عزّنا بطبعنا.. وطن يعرف نفسه.
في حياة الشعوب أيام تمر على التقويم، وأيام يمر التقويم من خلالها. أيام لا تستمد قيمتها من رقمها في روزنامة الزمن، وإنما من مقدار ما تختزنه من ذاكرة، وما توقظه من مشاعر، وما تفتحه من نوافذ على المستقبل. والثالث والعشرون من سبتمبر بالنسبة للسعوديين واحد من تلك الأيام، ففيه لا نستعيد واقعة تاريخية فحسب، وإنما نستعيد قصة وطن خرج من شتات الجغرافيا إلى وحدة الدولة، ومن صخب التاريخ إلى طمأنينة الاستقرار، ثم مضى، جيلًا بعد جيل، يبني نفسه حتى أصبح اليوم يقف بثقة بين الأمم. في الثالث والعشرين من سبتمبر ١٩٣٢م، أعلن الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود -طيب الله ثراه- توحيد أجزاء البلاد تحت اسم المملكة العربية السعودية، بعد مسيرة امتدت أكثر من ثلاثة عقود منذ استرداد الرياض عام ١٩٠٢م. لكن ما حدث يومها لم يكن مجرد تغيير لاسم على خريطة. كان ميلاد وطنٍ جامع. وكيان حاضن. فالجغرافيا يمكن أن تصنعها الطبيعة، والحدود يمكن أن ترسمها السياسة، أما الوطن فلا تصنعه إلا إرادة الإنسان، وقدرته على تحويل الأرض إلى انتماء، والسكان إلى مجتمع، والسلطة إلى دولة، والذاكرة المشتركة إلى مصير مشترك. ولعل هذا هو المعنى الأعمق الذي ينبغي أن نستحضره ونحن نحتفل اليوم بالذكرى السادسة والتسعين لليوم الوطني. فبعد أربعة وتسعين عامًا من إعلان قيام المملكة، لم يعد السؤال: كيف توحدت هذه البلاد؟ فهذا تاريخ محفوظ في الكتب والذاكرة. وإنما أصبح السؤال الأكثر أهمية: كيف استطاعت هذه الوحدة أن تبقى، وأن تزداد رسوخًا، وأن تتحول من مشروع سياسي إلى هوية وطنية عميقة الجذور؟ من هنا تبدأ الحكاية الأخرى. من وحدة الأرض إلى وحدة الوجدان. كان الملك عبد العزيز يدرك أن توحيد الأرض على صعوبته، يبقى دونه تحدٍّ أعظم: توحيد القلوب بعده. فالمملكة التي قامت على مساحة شاسعة، وتضاريس شديدة التنوع، ومجتمعات محلية لها عاداتها ولهجاتها وبيئاتها، لم يكن يكفي أن تجمعها حدود سياسية. كان لا بد أن تنشأ بينها شبكة من المصالح والمشاعر والرموز والمؤسسات التي تجعل ابن الشمال يرى نفسه في ابن الجنوب، ويشعر ابن الشرق أن فرح ابن الغرب فرحه، وأن تصبح مناطق ومدن المملكة أجزاءً من جسد واحد. وهذا ما تحقق تدريجيًا. وهكذا انتقلت المملكة خلال عقود قليلة من مجتمع تتباعد أطرافه بفعل قسوة الجغرافيا، وصلف التاريخ إلى مجتمع تتشابك مصالحه وتتقارب أحلامه وتتداخل مصائره. وربما كان هذا أحد أعظم الإنجازات السعودية التي لا تظهر في صور المباني ولا في أرقام الميزانيات: صناعة الإنسان الذي يرى المملكة كلها وطنه، لا مدينته أو منطقته وحدها. تعاقب على المملكة بعد المؤسس أبناؤه الملوك: سعود وفيصل وخالد وفهد وعبد الله -رحمهم الله-، وكل واحد منهم تسلم لبنة ممن سبقه وأضاف إليها لبنات، حتى وصل البناء إلى عهد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز. وهذه الاستمرارية ليست مسألة شكلية في تاريخ الدول. فثمة أمم تبدأ في كل عهد من الصفر، تهدم ما بناه السابق لتبني مشروعًا جديدًا، فتظل تدور حول نفسها. أما التجربة السعودية فقد اتسمت -مع اختلاف المراحل والأولويات- بالتراكم. البناء الجديد لا يلغي القديم، بل يقف على كتفيه. ومن هنا يمكن قراءة تاريخ المملكة بوصفه سلسلة متصلة: توحيد، ثم تثبيت، ثم بناء، ثم تحديث، ثم تحول. ومن هنا جاءت رؤية السعودية ٢٠٣٠ بوصفها لحظة انتقال كبرى. لم يكن جوهر الرؤية أن تنشئ المملكة مشروعات ضخمة فقط، وإنما أن تعيد النظر في السؤال الاقتصادي والاجتماعي بأكمله: كيف نبني اقتصادًا أكثر تنوعًا؟ كيف نحول المواطن من متلقٍ للتنمية إلى شريك في صناعتها؟ كيف نستثمر الموقع، والجغرافيا، والثقافة، والتراث؟ وكيف نحول النفط من قدَرَ ٍاقتصادي وحيد إلى أحد عناصر قوة متعددة؟ وهنا تكمن خصوصية المرحلة الراهنة. فالمملكة لا تغير شكل اقتصادها فحسب، وإنما تغير سرعته. والفرق كبير بين دولة تتطور، ودولة تقرر أن تختصر الزمن. لهذا يبدو شعار اليوم الوطني لهذا العام “عزّنا بطبعنا” أكثر من عبارة احتفالية. فالهُوِيَّة الرسمية للمناسبة تستدعي ست خصال ترى أنها متأصلة في الشخصية السعودية: الشجاعة، والرؤية، والأصالة، والهمة، والجود، والكرم. ولعل الرؤية من أكثر هذه الخصال اتصالًا بالمرحلة السعودية الراهنة؛ فالرؤية، بمعناها الأوسع، هي القدرة على استبصار الممكن قبل أن يصبح واقعًا. ومن هذا المعنى يمكن قراءة رؤية السعودية ٢٠٣٠. فالرؤية الحقيقية ليست أن ترى ما يراه الآخرون، بل أن ترى ما لم يظهر بعد. فحين كانت مناطق واسعة من المملكة تُرى بوصفها صحاري وجبالًا وسواحل بعيدة، جاءت النظرة الجديدة لتراها موارد سياحية واقتصادية وبيئية. وحين كان التراث يُعامل أحيانًا باعتباره بقايا زمن مضى، أصبح اليوم أحد مكونات الاقتصاد الثقافي والسياحي والهوية الوطنية. وحين كانت مشاركة المرأة محكومة بقيود اجتماعية كثيرة، أصبحت المرأة السعودية اليوم حاضرة في ميادين الإدارة والاقتصاد والعلم، والثقافة، والدبلوماسية، والفضاء. وحين كان الخيار الوظيفي يهيمن على تطلعات قطاع واسع من الشباب، تتجه السياسات الجديدة إلى توسيع فضاء المبادرة. إنها في جوهرها عملية تغيير لطريقة النظر إلى الأشياء قبل تغيير الأشياء نفسها. فالتحديث يحمل دائمًا سؤالًا مقلقًا: ماذا يبقى منا ونحن نتغير؟ وهذا السؤال ليس سعوديًا وحده. كل المجتمعات التي مرت بتحولات سريعة واجهت التحدي نفسه: كيف تدخل المستقبل دون أن تترك روحها عند بابه؟ الأصالة لا تعني أن نعيش كما عاش الأجداد، وإلا أصبح التاريخ سجنًا. كما أن الحداثة لا تعني أن نمحو ذاكرتنا ونستعير وجوه الآخرين. المعادلة الأذكى: أن نأخذ من الماضي قِيَمَه لا أدواته، ومن المستقبل أدواته دون أن نفقد قيمنا. لذا نرى العناية الراهنة بالدرعية والعلا وجدة التاريخية والقرى التراثية وفنون العمارة والحرف والأزياء واللهجات والموروث الشعبي جزءً من مشروع أكبر: إعادة تعريف العلاقة بين السعودي وذاكرته. فالشعوب تكون سهلة الذوبان عندما تفقد ذاكرتها الحية. والوطن الذي لا يعرف قصته قد يجد نفسه يومًا يعيش قصة كتبها الآخرون