المستتر (1. 2)
الظنون كلها تحتشد حين تخطر كلمة (المستتر) على السمع. لأن المستتر، ما لم يظهر، لا يبقى مجهولا وحسب، بل يكون مغريا لافتضاضه، فالمحارة، ما لم تنفلق، تستدعي الفضول لمعرفة ما بداخلها أمضيء هو أم مظلم؟ وهذا ما حدث لفئة من محبي اكتشاف المضمرات، اجتمعت لتداول الآراء الباسقة: قال أحدهم: الأغرب أن هذا المستتر قال عنه رائد حداثتنا الفلسفية: (إنه أعدل قسمة بين الناس) قال آخر: لا شك عندي، من ذلك النوع الذي ابتكره هو، في أنه كان نائما حين قال ذلك. فهذا رأي طاعن في القدم، فأجدادنا قسموا المستتر إلى قسمين: قسم فطري لدى جميع البشر، وقسم مكتسب من تقلبات الحياة. ومن حسناتهم أنهم لم يقولوا:(إنه متساو في البشر) قال آخر، وهو يضحك في سره، السؤال هو: حين يكشف المستتر استتاره، فما هو الكرسي المناسب لجلوسه عليه؟ ومن أي مادة يستريح إليها؟ فهطلت غيمة ماطرة من الاقتراحات: نصنع له كرسيا من الأبنوس .لا. نصنعه من العقيق. لا. من الذهب. لا. من الماء، فقال نقيبهم: كل هذه الآراء متهافتة، فهو لا يجلس أبدا، لأنه، إذا جلس مات. انتقل الحوار إلى السؤال عن اسمه، فقال أحدهم: أجدادنا كانوا يسمونه (القلب) وقد سماه واحد منا لم يحضر اجتماعنا (العقل) وقد عثر حين اعتبر أن العقل ينمو في كل المجتمعات ما عدا العرب، فهو ثابت منذ العصر الأول. والعثرة الأشد غبارا قوله: إن العلمانية والدمقرطية مفهومان غربيان لا يصلحان لنا. ولو سألناه: ما هي عدتك النقدية وسراج مفاهيمك؟ لأجاب: بأنها كلها غربية. فقال نقيبهم: يبقى للرجل ظله العالي، فقد خاض التراث وفتح بعض أقفاله، و(كفى المرء فخرا أن تعد معايبه) قال أكثرهم كشفا: لقد أصاب العلم الجديد اختصاصنا، ب (جرح يظل على برئه نازفا) فهذا المستتر لم يعد محددا، فهو حصيلة التفاعل الاجتماعي والتاريخي قبل أن يكون فرديا مستقلا بذاته. إن النشاط الفكري والوجداني وكل نشاط آخر (منظومة بنيوية) متداخلة تأبى تجزيئها. هذا بالإضافة إلى أن اختصاصنا طوال عمره المديد لم تستفد منه المجتمعات إلا كرافد صغير من جملة الروافد، وكان همه أن يفسر ما عليه المجتمع، في أفضل حالاته، في حين أن الهدف الإيجابي ما قاله كارل ماركس:(ليس المهم تفسير الواقع، المهم هو تغييره) هل تريد القول: إن ما نقوم به عبث؟ سأجيبك في المقالة القادمة.