وقفة عرفة في 9 ذي الحجة 1368هـ الموافق 1 أكتوبر 1949م لبث شعائر الحج، ثم كلمة افتتاحية من الملك عبد العزيز ألقاها نيابة عنه الأمير فيصل بن عبد العزيز، تضمنت الترحيب بالحجاج وتهنئتهم بأداء الفريضة. لقد كان للأدب في الإذاعة في عهد الملك عبد العزيز نصيب كبير؛ إذ كان يقوم كبار الأدباء بتقديم أحاديث أدبية وثقافية واجتماعية وتاريخية، بل إنَّ أغلب من يعمل في الإذاعة كانوا من الأدباء، لدرجة أنَّ نسبة البرامج الأدبية بلغت 45% من مجموع ساعات البث. وقد أعطت الإذاعة العمل الإخباري أهمية؛ إذ بلغت نسبة الأخبار 25% من ساعات البث لتقديم الأخبار المحلية الرسمية والعامة والأخبار الدولية، ومارست شيئاً من المهنية منذ بدايتها إذ أرسلت مراسلين لها في عدد من مناطق المملكة لتسجيل بعض مظاهر النشاط والتطور هناك، كذلك جرى تعيين مندوبي أخبار في مختلف الدوائر الحكومية، وبذلك توافر لها السبق الإخباري على الصحف. وفي عام 1369هـ / 1950م جرى فصل الإذاعة عن البرق والبريد وارتبطت بالمديرية العامة للإذاعة الحديثة الإنشاء. ثم جرى افتتاح استوديو مكة المكرمة في بداية شهر محرم 1371هـ / سبتمبر 1951م. وفي شهر شوال 1371هـ / يوليو 1952م جرى نقل الحديث الذي ألقاه سمو الأمير عبد الله الفيصل في لندن من خلال التعاون مع بي بي سي (BBC) في هذا الشأن. وطبعاً لم تكن الإذاعة ومتابعة المحطات غائبة عن الرياض، وإنما كان الملك المؤسس (طيب الله ثراه) يعطي الأولوية للأماكن المقدسة في مجال الإذاعة وخاصة لبث الشعائر، وعلى وجه الخصوص تغطية موسم الحج. لذا تولى مهمة إنشاء الإذاعة الرسمية في الرياض ابنه الملك سعود وولي العهد الأمير فيصل بن عبد العزيز، إذ جرى في 23 ذي القعدة 1382هـ الموافق 17 أبريل 1963م إنشاء أول مرسلة إذاعية في الرياض بدأت بإعادة بث برامج إذاعة جدة، ثم انطلق البث الإذاعي الفعلي من الرياض بداية شهر رمضان 1384هـ / 3 يناير 1965م، وفي بداية شوال 1384هـ / 23 فبراير 1965م بثت إذاعة الرياض برامجها بشكل مستقل. لقد أسهمت الإذاعة السعودية من جدة والرياض، والتي يلتقط بثهما في أي مكان داخل المملكة وفي أي وقت، في دفع عملية التنمية في مختلف أرجاء الوطن وبشكل كبير، من خلال قيامها بتوعية المواطنين وتثقيفهم في مختلف شؤون حياتهم للسعي نحو الرقي والتطور وتحقيق الأفضل في مختلف المجالات. الانفتاح على الثقافات منذ اليوم الأول للإذاعة السعودية كانت وسيلة تقريب بين الحاكم والمحكوم، وبين أبناء الوطن، وتحقيق الألفة بينهم ودفعهم للمشاركة في بناء وطنهم في مختلف المجالات. لقد وضع الملك عبد العزيز الصحافة ثم الإذاعة في خدمة التحول الكبير على المستوى الداخلي، وفي الانفتاح على الثقافات، وإلى تطوير ذواتهم ومعايشة العصر، وبذلك أرى أنَّ الملك عبد العزيز سبق منظري الإعلام الحديث في وصفهم لدور وسائل الإعلام -ولا سيما الإذاعة- بأنها وسائل منشّطة ومحفزة للتطور الاجتماعي، وذلك بجعله الإذاعة في خدمة الإنسان السعودي؛ فقامت بدور المثقّف والمحفّز للمواطن لدفعه إلى الارتقاء من خلال تزويده بكل ما يضاعف حصيلته المتنوعة من معلومات ومعارف تطويرية تنموية. فهاري سانت جون فيلبي (عبد الله فيلبي) في كتابيه «العربية السعودية» و«حاج في الجزيرة العربية»، وحافظ وهبة في كتابه «جزيرة العرب في القرن العشرين»؛ ذكرا أنه «رغم سنوات القحط، إلا أنَّ اللاسلكي والهاتف بدأ تأثيث حضورهما رسمياً وجماهيرياً في مكة والرياض وبقية مدن المملكة». في كتابه «جزيرة العرب في القرن العشرين» قال حافظ وهبة: «لا يقدّر مجهودات الملك عبد العزيز حق قدرها إلا الواقفون على أحوال البلاد العربية المتصلون بها، الخبيرون بشؤونها، الملمون بأحوال سكانها وطرق معيشتهم. وإنَّ الذي قرأ كتب الجوالين من الإنجليز في بدايات القرن العشرين، يعرف ما لهذا الرجل العظيم من فضل في استتباب الأمن، وتوحيد الأجزاء المترامية الأطراف في دولة واحدة، والعمل على نشر التعليم والإكثار من المدارس، ومكافحة الجهل بكل الوسائل الممكنة، ولولا قلة المال آنذاك لوجدنا هذه البلاد التي يقود سفينتها عبد العزيز أسبق بلاد العالم وأسرعها خطى في طريق التقدم». *إعلامي ومترجم