قصة قصيرة

ضــوء قديـــم.

كظَّ الشوقُ صدرَها؛ تفرُّ دوماً من يومها إلى أمسها. هناك من يؤنس وحدتها، ويُدرُّ عواطفها؛ هناك تتفتّق الزهور في عينيها، ويذيع العطر القديم الذي يذكّرها بفتوّتها، حين كانت الهموم بيضاء. وكأن الماضي قابعٌ في حجرة ذاكرتها، بكل تفاصيله الملوّنة، العابقة بحميمية الأشياء والبشر. لم تنسَ من ماضيها حدثاً رائعاً أو مؤلماً، وكانت تستمتع باجترار أحداث الماضي الجميلة، أمّا المؤلمة فتسعد بها أيضاً؛ لأنها نجت منها، ولأنها لن تعود. أما ندوب الأيام السالفات، فمنها ما اندمل، ومنها ما يزال يُلحّ عليها، فتتجاهله. اليوم تفاقم حزنها وبلغ غايته، فلم تجد مناصاً من السفر؛ السفر عكس سير الزمن، السفر إلى أيامها السالفات. حجرة ذاكرتها لا تريم. في تلك الحجرة تكوّنت؛ هناك اكتشفت مراهقتها، وجسدها، ومشاعرها. على جدران تلك الغرفة علق صوتها النائح، وضحكتها الطفولية. هناك كوّمت بداياتها ونهاياتها. تتعجّب كيف غادرت كل محتوياتها، وكيف استطاعت بعد ذلك مواجهة العالم؟ لن تمتطي صهوة خيالها هذه المرة؛ فحزنها أبلغ، وجرحها أعمق، وزفرة صدرها تكوي حلقها. ستذهب إلى وقتها الأول، إلى حجرة ذاكرتها، سيراً على قدميها. تعرف الحي القديم، وتعرف بيتهم القديم، لكنها لا تعرف مكانه بالتحديد. حين خرجوا منه كانت الأيام صغيرة، والفرحة كبيرة، ولم تظن أنهم إنما يغادرون أجمل أيامهم وأبهى لحظاتهم، وأن والدها، عندما ركل باب البيت وهم خارجون منه إلى الحي الجديد، إنما كان يركل بياض حياتهم ونقاء دواخلهم. طافت نحو ساعة أو تزيد في شوارع الحي القديم. لم تجد من تسأله؛ فكل من يسيرون في الطرقات كانوا من العمال الأجانب والغرباء. لحظةً، وقف الزمن بها. تجمّدت الأشياء، واختفى من حولها كل العابرين. حتى بصرها شخصَ بذهول وامتدّ طويلاً؛ لا شيء يتحرك حولها، ولا تسمع غير صوت وجيب قلبها بنبضاته المتسارعة. استحلبت دمعها العصي، واستفزّته بذاكرتها، فلم يخضع لها. كان دمعها أشد حزناً منها، فبقي صامداً في محاجر عينيها. عالجت قفل الباب الصدئ المهترئ، فانفرج عن مساحة كافية لولوجها. بخطى مرتجفة، ينازعها خوف وشوق وارتباك، وقفت بين نبتات عشوائية في حوش البيت، تنظر إلى حجرة ذاكرتها. سمعت خشخشة، فركّزت بصرها على نوافذ البيت. انتظرت طويلاً. مضى بها خيالها بعيداً، ورسم لها أحداثاً وأصواتاً وحياةً استثارت نفسها. صدّقت خيالها، ومضت تسير معه في مهاوي النسيان، فتستنطق الحياة الخامدة في ذاكرتها، وتوقدها بشوقها وتصميمها، وتدفع بأحداث كانت قد طواها الزمن ولم تكن تتذكرها. حضرت كل أحداث حياتها الفتية، صغيرها وكبيرها، بأفراحها وأتراحها، بلحظات هنائها وعتمة أيامها. فخاضت غمار حياتها وهي شاخصة أمام البيت الشائخ، وصوت نائح داخلها يتلفها بالسؤال ولا جواب له. قشعريرة جسدها وانتفاضته، وهي تعبر أربعين عاماً، قشّرت أغلفة السنين عن جسدها، فصار جسدها ليّناً بضّاً. حتى والدها امّحت غلظته، وعاد نغماً مترقرقاً. وما زالت توغل في سراديب حياتها، وتضيئها، وتبعث في جدرانها حياة وبياضاً، وتجلو منها عتمات غبار السنين، حتى توهّجت ملامحها، وتناقصت غضون وجهها، وبدت فتاةً في سنّ العشرين.