في الثالث والعشرين من سبتمبر من كل عام، يحتفي أبناء المملكة العربية السعودية بذكرى توحيد هذا الوطن على يد الملك المؤسس عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود -طيب الله ثراه- عام 1351هـ، للدولة السعودية الثالثة، بعد مسيرة من الكفاح والتضحيات امتدت لأكثر من ثلاثين عامًا، انتقلت خلالها البلاد من التفرق والنزاع إلى وطن واحد يسوده الأمن والاستقرار تحت راية «لا إله إلا الله محمد رسول الله». واليوم، ونحن نحتفل باليوم الوطني 96 ، نستذكر بفخر ما قدمه المؤسس وأبناؤه الملوك من بعده، ونعيش مرحلة جديدة من مسيرة البناء في ظل قيادة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز وسمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان -حفظهما الله-. وتأتي هذه المناسبة في ظل تحولات جيوسياسية واقتصادية متسارعة في المنطقة والعالم، أثبتت خلالها المملكة قدرتها على التعامل مع المتغيرات بحكمة واتزان، والحفاظ على أمنها ومصالحها ومكانتها، وتعزيز دورها الإقليمي والدولي. كما يأتي اليوم الوطني هذا العام في مرحلة متقدمة من «رؤية السعودية 2030»، التي تجاوزت منتصف مدتها، وأصبحت نتائجها واضحة في مختلف المجالات، من تنويع الاقتصاد وتمكين القطاع الخاص، إلى السياحة والتقنية والثقافة والرياضة وجودة الحياة والتحول الرقمي. ولم تعد الرؤية مجرد أهداف مستقبلية، بل أصبحت واقعًا يلمسه المواطن ويعكس طموح المملكة ومكانتها المتنامية عالميًا. ونحن نحتفي باليوم الوطني ، الذي نستذكر فيه ملحمة التوحيد التي قادها الملك عبدالعزيز - طيب الله ثراه - فصنع من الشتات وطناً ومن الحلم واقعاً، تبرز الحاجة أكثر من أي وقت مضى إلى مؤسسة تحفظ هذه الرواية الخالدة وتوثقها للأجيال. لم يكن تأسيس دارة الملك عبدالعزيز عام 1392هـ / 1972م مجرد قرار إداري لإنشاء مؤسسة ثقافية، بل كان استشعاراً مبكراً لحاجة وطنية ملحّة تتمثل في صون تاريخ هذه البلاد وسيرة مؤسسها وفق منهج علمي رصين يحمي الذاكرة من النسيان والتشويه. فمنذ تلك اللبنة الأولى، انطلقت الدارة برسالة واضحة: أن يكون للتاريخ السعودي بيته الأمين الذي يجمع وثائقه ويصون مصادره، لتبقى قصة التوحيد التي نحتفل بذكراها السادسة والتسعين حية في الوجدان، مروية بوثيقة وصورة وشاهد، تنتقل من جيل إلى جيل بكل فخر واعتزاز. حفظ تاريخ الدولة السعودية تُعدّ دارة الملك عبد العزيز إحدى أبرز المؤسسات الثقافية والعلمية في المملكة، وقد جاءت فكرة تأسيسها استجابةً لحاجة وطنية إلى كيان متخصص يتولى حفظ تاريخ الدولة السعودية وتوثيق سيرة مؤسسها الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود رحمه الله. ففي عام 1392هـ/1972م صدر الأمر الملكي بتأسيس الدارة لتكون مركزًا وطنيًا يجمع الوثائق التاريخية، ويصون التراث، ويقدّم المعرفة التاريخية وفق منهج علمي رصين. ومنذ انطلاقتها الأولى، بدأت الدارة في بناء قواعد عملها عبر جمع المخطوطات والوثائق والصور، وتقديم خدمات بحثية محدودة، قبل أن تتوسع مهامها تدريجيًا لتشمل مجالات أوسع في البحث والنشر والتوثيق. مرحلة التوسع المؤسسي والترسيخ العلمي (الثمانينيات والتسعينيات) ومع مرور السنوات، دخلت الدارة مرحلة مهمة في بناء هويتها المؤسسية، حيث توسعت خلال الثمانينيات والتسعينيات في إنشاء المراكز المتخصصة وإطلاق البرامج البحثية التي تدعم الدراسات التاريخية في المملكة والجزيرة العربية. كما بدأت في إصدار مجلات علمية محكّمة، وإنشاء قواعد بيانات للوثائق والصور، مما جعلها مرجعًا رئيسيًا للباحثين والمهتمين بالتاريخ الوطني. وقد أسهم هذا التوسع في ترسيخ مكانة الدارة كمؤسسة علمية ذات حضور مؤثر في المشهد الثقافي السعودي. مرحلة المشاريع الوطنية الكبرى والتوسع النوعي (مطلع الألفية) ومع مطلع الألفية الجديدة، شهدت الدارة مرحلة توسع نوعي عبر إطلاق مشاريع وطنية كبرى، من أبرزها مشروع التاريخ الشفوي الذي وثّق آلاف الساعات من الروايات التاريخية، ومشروع الأطلس التاريخي للمملكة العربية السعودية الذي يُعد أحد أكبر المشاريع البحثية في المنطقة، إضافة إلى تطوير مكتبة الدارة لتصبح واحدة من أهم المكتبات المتخصصة في التاريخ والوثائق. كما أنشأت الدارة مراكز متقدمة تُعنى بتاريخ الأسرة المالكة وجمع ما يتعلق بسيرة الملك عبد العزيز وأبنائه من وثائق وصور ومخطوطات، مما عزز دورها في حفظ الذاكرة الوطنية. مرحلة التحول الرقمي والمعرفي (رؤية المملكة 2030) ومع انطلاق رؤية المملكة 2030، دخلت الدارة مرحلة جديدة تعتمد على التحول الرقمي والمعرفي، حيث عملت على رقمنة ملايين الوثائق والصور التاريخية وإتاحتها عبر منصات إلكترونية، وتطوير قواعد بيانات رقمية للباحثين والمؤرخين، وإطلاق منصات تعليمية وتثقيفية تستهدف الجمهور العام. كما عززت شراكاتها الدولية مع الجامعات والمراكز البحثية العالمية، مما أسهم في تعزيز حضورها العلمي محليًا ودوليًا، وجعلها مؤسسة حديثة تجمع بين الأصالة التاريخية والتقنيات المعرفية المتقدمة. مرحلة الحضور الثقافي والمجتمعي وفي السنوات الأخيرة، توسعت الدارة في المجال الثقافي والمجتمعي، فأصبحت شريكًا رئيسيًا في الفعاليات الوطنية، مثل المعارض التاريخية ومهرجانات التراث والندوات والمؤتمرات الدولية، وأسهمت في إنتاج أفلام وثائقية وإصدار كتب مرجعية وتنظيم معارض للصور التاريخية التي تُبرز مراحل تأسيس المملكة وتطورها. كما شاركت في مشاريع توثيق المدن والقرى السعودية، مما جعلها جزءًا فاعلًا في حفظ الهوية الوطنية وتعزيز الوعي التاريخي لدى المجتمع. النضج المؤسسي وحفظ الذاكرة الوطنية وبعد أكثر من خمسة عقود على تأسيسها، استطاعت دارة الملك عبد العزيز أن تتحول من مؤسسة تُعنى بجمع الوثائق إلى مركز وطني شامل للبحث والتوثيق والنشر، وأن تصبح مرجعًا رئيسيًا لتاريخ المملكة وتراثها. ومع استمرار التحول الرقمي وتوسع المشاريع الوطنية، تواصل الدارة دورها في حفظ الذاكرة الوطنية وتقديم المعرفة التاريخية بأساليب حديثة، مما يعزز حضورها كإحدى أهم المؤسسات الثقافية في العالم العربي. التقدير والجوائز الوطنية والإقليمية وتتويجًا لمنجزاتها الممتدة وتأكيدًا لرصانتها العلمية، حصدت دارة الملك عبد العزيز العديد من التكريمات والجوائز المرموقة التي تعكس تميزها في حفظ التراث ونشره؛ حيث نالت جائزة المؤسسة الثقافية المتميزة تقديرًا لدورها الرائد في توثيق التاريخ الوطني وصيانة الوثائق والمخطوطات، كما حازت على جوائز التميز في النشر الرقمي والتاريخي لقاء مشاريعها المبتكرة؛ وفي مقدمتها الأطلس التاريخي ومشاريع التاريخ الشفوي التي أضحت مراجع علمية معتمدة على مستوى المنطقة. وإلى جانب ذلك، حظيت الدارة بـ تكريمات متعددة في مجالات الشراكات والخدمة المجتمعية احتفاءً بمبادراتها المتواصلة في إثراء المحتوى التاريخي، وتعزيز الوعي بالتراث الثقافي السعودي على المستويين المحلي والدولي. ترسيخ الهوية وتعميق الانتماء إن ما حققته دارة الملك عبدالعزيز خلال أكثر من خمسة عقود لم يعد مجرد إنجاز مؤسسي، بل هو إسهام وطني في ترسيخ الهوية وتعميق الانتماء، وهو ما يتجلى بوضوح ونحن نعيش أفراح اليوم الوطني الـ 96 . ففي هذه المناسبة الوطنية الغالية، ندرك أن الوطن لا يُبنى بالحاضر وحده، بل بذاكرة حية تستلهم الماضي المجيد لتواصل مسيرة البناء. وقد نجحت الدارة في أن تكون هي تلك الذاكرة الحية، منتقلة من مهمة الجمع والحفظ إلى صناعة وعي وطني يربط أبناء اليوم بتضحيات الآباء والأجداد. وبين رقمنة الوثائق، وتوثيق الرواية الشفهية، وحضورها الفاعل محلياً ودولياً، تؤكد الدارة أنها ليست أرشيفاً للماضي فحسب، بل هي شريك أصيل في احتفالنا بالوطن، تحفظ قصة توحيده، وتوثق نهضته في ظل رؤية 2030، لتبقى مسيرة الـ 96 عاماً نبراساً يضيء طريق الأجيال القادمة نحو مستقبل أكثر فخراً وازدهاراً.