له. يخطئ من يختزل الوطن في قائمة مشروعات. فالمشروع، مهما عظم، ينتهي. والطريق يكتمل. والبرج يُبنى. والمطار يُفتتح. والأرقام تتغير من سنة إلى أخرى. أما الوطن فأكبر من ذلك كله. الوطن هو الشعور بالأمان حين تعود إلى أرضه. هو تلك الراية الخضراء التي لا تحتاج إلى شرح حين تراها في أقصى الدنيا. هو اللهجة التي تسمعها فجأة في مطار بعيد فتشعر أن المسافة إلى بيتك قد قصرت. هو ذاكرة الطفولة، وقبور الآباء، وأحلام الأبناء. هو الأرض التي لا نملكها بقدر ما تملك شيئًا عميقًا فينا. ولذلك فإن اليوم الوطني لا ينبغي أن يكون يومًا نسأل فيه فقط: ماذا قدم الوطن لنا؟ بل ينبغي أن يكون أيضًا يومًا نسأل فيه أنفسنا: ماذا قدمنا نحن للوطن؟ فالانتماء الذي لا يتحول إلى مسؤولية يظل عاطفة ناقصة. والمواطنة ليست راية نرفعها يومًا واحدًا، وإنما عمل نتقنه، ونظام نحترمه، ومرفق عام نحافظ عليه، وفساد نرفضه، وواجب نؤديه، ومحتاج نعينه، وبيئة نصونها، وكلمة مسؤولة نقولها، وأخرى مؤذية نمتنع عنها. الوطنية الحقيقية أقل صخبًا مما نظن، وأكثر عملًا مما نتخيل. بيننا وبين عام ٢٠٣٠ أربعة أعوام فقط. وهي مدة قصيرة في عمر الدول، لكنها في إيقاع السعودية الراهن يمكن أن تحمل الكثير. غير أن الإنجاز الأكبر الذي ينبغي أن نصل إليه ليس مشروعًا بعينه، ولا رقمًا اقتصاديًا منفردًا، وإنما إنسان سعودي أكثر قدرة وثقة ومعرفة وإنتاجًا وانفتاحًا على العالم واعتزازًا بهويته. فالإنسان في النهاية هو المشروع الذي لا ينتهي. يمكن شراء أحدث الآلات، لكن لا يمكن شراء العقل الذي يبتكرها. ويمكن استيراد التقنية، لكن لا يمكن استيراد المجتمع القادر على إنتاجها. ويمكن تشييد أجمل المدن، لكن جودة الحياة فيها يقررها الإنسان الذي يسكنها. ولهذا فإن السباق الحقيقي في العقود المقبلة لن يكون بين الدول التي تملك النفط أو المعادن أو الأراضي، وإنما بين الدول التي تستطيع تحرير طاقات الإنسان فيها. والسعودية تمتلك أغلى عناصر هذه المعادلة: مجتمعًا شابًا، وموارد كبيرة، وموقعًا استثنائيًا، وإرادة سياسية عالية، وطموحًا لا يخجل من إعلان نفسه. في الثالث والعشرين من سبتمبر، حين تخفق الرايات الخضراء فوق البيوت والشوارع والميادين، لا نحتفل بوطن انتهى بناؤه، بل بوطن يتجدد في كل صباح. وطن بدأ حلمه الكبير على يد عبد العزيز، وحمله أبناؤه من بعده، ويقوده اليوم خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، وولي عهده الأمير محمد بن سلمان، نحو أفق جديد. بين الأمس والغد يقف الإنسان السعودي، وارثًا لتاريخ لم يصنعه وحده، ومسؤولًا عن مستقبل لن يعيشه وحده. وهنا تتجلى دلالة الشعار: عزّنا بشجاعتنا، وعزّنا برؤيتنا، وعزّنا بأصالتنا، وعزّنا بهمّتنا، وعزّنا بجودنا وكرمنا. لكن عزنا الأكبر أن كل تلك الصفات لم تبق كلمات معلقة على جدار الذاكرة، بل تحولت - على امتداد تاريخ هذه البلاد - إلى طبع وطن. ولهذا نقول في يومنا الوطني: عزّنا بطبعنا... لأن السعودية وطن يعرف من أين أتى، ويعرف أين يقف، والأهم أنه يعرف إلى أين يريد أن يمضي.